بحوث ودراسات

قرن من النفوذ السياسي والعسكري والأمني في اليمن..

السعودية وإعادة تشكيل النفوذ في جنوب اليمن.. الأبعاد الجيوسياسية والتداعيات المستقبلية

ضابط سعودي مكلف بالإشراف على السلطة المحلية في محافظة شبوة النفطية - أرشيف

المكلا

الملخص: ليست المشكلة في حدثٍ بعينه، بل في نمطٍ يتكرر بلا انقطاع. منذ 1925 وحتى 2025، تدخلت السعودية في اليمن تحت عناوين متبدلة—الأمن، الشرعية، الاستقرار—لكن النتيجة بقيت ثابتة على نحو يصعب تجاهله: كل تدخل ينتهي بيمنٍ أكثر ضعفاً، ومجالٍ سياسي أكثر تفككاً، وصراعٍ أشد تعقيداً مما كان عليه قبل التدخل.

هذه ليست مصادفة تاريخية، بل مسار يمكن تتبعه بوضوح. من معاهدة الطائف التي أوقفت الحرب دون أن تنهي أسبابها، إلى حرب الستينيات التي انتهت بقبول واقع مغاير للأهداف المعلنة، وصولاً إلى حرب 2015 التي استنزفت الجميع دون حسم، يتكرر المشهد ذاته: تدخل يبدأ بهدف فرض الاستقرار، وينتهي بإعادة تشكيل عدم الاستقرار في صورة جديدة.

الأكثر دلالة أن معيار التعامل لم يكن ثابتاً تجاه الخصوم أو الحلفاء، بل تجاه درجة السيطرة. القوى التي دُعمت في مرحلة جرى كبحها أو استهدافها في مرحلة لاحقة عندما اقتربت من امتلاك قرار مستقل. بهذا المعنى، لا يظهر التدخل كوسيلة لإنهاء الصراع، بل كأداة لإبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها، حتى لو كان الثمن تفكك الدولة نفسها.

المفارقة التي لا يمكن تجاوزها أن كل جولة تدخل تُبرَّر بالحاجة إلى الاستقرار، لكنها تفضي عملياً إلى نتيجة معاكسة. ومع انتقال الصراع من دول إلى جماعات مسلحة، وتزايد تعقيد البيئة الإقليمية، لم تعد القوة العسكرية قادرة على فرض نتائج سياسية مستقرة، بل أصبحت جزءاً من دورة استنزاف مفتوحة.

وعليه، فإن ما يكشفه قرن من التدخلات ليس فشلاً عرضياً، بل معادلة ثابتة، منع تشكل قوة يمنية أو جنوبية مستقلة حتى لو ذلك يعني بقاء اليمن في حالة عدم استقرار دائم.

وهنا لا يعود السؤال: هل نجحت التدخلات أم فشلت؟ بل: كيف يمكن تفسير تكرار النتيجة نفسها… رغم تغيّر كل الأدوات والذرائع؟.

 

المقدمة

تمثل العلاقة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية واحدة من أكثر العلاقات اضطراباً في الإقليم، حيث لم تكن مجرد علاقة جوار جغرافي، بل مساراً ممتداً من التداخل والتدخل وإعادة تشكيل موازين القوة. فمنذ نشوء الدولة السعودية الحديثة، ظل اليمن يُنظر إليه ليس فقط كعمق أمني، بل كحيز يجب ضبطه سياسياً بما يمنع تشكل قوة مستقلة خارجة عن دائرة التأثير السعودي.

تعود جذور هذه العلاقة المتوترة إلى ما قبل معاهدة الطائف عام 1934، غير أنها لم تتخذ شكلها المنهجي إلا ابتداءً من ستينيات القرن الماضي، حين تحول اليمن إلى ساحة مفتوحة للتدخلات المباشرة وغير المباشرة. ومنذ ذلك الحين، لم يكن التدخل السعودي استثناءً، بل قاعدة تتكرر بأشكال مختلفة، من الصراعات الحدودية، إلى الحروب بالوكالة خلال الحرب الباردة العربية، وصولاً إلى التدخل العسكري الواسع منذ عام 2015.

ورغم اختلاف السياقات، فإن النتيجة تكاد تكون واحدة: إضعاف البنية السياسية اليمنية، وتعقيد مسار الدولة، وإبقاء موازين القوة في حالة سيولة دائمة. ويظهر هذا النمط بوضوح في التحولات التي شهدتها العلاقة مع القوى الجنوبية، حيث انتقلت السعودية من موقع التحالف إلى المواجهة المباشرة في عدن وأبين وشبوة بعد عام 2017، في مؤشر لا يعكس تغيراً عابراً، بل يعبر عن منطق أعمق يقوم على إدارة التوازنات لا تثبيتها.

انطلاقاً من ذلك، تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً يتجاوز التفسير التقليدي للتدخلات العسكرية: هل تعكس هذه التدخلات استجابات أمنية مرحلية، أم أنها جزء من نمط مستمر لإعادة تشكيل المجال اليمني بما يخدم مصالح استراتيجية أوسع؟ وبصيغة أكثر مباشرة، هل كان الأمن هدفاً بحد ذاته، أم أداة ضمن سياسة أوسع لإدارة النفوذ؟

تهدف هذه الدراسة إلى تتبع التدخلات العسكرية السعودية في اليمن خلال الفترة الممتدة من 1925 حتى 2025، وتحليل أنماطها، واستخلاص ما إذا كانت تحكمها ثوابت بنيوية أم تحولات ظرفية. ويشمل ذلك دراسة محطات مفصلية، من الحرب الأهلية اليمنية (1962-1968)، إلى حرب الوديعة عام 1969، مروراً بحرب صعدة الأولى (2004)، ثم التدخل العسكري الواسع منذ 2015، وصولاً إلى المواجهات مع القوات الجنوبية في السنوات الأخيرة.

