الأدب والفن
لحظة معرفية تسعى لتأسيس مختبر نقدي..
القصيدة المغربية على طاولة المساءلة: قراءة في ملتقى مراكش للنقد الشعري
اختتام فعاليات الدورة الأولى ل"ملتقى مراكش للنقد الشعري"
نظمت دار الشعر بمراكش يومي 30 و31 يناير فعاليات الدورة الأولى ل"ملتقى مراكش للنقد الشعري"، بمشاركة النقاد والباحثين والشعراء: عبدالدين حمروش، صباح الدبي، المهدي لعرج، عبدالله زمزكي، العزة بيروك، وعبدالحق وفاق. وحفل الملتقى بتقديم مداخلات نقدية، وقراءات شعرية، وتوقيع لإصدارات نقدية وشعرية حديثة. كما شكل فضاء للحوار، ضمن لحظة معرفية جديدة سعت لتأسيس مختبر نقدي، للتفكير والمساءلة والتمحيص في الخطاب النقدي الشعري.
ويسعى الملتقى، أن يكون فضاء للحوار والنقاش والاستقصاء النقدي والمعرفي، في أفق تحيين معارفنا براهن الشعر المغربي وبالقصيدة الحديثة اليوم، من أسئلة الكتابة الى أسئلة النقد، ومن أسئلة النص الشعري الى أسئلة التأويل، ومن أنماط الكتابة الشعرية الى أسئلة الخصوصية، ومن تحولات الكتابة الى أسئلة تحديات المرجع.. ويأتي تنظيم هذه اللحظة المعرفية الجديدة، ضمن سياق واستراتيجية دار الشعر والشعراء بمراكش الاحتفاء بالخطاب النقدي المغربي، والذي واصل مسيرة التألق والحضور العربي، بزخم ما يطرحه من أنساق الرؤى والاجتهادات المعرفية الرصينة.
في رحاب الشعر تتلاقى الأرواح قبل الكلمات، ويصبح النقد مرايا تعكس عمق التجربة الشعرية وتستشرف آفاقها المستقبلية. "ملتقى مراكش للنقد الشعري" في دورته الأولى في دار الشعر بمراكش، لم يكن مجرد حدث ثقافي، بل فضاء للتلاقح بين الفكر والإبداع، حيث يشكل الحوار بين النقاد والشعراء جسرا لفهم القصيدة المغربية بكل أبعادها: الفصحى والأمازيغية والحسانية، ويعيد الاعتبار للنقد بوصفهِ أداةً لإبراز جماليات النص الشعري، والحفر في هويته الفنية والثقافية.
نظمت دار الشعر بمراكش، يومي 30 و 31 يناير 2026، "ملتقى مراكش للنقد الشعري الأول من نوعه، تحت إشراف دار الشعر بمراكش. ويراهنُ الملتقى على مساءلة التجربة الشعرية المغربية وتعزيز الحوار بين النقاد والشعراء. شمل البرنامج مداخلات نقدية عميقة، وقراءات شعرية، وتوقيع إصدارات نقدية، في سياق تطور النقد المرتبط بتحولات القصيدة الحديثة.
كانت البداية مع الجلسة الأولى، التي جمعت ثلة من النقاد، واستُهلت بمداخلة الدكتور المهدي لعرج، الذي ركّز على تطور النقد المغربي من منظور فلسفي–جمالي، معتبرا أن النقد فعل ملازم للإبداع، وليس في قطيعة معه. وتتبع الباحث مسار النقد المغربي من مرحلة الانفعال العاطفي إلى مستوى الوعي النظري وبناء المفاهيم، مبرزا مظاهر التراكم النقدي التي تجلت في عدة مستويات، من بينها الدراسات والمقالات التنظيرية، ومقدمات الدواوين الشعرية، والدراسات الجامعية المتخصصة، إضافة إلى الأعمال التأريخية والموسوعية.
كما الباحث استحضر تجارب نقدية رائدة، من بينها تجربة محمد مفتاح، الذي قدّم تصورا موسعا للشعرية، منفتحا على حقول معرفية متعددة، وأسهم في تعميق التفكير في النص الشعري من زوايا تركيبية ودلالية وثقافية. وتوقف الدكتور المهدي لعرج عند جملة من إشكالات النقد المغربي، من أبرزها تداخل التاريخ بالنقد والتنظير، وأزمة المفاهيم المرتبطة بتسمية الشعر المغربي، وضياع الأرشيف خاصة المجلات الثقافية القديمة، إضافة إلى نزوع تنظيري يفتقر أحيانا إلى الوضوح المنهجي والدقة المفاهيمية. ثم اختتم مداخلته بالدعوة إلى ضرورة التمييز بين التاريخ والنقد والتنظير، باعتباره شرطا أساسيا لتصحيح الاختلالات القائمة في الممارسة النقدية، وبناء خطاب نقدي أكثر وعيا وتماسكا.
