تطورات اقليمية

السودان بين الحرب والانتقال..

تقرير: كيف أعادت الرؤية الإماراتية تشكيل النقاش الدولي حول السودان؟

أبوظبي

مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، وتحولها إلى ما تصفه منظمات دولية بـ«أكبر كارثة إنسانية في العالم»، تتزايد الدعوات الدولية لإعادة النظر في مقاربات إنهاء النزاع، بعيداً عن حلول وقف إطلاق النار المؤقتة أو التفاهمات العسكرية المحدودة. وفي هذا السياق، عادت خارطة الطريق التي طرحتها دولة الإمارات منذ اندلاع الأزمة إلى واجهة النقاش السياسي الدولي، باعتبارها إطاراً يعالج جذور الصراع لا مظاهره فقط.

خارطة الطريق الإماراتية، التي تقوم على عملية انتقالية تقود إلى حكومة مدنية مستقلة لا يهيمن عليها أي من طرفي الحرب، انطلقت من فرضية أساسية مفادها أن «السلام لا يُصنع في ساحة المعركة». هذا المبدأ، الذي عبّر عنه سابقاً السفير محمد أبوشهاب، المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، بات اليوم محل تقاطع مع قراءات غربية متزايدة حول طبيعة الأزمة السودانية.

في تقرير حديث، رأت مجلة ذا ناشيونال إنترست أن إدارة النزاع السوداني عبر وقف إطلاق نار هش أو حوار عسكري–عسكري لن تقود إلى استقرار مستدام. واعتبرت المجلة أن جوهر الأزمة يكمن في البنية المؤسسية التي تُبقي السلطة التنفيذية في يد القيادات العسكرية، ما يخلق حوافز مباشرة لاستمرار الحرب بدل إنهائها.

ووفق التقرير، فإن استمرار ما يُعرف بـ«جيش بورتسودان» في التحكم بالسلطة التنفيذية يقوّض أي مسار سياسي جاد، ليس استناداً إلى موقف أيديولوجي، بل إلى قراءة واقعية لتجارب السودان السابقة، حيث فشلت الترتيبات التي أبقت العسكريين في مركز الحكم في تحقيق انتقال فعلي.

طرحت المجلة الأمريكية تصوراً للحل يتقاطع بشكل واضح مع الرؤية الإماراتية، يقوم على إنشاء إدارة مدنية تقنية مؤقتة، تكون مهمتها إعادة تشغيل مؤسسات الدولة الأساسية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة البيئة السياسية لإجراء انتخابات لاحقة.

هذا الطرح ينطلق من فكرة إعادة القوات المسلحة إلى دورها المهني الدفاعي، وفصلها عن إدارة الشأن السياسي، باعتبار ذلك شرطاً ضرورياً لإنهاء الحرب، لا نتيجة لاحقة لها. وبحسب التقرير، فإن السودان لا يحتاج إلى «هدنة جديدة»، بل إلى إعادة ضبط شاملة للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف أن ما خلص إليه التقرير الأمريكي يعكس دقة التشخيص الإماراتي للأزمة منذ بدايتها. ويؤكد أن موقف أبوظبي كان ثابتاً في توصيف طبيعة الصراع، وفي تحديد الأطراف المستفيدة من استمراره.

ويشير يوسف إلى أن الإمارات ركزت، منذ الأيام الأولى، على البعد الإنساني للأزمة، وعلى ضرورة معالجة إفرازات الحرب، في مقابل أطراف سعت إلى عسكرة الحلول أو توظيف الصراع سياسياً. ويضيف أن هذا الموقف كلّف الإمارات حملات تشويه وضغوطاً سياسية، دون أن يدفعها إلى التراجع عن دعم مسار إنهاء الحرب وبناء الدولة.

بحسب المحلل السوداني، فإن أحد جذور الأزمة يتمثل في تغلغل تنظيم الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية منذ عام 1989، عبر سياسة إحلال كوادر موالية للتنظيم وإقصاء الضباط المهنيين. هذا الواقع، وفقاً له، جعل الجيش جزءاً من الصراع السياسي، لا أداة لحماية الدولة.

ويشدد يوسف على أن أي حل حقيقي يتطلب إبعاد العسكريين عن الحكم، وبناء جيش وطني مهني يخضع لسلطة مدنية منتخبة، مع اقتلاع ما يصفه بـ«العناصر المعيقة لبناء الدولة الديمقراطية».

حذّر تقرير «ذا ناشيونال إنترست» أيضاً من عودة النشاط العسكري الإيراني في السودان، بما يشمل دعم الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي. ويربط التقرير هذا التوجه بمحاولة طهران تعويض خسائر نفوذها في مناطق أخرى، والسعي إلى موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر.

ويرى المحلل السوداني أن هذا البعد الإقليمي يضيف خطورة مضاعفة للأزمة، إذ يحوّل السودان من ساحة نزاع داخلي إلى نقطة صراع جيوسياسي، بما يهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

يعكس التقاطع المتزايد بين الرؤية الإماراتية وقراءات مراكز التفكير الغربية تحوّلاً في مقاربة الأزمة السودانية، من إدارة الصراع إلى البحث في إنهائه جذرياً. وبينما تتعمق الكارثة الإنسانية، يبدو أن الرهان على انتقال مدني حقيقي، وفصل المؤسسة العسكرية عن الحكم، بات الخيار الأكثر واقعية لإعادة السودان إلى مسار الدولة والاستقرار.

تقرير: الحوثيون والبحر الأحمر.. تهديد تكتيكي أم ورقة استراتيجية إيرانية؟


محاولات ترميم الحرس الإيراني تفشل أمام اقتصاد منهار وغضب شعبي متصاعد


مليونية ردفان تعيد تثبيت التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي


مؤتمر واشنطن يفضح بنية القمع الإيراني في انتفاضة يناير 2026