ولا تنظر هذه الدراسة إلى هذه التدخلات باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل بوصفها سلسلة مترابطة تكشف عن نمط ثابت في توظيف القوة، حيث لم تكن الأدوات العسكرية مجرد وسيلة ردع، بل أداة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يضمن بقاء اليمن ضمن دائرة التأثير، حتى وإن كان ذلك على حساب استقراره.

 

المنهجية البحثية 

 

يعتمد هذا البحث على مقاربة منهجية مركبة تنطلق من طبيعة الإشكالية المطروحة، والتي لا يمكن التعامل معها من خلال منهج واحد أو زاوية تحليلية ضيقة، نظراً لتداخل العوامل التاريخية والسياسية والجيوسياسية في تشكيل نمط التدخل السعودي في اليمن. ومن هذا المنطلق، تم اعتماد مجموعة من المناهج المتكاملة التي تتيح قراءة التدخلات السعودية ليس بوصفها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها مساراً ممتداً يعكس استمرارية في السلوك وتغيراً في الأدوات.

في مقدمة هذه المناهج، يأتي المنهج التاريخي، الذي لا يقتصر استخدامه على إعادة سرد الوقائع، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل الوثائق والروايات المختلفة، وإعادة بناء التسلسل الزمني للتدخلات السعودية في سياقها السياسي والعسكري. ويشمل ذلك دراسة مراحل مفصلية مثل الحرب الأهلية اليمنية الأولى (1962-1968)، وحرب الوديعة (1969)، وحرب صعدة الأولى (2004)، مع ربط هذه المحطات ببعضها البعض لفهم ما إذا كانت تمثل تحولات نوعية، أم امتداداً لنمط ثابت.

ولا يقل أهمية عن ذلك المنهج المقارن، الذي يُستخدم لاستخلاص أوجه الثبات والتحول في السلوك السعودي عبر الزمن. فبدلاً من النظر إلى كل تدخل على حدة، يتم وضع هذه التدخلات ضمن إطار مقارن يكشف الفروق في الشكل، ويختبر في الوقت ذاته وجود منطق مشترك يحكمها. ومن خلال هذه المقارنة، يمكن ملاحظة الانتقال من التدخل غير المباشر عبر دعم الفصائل خلال حرب 1962، إلى التدخل العسكري المباشر واسع النطاق في عام 2015، وهو تحول لا يمكن فهمه بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية، ولا عن تطور أدوات القوة لدى السعودية نفسها.

كما يعتمد البحث على تحليل السياسة الخارجية لفهم آليات اتخاذ القرار داخل المملكة العربية السعودية، مع التركيز على تفاعل المؤسسات المختلفة، بما في ذلك الأسرة الحاكمة، والمؤسسة العسكرية، ووزارة الدفاع، بالإضافة إلى تأثير البيئة الإقليمية، خاصة التنافس مع إيران، والعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. غير أن هذا التحليل لا يتوقف عند توصيف هذه العوامل، بل يسعى إلى ربطها بشكل مباشر بطبيعة التدخلات، من حيث توقيتها، وأهدافها، وأدواتها.

أما المنهج الجيوسياسي، فيمثل أحد أهم الأدوات التحليلية في هذه الدراسة، حيث ينطلق من فرضية أن الجغرافيا لعبت دوراً حاسماً في تشكيل السلوك السعودي تجاه اليمن. فالمناطق الحدودية مثل نجران وجازان وعسير، والممرات الحيوية مثل باب المندب، والامتداد نحو بحر العرب، لا تُفهم فقط كعناصر أمنية، بل كمساحات صراع على النفوذ والتحكم في المسارات الاستراتيجية، خاصة في ظل التغيرات المرتبطة بأمن الطاقة وطرق التصدير.

ويشمل المجال المكاني للدراسة الأراضي اليمنية والسعودية، مع تركيز خاص على المناطق التي شكلت مسرحاً مباشراً للتدخل العسكري، سواء في المناطق الحدودية أو في العمق اليمني. أما المجال الزماني، فيمتد من عام 1925، الذي يمثل بداية التدخلات السعودية المبكرة بعد توحيد نجد والحجاز، وحتى عام 2025، مع التركيز على المحطات التي شهدت تحولات نوعية في طبيعة التدخل. وعلى المستوى البشري، يتناول البحث مختلف الفاعلين، من القوات المسلحة النظامية إلى الفصائل المحلية بمختلف توجهاتها، إضافة إلى القيادات السياسية والعسكرية، وكذلك القوى الإقليمية والدولية التي لعبت أدواراً مؤثرة في مسار الصراع.

ويعتمد البحث كذلك على تحليل المحتوى النوعي للخطاب الرسمي السعودي، بهدف تفكيك المبررات المعلنة للتدخل، ومقارنتها بالنتائج الفعلية على الأرض، وهو ما يسمح بالكشف عن الفجوة بين الخطاب والممارسة. كما يُستخدم التحليل السببي لربط المتغيرات المستقلة، مثل التحولات الإقليمية وصعود الفاعلين غير التقليديين، بالمتغيرات التابعة، مثل شكل التدخل ومدته وشدته.