أما المداخلة الثانية، فقد قدمتها الدكتورة العزة بيروك، التي انتقلت بالحضور من مراكش إلى جنوب المغرب، مسلطة الضوء على الشعر الحساني في مناطق الصحراء، باعتباره شعرا يحافظ على القالب الكلاسيكي من حيث الوزن النبري الخاص والقافية، مع تنوع الأغراض الشعرية وحضور الارتجال اللحظي المرتبط بالغناء والأداء الشفهي. وتناولت الباحثة أبرز أجناس الشعر الحساني، مثل "الكاف" و"القطاع" و"التبراع"، مبرزة ارتباطها الوثيق بالبيئة الصحراوية ووظائفها الاجتماعية والشفاهية، بوصفها أشكالا تعبيرية حاملة للذاكرة الجماعية والثقافة المحلية. كما أشارت إلى وجود فجوة واضحة بين غزارة الإنتاج الشعري الحساني وضعف المواكبة النقدية، إذ ما تزال عمليات الجمع والتدوين تطغى على التحليل النقدي المعمق والدراسات التأويلية. وتوقفت عند التحديات التي تفرضها الشفاهية، خاصة ما يتعلق بضياع المتون وصعوبة التوثيق وضبط الروايات.ونوهت الباحثة في ختام مداخلتها بالجهود المؤسساتية الواعدة، لاسيما تلك التي تبذلها دار الشعر في عدد من مدن الجنوب، بهدف إعادة الاعتبار لهذا الشعر وفتح آفاق بحثية جديدة تراعي خصوصياته اللغوية والثقافية والجمالية.
أعقبت المداخلات قراءات شعرية، لكل من: الشاعر عبد الدين حمروش من خلال قصيدتين في الحب "أن أحبكِ أنتِ" و"الأحمر يتدفق"، مستعيدا حساسية القول الوجداني. والشاعرة صباح الدبي التي ألقت قصائد منها "نفق على نفق" و" حين تمطر الأسئلة"، ببوح تأملي يركّز على الذات الشاعرة، مع مقاطع قصيرة من ديوانها "رحيل قرمزي". تلتها فقرة توقيع الإصدارات الخاصة بصباح الدبي: المتخيل الشعري: المفهوم والمرجعية والرؤى، الصادر عن منشورات دائرة الثقافة بالشارقة (2023) بتنسيق مع دار الشعر بمراكش، وإصدار المهدي لعرج المتوج بجائزة الشارقة لنقد الشعر العربي: "نسق التجربة الشعرية في القصيدة العربية المعاصرة بن حجمة التجديد وانقسام النموذج" (2025)، في لحظة تواصل مباشر مع الجمهور عززت حضور الكتاب والكاتب داخل الفضاء الثقافي للملتقى.
في الجلسة الثانية التي أشرف عليها الشاعر والناقد عبد اللطيف السخيري، انفتح النقاش على قضايا النقد الشعري وتحولاته داخل التجربة الأمازيغية والمغربية المعاصرة. استعرض الناقد عبد الله زمزكي تطور حركة النقد الشعري الأمازيغي، مبرزا أهميتها في توثيق الشعر وتتبع منجزه الإبداعي، ودورها في إبراز مكانة الشعر الأمازيغي والمساهمة في تجاوزه لحالة الركود. وتوقف عند مراحل تطور هذا الشعر، محددا مرحلتين أساسيتين: الأولى مرحلة شفاهية، حيث كان الشعر يُتداول شفويا بالاعتماد على الحفظ والنقل، مع بروز شعراء أساسيين شكّلوا ذاكرة هذا الإبداع. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الكتابة، التي اعتمدت التدوين وسيلة لتثبيت النصوص ونشرها، وأسهمت في تطوير اللغة والأسلوب، والانفتاح على تجارب ثقافية متنوعة.
وظيفة النقد: ميز الباحث بين مهام النقد التي أُنجزت (الجمع والتدوين) والمهام المرجوة (تقويم النصوص فنياً وبيان قيمتها التعبيرية). وحذر من "العجلة" في الانتقال لتحليل النصوص قبل استكمال التدوين الشامل للأرشيف الشفوي المعرض للضياع .كما استعرض أنماط النقد الأمازيغي التي صنفها إلى نقد خفي (لجان الجوائز والمهرجانات)، نقد علني (منابر إعلامية)، نقد أكاديمي (أطاريح جامعية)، ونقد المتابعة الذي يرصد الإصدارات الجديدة .وعرّ} بعد ذلك على جانب اجرائي تمثَّل في الاستعارة في الشعر الأمازيغي مستشهداً بنماذج لشاعرات مثل خديجة أروهال، حيث تشكل استعارة "المرأة الشمس" نواة القصيدة، مما يعكس عمق التخييل في المتن الأمازيغي الحديث .