وعلى الرغم من تعدد الدراسات التي تناولت الدور السعودي في اليمن، إلا أن معظمها ظل محصوراً في فترة زمنية محددة، تتركز بشكل أساسي على مرحلة ما بعد عام 2011، وما يرتبط بها من تطورات سياسية وعسكرية. وقد تناولت هذه الدراسات أبعاداً متعددة، منها السياسي، والعسكري، والإنساني، حيث أشارت بعض الدراسات إلى محدودية فعالية التدخل العسكري في تحقيق أهدافه، بينما ركزت دراسات أخرى على التداعيات الإنسانية والاقتصادية للصراع.

كما ذهبت بعض الدراسات إلى أن التدخل السعودي في اليمن لم يكن مجرد استجابة لتهديدات أمنية، بل ارتبط بمحاولات مستمرة لإدارة التوازنات الداخلية ومنع تشكل سلطة مستقلة. غير أن هذه الدراسات، رغم أهميتها، لم تقدم تحليلاً ممتداً يربط بين مختلف مراحل التدخل عبر فترة زمنية طويلة، كما لم تعالج بشكل كافٍ التحول في طبيعة الصراع من صدامات حدودية تقليدية إلى تدخلات عميقة داخل البنية السياسية اليمنية.

ومن أبرز أوجه القصور في الدراسات السابقة أيضاً، عدم تناول التحول من التحالف مع القوى الجنوبية إلى المواجهة المباشرة معها بعد عام 2017، وهو تحول يكشف عن طبيعة العلاقة غير المستقرة بين السعودية وهذه القوى، ويطرح تساؤلات حول منطق التحالفات نفسه.

وبناءً على ذلك، تأتي هذه الدراسة لسد هذه الفجوة، من خلال تقديم إطار تحليلي يمتد لقرن كامل، يربط بين العوامل التاريخية والجيوسياسية والسياسية، ويكشف أن التدخل السعودي في اليمن لم يكن ظاهرة عابرة، بل نمطاً مستمراً يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، بينما تظل نتائجه متشابهة: إضعاف الدولة، وتعقيد الصراع، وإبقاء اليمن في حالة عدم استقرار طويل الأمد.

المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي

لا يمكن فهم ظاهرة التدخلات العسكرية السعودية في اليمن بمعزل عن إطار نظري ومفاهيمي يحدد طبيعة هذا التدخل، وأشكاله، ودوافعه، وآلياته ضمن سياق العلاقات الدولية. فهذه الظاهرة لا تنتمي إلى مستوى الحدث العابر، بل ترتبط ببنية أعمق من التفكير الاستراتيجي الذي يحكم سلوك القوى الإقليمية تجاه محيطها. ومن هنا، يسعى هذا الفصل إلى بناء أدوات تحليلية قادرة على تفكيك هذا السلوك، من خلال تناول مفهوم التدخل العسكري وتطوره، واستعراض النظريات التي تفسر سلوك القوى الإقليمية، ثم مناقشة الإطار القانوني الذي يُستخدم لتبرير أو نفي شرعية هذه التدخلات. 

مفهوم توظيف التدخل العسكري

أولاً: تعريف التدخل لغة واصطلاحاً

 

يُفهم التدخل في معناه اللغوي باعتباره فعلاً ينطوي على الدخول في شأن الغير أو التوسط فيه، سواء بالقوة أو بدونها، وهو معنى يحمل في ذاته دلالة على تجاوز الحدود الطبيعية للعلاقات. أما في الاصطلاح السياسي، فإن التدخل في العلاقات الدولية يأخذ طابعاً أكثر تحديداً، إذ يشير إلى قيام دولة باستخدام القوة أو التهديد بها، أو توظيف أدوات قسرية أخرى، بهدف التأثير في سلوك دولة أخرى أو في طبيعة نظامها السياسي أو قراراتها السيادية، دون موافقتها أو رغم إرادتها. هذا التعريف لا يضع التدخل في إطار الفعل العسكري فقط، بل يكشف عن طبيعته كأداة لإعادة تشكيل القرار السياسي في دولة أخرى.

 

ثانياً: أنواع التدخل العسكري

 

لا يمكن التعامل مع التدخل العسكري بوصفه نموذجاً واحداً ثابتاً، إذ تتعدد أشكاله وفقاً لمستوى القوة المستخدمة، وطبيعة العلاقة مع الأطراف الداخلية، ومدى مشروعيته القانونية. ففي بعض الحالات، يظهر التدخل بشكل محدود يقتصر على ضربات جوية أو دعم لوجستي أو إرسال مستشارين، بينما يتخذ في حالات أخرى طابعاً شاملاً يصل إلى حد العمليات البرية الواسعة. كما قد يكون التدخل مباشراً من خلال مشاركة القوات النظامية، أو غير مباشر عبر دعم فصائل محلية بالمال والسلاح والتدريب، وهو الشكل الذي يمنح الدولة المتدخلة قدرة على التأثير دون تحمل الكلفة الكاملة للحرب. أما من حيث الشرعية، فإن التدخل يظل محل جدل دائم، إذ قد يُبرر تحت غطاء الدفاع عن النفس أو التفويض الدولي، أو يُصنف كخرق صريح لسيادة الدول.

ثالثاً: التمييز بين التدخل والحرب بالوكالة

يمثل مفهوم الحرب بالوكالة أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة التدخل السعودي في اليمن، إذ يشير إلى نمط من الصراع غير المباشر تقوم فيه قوة إقليمية أو دولية بدعم أطراف محلية لتحقيق أهدافها دون الدخول في مواجهة مباشرة. ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة عند تحليل مرحلة الحرب الأهلية اليمنية في ستينيات القرن الماضي، حيث دعمت السعودية القوى الملكية في مواجهة الجمهوريين المدعومين من مصر، وهو نمط تكرر لاحقاً بأشكال مختلفة، ما يعكس تفضيلاً مستمراً لاستخدام الفاعلين المحليين كأدوات لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع.

 

النظريات المفسرة لسلوك القوى الإقليمية تجاه جوارها

 

أولاً: النظرية الواقعية

تنطلق النظرية الواقعية من فرضية أساسية مفادها أن النظام الدولي يقوم على التنافس المستمر بين الدول، وأن الأمن والقوة يمثلان المحدد الرئيسي لسلوكها. ووفقاً لهذا المنظور، فإن تدخل القوى الإقليمية في جوارها لا يُفهم كخيار طارئ، بل كضرورة تفرضها معضلة الأمن، حيث تسعى الدول إلى خلق مناطق عازلة تمنع انتقال التهديدات إلى داخل حدودها. كما يبرز مفهوم توازن التهديد، الذي لا يقوم على مواجهة القوة الأعلى فقط، بل على مواجهة المصدر الأكثر خطورة من حيث القرب الجغرافي والقدرات والنوايا. وفي هذا الإطار، يمكن تفسير تعامل السعودية مع اليمن باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها، بحيث لا يُسمح بوجود قوة معادية أو غير منضبطة في هذا المجال.

ثانياً: نظرية الاعتماد على المسار التاريخي

تشير هذه النظرية إلى أن القرارات الأولى التي تتخذها الدول في تعاملها مع محيطها تترك أثراً طويل الأمد يصعب تغييره لاحقاً، حيث تتشكل أنماط سلوكية تصبح جزءاً من بنية التفكير الاستراتيجي. وبالنسبة للعلاقة السعودية اليمنية، فإن تاريخ الصراع، بدءاً من معاهدة الطائف مروراً بحرب الوديعة، أسهم في ترسيخ تصور ثابت لدى صانع القرار السعودي يقوم على عدم الثقة في استقرار اليمن، وضرورة إبقائه تحت السيطرة أو الاحتواء المستمر.

ثالثاً: النظرية البنائية

تركز النظرية البنائية على دور الأفكار والهويات في تشكيل سلوك الدول، حيث لا يُفهم التدخل العسكري فقط من منظور مادي، بل من خلال التصورات التي تحملها الدولة عن نفسها وعن الآخرين. وفي الحالة السعودية، يتداخل البعد المذهبي مع البعد السياسي، حيث يُنظر إلى التدخل في اليمن أحياناً كجزء من صراع أوسع على الهوية والنفوذ، سواء في مواجهة القومية العربية في الماضي أو النفوذ الإيراني في الحاضر. كما يرتبط هذا السلوك أحياناً بتعزيز شرعية النظام السياسي داخلياً من خلال تقديم نفسه كمدافع عن الاستقرار الإقليمي.

رابعاً: نموذج التحليل الجغرافي السياسي

يؤكد هذا النموذج أن الجغرافيا ليست مجرد إطار محايد، بل عنصر فاعل في توجيه السلوك السياسي. فالسعودية، بحكم امتلاكها حدوداً طويلة مع اليمن، وارتباط أمنها بممرات بحرية حيوية، تجد نفسها أمام واقع جيوسياسي يجعل من اليمن مساحة لا يمكن تجاهلها أو تركها خارج دائرة التأثير. كما أن التداخل القبلي والحدودي، إضافة إلى الإرث التاريخي للنزاعات، يعزز من هذا البعد ويجعله عاملاً دائماً في صنع القرار.

الخلاصة النظرية: لا يمكن تفسير السلوك السعودي من خلال نظرية واحدة، بل يتطلب الأمر مقاربة تجمع بين الواقعية لفهم دوافع الأمن، والبنائية لفهم الأبعاد الأيديولوجية، والتحليل الجغرافي لتفسير ثبات الموقع، وهو ما يسمح بقراءة أكثر شمولاً للتدخلات عبر الزمن.

الإطار القانوني للتدخلات العسكرية

 

أولاً: ميثاق الأمم المتحدة: يضع ميثاق الأمم المتحدة إطاراً قانونياً يبدو في ظاهره واضحاً، لكنه في التطبيق يفتح باباً واسعاً للتأويل. فمن جهة، يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سيادة الدول، ومن جهة أخرى، يقر بحق الدفاع الشرعي عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح. هذه الثنائية تخلق مساحة رمادية تُستخدم لتبرير التدخلات، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انطباق مفهوم الدفاع الشرعي على حالات مثل التدخل السعودي في اليمن، خاصة في المراحل التي لم يكن فيها تهديد مباشر.

ثانياً: الميثاق العربي والاتفاقيات الثنائية

يؤكد ميثاق جامعة الدول العربية على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إلا أن هذا المبدأ ظل عرضة للتجاوز في الممارسة السياسية. كما أن معاهدة الطائف، رغم أهميتها في تنظيم العلاقة بين السعودية واليمن، لم تمنع استمرار التدخلات، ما يعكس محدودية الاتفاقيات القانونية أمام منطق القوة.

ثالثاً: التدخل بدعوة من الحكومة الشرعية

يُعد مبرر التدخل بناءً على طلب الحكومة الشرعية من أكثر الأدوات القانونية استخداماً، كما حدث في التدخل السعودي عام 2015. غير أن هذا المبرر يظل محل جدل، خاصة عندما تكون تلك الحكومة فاقدة للسيطرة الفعلية على الأرض، مما يطرح تساؤلات حول مدى شرعية هذا النوع من التدخل.