من جهتها، تناولت الناقدة صباح الدبي الكتابة الشعرية النسائية وعلاقتها بالمتخيل الشعري، من خلال مقاربة إجرائية لمتخيل الشواعر المغربيات، بعيداً عن "النزوع النوعي" الضيق، مركزةً على الجوانب التالية: متخيل الكينونة والزمن إذ تتوزع مواقف الشاعرات من القلق الوجودي بين التمرد والمواجهة البطولية لقتل الزمن رمزياً (مليكة العاصمي ووفاء العمراني)، وبين المصالحة والمهادنة مع حتمية الموت والولادة (أمينة المريني ولطيفة المسكيني). متخيل الجسد حيثُ انتقل الجسد من الوجود الفيزيقي المادي إلى وجود رمزي ورؤيوي؛ فهو تارة "معبر للملكوت" وأخرى "فكرة فلسفية" تكشف هشاشة الذات أمام الفقد، أو جسد صوفي يسعى للارتقاء عن "قيد الصلصال". ثم المعطى "الأوتوبيوغرافي" المتخيل الذي رأت فيه الباحثة أن الشاعرات لا ينقلن تفاصيل حياتهن بمطابقة واقعية، بل يعدن خلق سيرتهن وطفولتهن عبر التخييل؛ فالطفولة عند إيمان الخطابي مثلاً ترتبط برمزية الماء التي تمحو وتخلق في آن واحد .
أما الشاعر والناقد عبد الحق وفاق فقد تناول تحولات القصيدة المغربية منذ الثمانينيات، مؤكداً على مفهوم "الحساسية الشعرية الجديدة"، والتي استقصى أبرز ملامحها من خلال القول بالاستمرارية لا القطيعة ويرى الباحث أن هذه الجماليات هي امتداد لتجارب الستينيات والسبعينيات، حيث انخرط شعراء من أجيال مختلفة في تحديث أدواتهم (مثل محمد بنيس ومبارك وساط). وملمح الهجرة نحو النثر والشذرة فقد تراجعت أهمية المكون العروضي الوزني لصالح الإيقاع الداخلي والهايكو، مع انفتاح القصيدة على السرد، والحكي اليومي، والتشكيل . ثم ملمح لغة "الأثر" والذات المتشظية باعتبارهما رهاناً للقصيدة الجديدة على "أثر الأثر" عوضاً عن المعنى المباشر، وتعتمد لغة بسيطة تقترب من الحديث اليومي لكنها مشحونة بالاستعارات والنزوع نحو الكونيه . وأخيرا ملمح المضامين المعاصرة التي استشهد عليها الباحث بنصوص لمصطفى ملح حول "الكائنات الورقية" في العالم الافتراضي، ونجيب خداري في وفائه للأمكنة، مما يعكس ارتباط الشعر بتحولات الواقعين الرقمي والنفسي.
وتلت الجلسة قراءات شعرية، حيث قرأ الشاعر عبد الحق وفاق من ديوانه: "مثل رحلة لن تنتهي" مقاطع تمثل التجربة المعاصرة وتراهن على المعنى والجمالية التجريبية. فيما قدمت الشاعرة الحسانية العزة بيروك نماذج من إبداعها في الشعر الحساني، مركزة على الهوية الثقافية والجماليات النصية، خصوصًا فن "التبراع" بوصفه جنسا شعريا حسانيا خاصا بالنساء. واختتمت الجلسة الثانية بتوقيع إصدارين من منشورات دار الشعر بمراكش، متوجين بجائزة مسابقة دار الشعر بمراكش لـ«النقد الشعري»: الأول موسوم بـ«بنيات التحوّل والامتداد في الشِّعر العربي المغربي» للناقد والشاعر عبدالحق وفاق، (الدورة 4/2022)، والثاني للناقد عبدالله زمزكي بعنوان: "الاستعارة التصورية في الشعر الأمازيغي: بنياتها التركيبية والدلالية" (الدورة 5/2023)،
أسهَمت هذه الدورة التأسيسية من "ملتقى مراكش للنقد الشعري" في رسم صورة تقريبية واضحة لمسار النقد المغربي في الشعر الفصيح، والأمازيغي، والحساني، إذ أظهرت التراكم المعرفي الكبير في الدراسات التنظيرية والتاريخية، مقابل تحديات منهجية مثل التداخل بين النقد والتاريخ والتنظير، والفجوة بين الإنتاج الشعري والمواكبة النقدية، لا سيما في الشعر الحساني والأمازيغي. وقد أكدت المداخلات والقراءات الشعرية على أن النقد ليس انفصالا عن الإبداع، بل أداة لفهم النصوص واستنطاق جمالياتها، مع ضرورة تطوير أدوات نقدية تراعي خصوصيات كل لغة وشكل شعري، بما يعزز العلاقة بين النقد والإبداع ويعمق الفهم للهوية الثقافية المغربية المتعددة.
ويأتي تنظيم فعاليات ملتقى للنقد الشعري، وفي مدينة مراكش، تثمينا لمكانة المدينة تاريخيا كأحد منارات الحداثة الشعرية المغربية، وما أحدثته من خلال عطاءات رجالاتها ونسائها، رموز الثقافة المغربية والعربية والإنسانية، وما شكلته من زخم متدفق في نهر الشعر والنقد والأدب والفنون... في مواصلة للانفتاح على شجرة الشعر المغربي الوارفة.