رؤيا صانع القرار السعودي حول اليمن

يعكس هيكل النظام السياسي في السعودية طبيعة مركزية شديدة في صنع القرار، حيث تتركز السلطة الفعلية بيد الملك، الذي يملك صلاحيات واسعة تشمل تعيين وإعفاء المسؤولين، وإدارة السياسة الخارجية، واتخاذ قرار الحرب والسلم. وفي هذا السياق، لا يُفهم التدخل في اليمن كنتاج مؤسساتي بحت، بل كقرار سياسي مركزي يعكس رؤية القيادة الحاكمة لطبيعة العلاقة مع اليمن، وللمخاطر والفرص التي يمثلها.

يقدم هذا الفصل الإطار النظري والمفاهيمي الذي سيُبنى عليه تحليل التدخلات السعودية في اليمن، حيث تم تعريف مفهوم التدخل وتمييزه عن الحرب بالوكالة، واستعراض أبرز النظريات المفسرة للسلوك الإقليمي، إضافة إلى مناقشة الإطار القانوني المنظم لهذه التدخلات. وتشكل هذه الأدوات مدخلاً لفهم المراحل اللاحقة، ليس بوصفها أحداثاً منفصلة، بل كجزء من نمط ممتد يكشف عن ثبات في الأهداف وتغير في الوسائل.

 

المبحث الثاني: الجذور التاريخية للعلاقات السعودية-اليمنية (1900-1934)

 

قبل أن تتشكل المملكة العربية السعودية ككيان سياسي موحد عام 1932، كانت شبه الجزيرة العربية فضاءً مفتوحاً لتداخلات معقدة بين القوى المحلية والإقليمية، حيث تقاطع النفوذ العثماني المتراجع مع الحضور البريطاني المتصاعد، إلى جانب كيانات قبلية وإمارات محلية تمتلك قدراً متفاوتاً من الاستقلال. وفي هذا السياق، تمثل الفترة الممتدة من مطلع القرن العشرين حتى توقيع معاهدة الطائف عام 1934 المرحلة التكوينية الحاسمة للعلاقة السعودية اليمنية، إذ تشكلت خلالها الأسس الجيوسياسية للصراع، وتبلورت أنماط التفاعل التي ستستمر لعقود لاحقة.

لا يمكن قراءة هذه المرحلة بوصفها مجرد تاريخ حدودي، بل باعتبارها لحظة تأسيس لمنطق تدخل مبكر، حيث بدأت السعودية في ترسيخ حضورها في اليمن عبر أدوات متعددة، تراوحت بين التحالفات السياسية والتدخلات المباشرة وغير المباشرة. وتكشف أمثلة مثل اتفاقية مكة عام 1926، والدعم السعودي لبعض الأطراف داخل اليمن، عن أن هذا الدور لم يكن ظرفياً، بل جزءاً من تصور مبكر لليمن كمساحة نفوذ يجب التحكم بها. 

كما يظهر من تتبع المسار التاريخي أن التدخل السعودي لم يكن ثابت الشكل، بل اتخذ أنماطاً مختلفة تبعاً للظروف، إذ دعمت الرياض حكم أسرة آل حميد الدين، وساهمت في تثبيت سلطتهم من خلال الدعم السياسي والعسكري، كما تدخلت في محطات مفصلية مثل انتفاضة 1948 ومحاولة الانقلاب عام 1955، في إطار سعيها للحفاظ على نظام سياسي يتماشى مع مصالحها، ويضمن استمرار التوازن القائم وفق اتفاقية الطائف.

ومع انتهاء الحكم الإمامي وصعود النظام الجمهوري بقيادة السلال، لم تتراجع السعودية، بل أعادت تموضعها بسرعة، حيث دعمت القوى الملكية في مواجهة الجمهوريين المدعومين من مصر، وجمدت أصول الحكومة اليمنية، وسعت إلى التأثير في تشكيل السلطة داخل اليمن، سواء عبر دعم شخصيات سياسية معينة أو من خلال تقليص اعتماد صنعاء على الاتحاد السوفيتي، واستبداله بعلاقات مع الولايات المتحدة. هذا التحول لا يعكس تغيراً في الهدف، بل في الوسيلة، وهو نمط سيستمر لاحقاً بأشكال أكثر تعقيداً.

الصراع على عسير ونجران وجازان (1900-1932)

قبل قيام الدولة السعودية الحديثة، كانت مناطق عسير ونجران وجازان تخضع شكلياً للسيادة العثمانية، لكنها عملياً كانت تحت حكم كيانات محلية شبه مستقلة. هذا التناقض بين السيادة القانونية والسيطرة الفعلية خلق حالة من “السيادة المزدوجة”، وهي الحالة التي شكلت لاحقاً أحد أهم أسباب النزاع.

في عسير، تعاقب حكم أسرة آل عائض ثم الإدريسيون، الذين تمكنوا من تأسيس كيان سياسي بدعم بريطاني، جعل من المنطقة منطقة عازلة بين القوى الكبرى في البحر الأحمر. أما نجران، فكانت منطقة ذات طبيعة قبلية معقدة، تتنازعها قوى متعددة، ما جعلها بؤرة توتر دائم. في حين شكلت جازان نقطة استراتيجية حيوية، نظراً لموقعها البحري، وهو ما جعلها هدفاً دائماً للصراع.

مع صعود عبد العزيز آل سعود وتوحيده لنجد والحجاز، اتجهت السياسة السعودية نحو الجنوب الغربي بدوافع متعددة، لم تكن أمنية فقط، بل شملت أبعاداً اقتصادية وأيديولوجية. فالسعودية سعت إلى منع أي قوة معادية من السيطرة على المرتفعات المطلة على الحجاز، كما سعت إلى تأمين الموانئ والطرق التجارية، إضافة إلى نشر مشروعها الديني والسياسي في المنطقة.

في هذا السياق، برزت إمارة الإدريسي ككيان فاصل بين السعودية واليمن، غير أن ضعف هذا الكيان بعد وفاة مؤسسه فتح المجال أمام صراع مباشر بين الرياض وصنعاء. فقد تحرك الإمام يحيى لضم مناطق عسير ونجران، في حين ردت السعودية بحملات عسكرية واتفاقيات سياسية هدفت إلى إعادة رسم النفوذ في المنطقة. وكان توقيع اتفاقية مكة عام 1926 نقطة مفصلية، إذ مثل أول نجاح سعودي في استخدام الأدوات الدبلوماسية لتثبيت نفوذها.

كما أن غياب ترسيم واضح للحدود، نتيجة انهيار الاتفاقيات العثمانية البريطانية، أدى إلى ما يمكن وصفه بـ”الحدود العائمة”، وهي حالة جعلت الصراع مفتوحاً أمام التفسيرات السياسية والقوة العسكرية، ومنحت كل طرف مبررات تاريخية لمطالبه.

 

حرب 1934 – المواجهة المباشرة الأولى

 

اندلعت حرب 1934 نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها الصراع على جازان، حيث اعتبر الإمام يحيى السيطرة السعودية عليها خرقاً للتوازن القائم، إضافة إلى الخلاف حول نجران، والتصعيد الديني والإعلامي الذي غذى النزاع وأعطاه طابعاً أيديولوجياً.

تطورت الحرب بسرعة، وامتدت إلى عدة جبهات، حيث حققت القوات السعودية تقدماً واضحاً، خاصة في نجران وعسير وجازان، ووصلت إلى مشارف صعدة، في مؤشر على التفوق العسكري السعودي في تلك المرحلة. هذا التقدم لم يكن مجرد نتيجة عسكرية، بل كان تعبيراً عن تحول في ميزان القوة في المنطقة.

لعبت بريطانيا دوراً محورياً في إنهاء الحرب، ليس بدافع تحقيق السلام، بل حفاظاً على مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر. وقد نجحت في فرض وقف إطلاق النار، في لحظة كان فيها استمرار الحرب يشكل خطراً على استقرار المنطقة.

أما القوى الأخرى، مثل إيطاليا، فقد كان تأثيرها محدوداً، في حين لم يكن للنظام العربي المؤسسي دور يُذكر، لعدم وجوده في تلك المرحلة.

 

معاهدة الطائف 1934 – التسوية المؤسسة بين السلام والهدنة المسلحة

جاءت معاهدة الطائف كنتيجة مباشرة للحرب، وشكلت إطاراً قانونياً لتنظيم العلاقة بين الطرفين، حيث تضمنت وقفاً لإطلاق النار، وترسيماً للحدود، وتنظيماً للعلاقات السياسية والاقتصادية.

غير أن هذه المعاهدة، رغم أهميتها، لم تُنهِ جذور الصراع، بل أعادت إنتاجه بشكل مختلف. فقد احتفظت السعودية بالمناطق التي سيطرت عليها، في حين قبل اليمن بالأمر الواقع تحت ضغط الهزيمة. كما أن الغموض في بعض بنود المعاهدة، خاصة فيما يتعلق بالحدود، جعلها عرضة للتأويل في مراحل لاحقة.

من منظور تحليلي، يمكن اعتبار المعاهدة نموذجاً لما يُعرف بـ”السلام السلبي”، حيث يتم وقف الحرب دون معالجة أسبابها الحقيقية. فقد استندت المعاهدة إلى توازن القوة، وليس إلى توافق سياسي حقيقي، وهو ما جعلها قابلة للاهتزاز مع أي تغير في الظروف.

ورغم أن المعاهدة ساهمت في منع اندلاع حرب شاملة لفترة من الزمن، إلا أنها لم تمنع استمرار التوتر، بل ظلت تُستخدم كمرجعية متنازع عليها، حيث اعتبرتها السعودية وثيقة نهائية، بينما رأت فيها اليمن اتفاقاً مفروضاً.

 

المبحث الثالث: التدخلات المحدودة وصراع الحدود (1934-1962)

 

بعد توقيع معاهدة الطائف عام 1934، دخلت العلاقات السعودية-اليمنية مرحلة جديدة اتسمت بقدر من الهدوء الظاهري على المستوى الرسمي، غير أن هذا الهدوء كان يخفي توتراً كامناً وعدم ثقة متبادلة لم تفلح المعاهدة في معالجته. فقد أوقفت المعاهدة الحرب المفتوحة، لكنها لم تحسم جوهر الخلافات الحدودية، كما لم تُنهِ آثار الهزيمة التي مُني بها الجانب اليمني، الأمر الذي جعل العلاقة بين الطرفين أقرب إلى هدنة طويلة منها إلى تسوية مستقرة.

امتدت هذه المرحلة لما يقارب ثلاثة عقود، شهدت خلالها السعودية تحولات داخلية عميقة تمثلت في اكتشاف النفط وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، في حين ظل اليمن تحت حكم الإمامة، محافظاً على طابعه التقليدي القائم على البنية القبلية والدينية. وفي ظل هذا التباين، تبنت السعودية نمطاً خاصاً من التدخل يمكن وصفه بـ"التدخل المحدود"، حيث سعت إلى إدارة ملف الحدود والنفوذ دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرة مستمرة للتأثير داخل اليمن. 

إدارة التوتر الحدودي في ظل معاهدة الطائف

رغم أن معاهدة الطائف نصت على ترسيم الحدود، إلا أن هذا الترسيم بقي في حدوده النظرية، ولم يُترجم إلى واقع ميداني واضح. فقد ظلت مناطق مثل نجران وبعض المرتفعات في عسير محل نزاع مستمر، حيث كانت القبائل تتحرك عبر هذه المناطق دون اعتبار للحدود السياسية، وتدفع الزكاة أحياناً لهذا الطرف وأحياناً لذاك، وهو ما خلق واقعاً مزدوجاً للسيادة يصعب ضبطه.

خلال الفترة الممتدة بين 1934 و1962، شهدت الحدود عدداً كبيراً من الاشتباكات المحدودة، لم تكن في حد ذاتها مؤشراً على حرب شاملة، لكنها كانت تعكس هشاشة الوضع القائم. وغالباً ما كانت هذه الاشتباكات تُحتوى بسرعة، إما عبر وساطات قبلية أو تدخلات غير مباشرة من القوى الخارجية، وعلى رأسها بريطانيا.

وقد حاول الطرفان معالجة هذه الإشكالات من خلال اللجان المشتركة التي نصت عليها معاهدة الطائف، غير أن هذه اللجان لم تحقق تقدماً ملموساً، إذ واجهت صعوبات تتعلق بضعف التواصل، وغياب الخرائط الدقيقة، وتباين المرجعيات التاريخية، إضافة إلى تمسك الإمام يحيى بموقفه الرافض للاعتراف النهائي بنتائج الحرب، وهو ما جعل هذه اللجان أقرب إلى منصة دائمة للنقاش منها إلى أداة لحل النزاع.

في هذا السياق، لعبت القبائل دوراً محورياً في تشكيل طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث أدركت السعودية مبكراً أهمية بناء علاقات مباشرة مع شيوخ القبائل اليمنية، خاصة في المناطق الشمالية القريبة من صنعاء. وقد شكلت هذه العلاقات أداة فعالة للتأثير غير المباشر في الداخل اليمني، حيث لم يكن النفوذ يُمارس فقط عبر الدولة، بل عبر شبكة من الروابط القبلية التي تتغير وفقاً للمصالح.

ومع مرور الوقت، تطورت هذه السياسة لتصبح جزءاً أساسياً من أدوات التدخل السعودي، خاصة مع بروز شخصيات قبلية مؤثرة مثل الشيخ عبد الله الأحمر، الذي لعب دوراً سياسياً بارزاً لاحقاً، في ظل شبكة علاقات وثيقة مع الرياض، ساهمت في تعزيز حضورها داخل اليمن دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر.

وفي المقابل، كانت بريطانيا، بحكم سيطرتها على عدن، حريصة على استقرار هذه الحدود، ليس من باب تحقيق السلام، بل لضمان أمن طرقها التجارية. وقد مارست دوراً مزدوجاً تمثل في الوساطة غير المعلنة بين الطرفين، والضغط على اليمن لتجنب التصعيد، إضافة إلى تقديم دعم لوجستي غير مباشر للسعودية في بعض الحالات.

السياسة السعودية تجاه اليمن (1934-1948: عهد الإمام يحيى)

 

بعد معاهدة الطائف، تبنى الملك عبد العزيز سياسة تقوم على احتواء اليمن بدلاً من مواجهته بشكل مباشر، حيث ركز على بناء الدولة داخلياً، مستفيداً من عائدات النفط التي بدأت بالتدفق منذ أواخر الثلاثينيات، في حين أبقى الملف الحدودي في حالة تجميد محسوب، يسمح بالتحرك عند الحاجة دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

غير أن هذا النهج لم يمنع السعودية من التدخل بشكل غير مباشر في الشأن اليمني، حيث قدمت دعماً محدوداً لبعض القوى المناهضة للإمام يحيى، سواء عبر توفير ملاذات آمنة للمعارضين أو تقديم دعم مالي لبعض القبائل، إضافة إلى استخدام وسائل إعلامية للتأثير في الرأي العام اليمني.

وقد ظهر اختبار مبكر لهذه السياسة في أزمة عام 1937، حين تحركت قوات يمنية نحو نجران، في محاولة لإعادة فرض النفوذ، وهو ما قوبل برد سعودي سريع تضمن حشد القوات واستعراض القوة الجوية. غير أن الأزمة لم تتطور إلى مواجهة مباشرة، بفضل تدخل بريطاني أعاد الأمور إلى ما كانت عليه، لكنه كشف في الوقت ذاته هشاشة الوضع الحدودي واستعداد الطرفين للتصعيد.

مرحلة الإمام أحمد (1948-1962) – تصاعد التوتر

مع تولي الإمام أحمد الحكم عام 1948، دخلت العلاقات بين السعودية واليمن مرحلة أكثر توتراً، حيث اتسمت سياسته بقدر أكبر من التشدد والرغبة في استعادة ما اعتبره حقوقاً تاريخية لليمن. وفي الوقت نفسه، كانت السعودية قد أصبحت أكثر قوة، بفضل عائدات النفط وتوسع دورها الإقليمي، وهو ما جعل ميزان القوة يميل بشكل أوضح لصالحها.

في هذا السياق، لم تتخل السعودية عن سياسة التدخل غير المباشر، بل وسعتها لتشمل دعم المعارضين اليمنيين في الخارج، وتسهيل تحركات القبائل المناهضة للإمام، مع الحفاظ على مستوى محسوب من التدخل يضمن عدم انهيار النظام الإمامي بشكل كامل، خوفاً من صعود نظام جمهوري موالٍ لمصر، وهو السيناريو الذي كانت تعتبره تهديداً أكبر.

وقد بلغ التوتر ذروته في اشتباكات عام 1957، التي اندلعت على الحدود بين نجران وصعدة، حيث حاولت القوات اليمنية فرض سيطرتها على بعض المناطق المتنازع عليها، وهو ما قوبل برد سعودي عسكري شمل القصف الجوي والدفع بقوات برية. ورغم أن المواجهة لم تستمر طويلاً، إلا أنها كشفت عن استعداد الطرفين لاستخدام القوة، وعن التفوق العسكري السعودي الذي أصبح عاملاً حاسماً في ضبط الحدود.

ومع وفاة الإمام أحمد عام 1962، انهارت حالة التوازن الهشة التي كانت قائمة، إذ لم يستطع خلفه الحفاظ على استقرار الحكم، وسرعان ما اندلعت الثورة التي أطاحت بالنظام الإمامي وأعلنت قيام الجمهورية. وقد شكل هذا الحدث نقطة تحول مفصلية، حيث انتقلت العلاقات السعودية اليمنية من مرحلة التدخل المحدود إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، وهو ما سيتم تناوله في الفصل التالي.

يمكن القول إن الفترة الممتدة من 1934 إلى 1962 شهدت تطبيقاً واضحاً لما يمكن وصفه باستراتيجية التدخل المحدود، حيث اعتمدت السعودية على مزيج من الردع العسكري، والتأثير السياسي غير المباشر، والمرونة الدبلوماسية، بما يضمن الحفاظ على مصالحها دون الانخراط في مواجهة شاملة. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم نجاحها في احتواء التوتر، لم تعالج جذور الصراع، بل مهدت لمرحلة أكثر تعقيداً وانفجاراً في العلاقات بين الطرفين.

المبحث الرابع: حرب دعم النظام الملكي (1962-1968)

 

شكّل انقلاب 26 سبتمبر 1962 نقطة تحول جذرية في العلاقات السعودية اليمنية، إذ لم يعد اليمن مجرد ساحة نفوذ يمكن إدارتها بأدوات غير مباشرة، بل أصبح ميدان مواجهة إقليمية مفتوحة. فبسقوط نظام الإمامة وقيام الجمهورية العربية اليمنية بدعم مصري مباشر، وجدت السعودية نفسها أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة: إما القبول بواقع جديد يحمل في طياته امتداداً للمشروع الناصري إلى قلب شبه الجزيرة العربية، أو التدخل لمنع هذا التحول وإعادة تشكيل التوازن السياسي في صنعاء.

اختارت الرياض المسار الثاني، ودخلت في حرب طويلة بالوكالة امتدت لست سنوات، لم تكن مجرد دعم لنظام ملكي منهار، بل محاولة لإعادة رسم المجال السياسي في اليمن بما يتوافق مع تصورها للأمن الإقليمي. وقد مثّلت هذه الحرب أول تدخل سعودي واسع النطاق خارج حدودها، وأسست لنمط تدخل سيستمر بأشكال مختلفة في العقود التالية. 

 

المبحث الخامس: ثورة 26 سبتمبر 1962 وانهيار نظام الإمامة

 

في فجر السادس والعشرين من سبتمبر، تحركت مجموعة من الضباط اليمنيين المتأثرين بالفكر القومي العربي بقيادة عبد الله السلال، لتقتحم قصر الإمام محمد البدر في صنعاء، معلنة نهاية نظام الإمامة وبداية مرحلة جديدة. ورغم الإعلان المبكر عن مقتل الإمام، إلا أن فراره إلى الشمال سرعان ما حوّل الحدث من انقلاب سريع إلى حرب مفتوحة.

تمكن الإمام البدر من إعادة تنظيم صفوفه خلال أيام، مستنداً إلى شبكة ولاءات قبلية راسخة، خصوصاً في مناطق صعدة، حيث أعلن ما وصفه بحرب مقدسة ضد النظام الجمهوري وحلفائه. وخلال فترة قصيرة، أصبحت الجبال الشمالية مسرحاً لمقاومة منظمة، نجحت في تطويق المدن الكبرى وتهديد خطوط الإمداد.

لم يكن الصراع يمنياً داخلياً فحسب، بل سرعان ما تحول إلى ساحة مواجهة إقليمية ودولية. فقد تدخلت مصر بشكل مباشر لدعم الجمهوريين، وأرسلت قوات عسكرية كبيرة، في حين سارعت السعودية إلى تبني الموقف الملكي واعتبار الإمام البدر ممثلاً شرعياً. كما انخرطت أطراف أخرى بشكل متفاوت، مثل الأردن وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، كل وفق حساباته الخاصة، وهو ما حوّل اليمن إلى ساحة صراع متعددة المستويات.

استراتيجيات وأدوات التدخل السعودي (1962-1967)

 

اعتمد التدخل السعودي خلال هذه المرحلة على مزيج متكامل من الأدوات، لم يكن هدفه خوض حرب مباشرة، بل إدارة الصراع من الخلف، عبر تمكين القوى الملكية وإطالة أمد المواجهة بما يستنزف الخصم.

في مقدمة هذه الأدوات جاء الدعم المالي، الذي شكّل العمود الفقري للمقاومة الملكية، حيث تدفقت مبالغ كبيرة عبر شبكات قبلية وتجارية، ما أتاح استمرار القتال رغم غياب بنية دولة منظمة. كما لعبت المناطق الحدودية داخل السعودية دور القاعدة الخلفية التي تنطلق منها العمليات، حيث استخدمت كمراكز تدريب ومستودعات سلاح وممرات عبور.

ولم يقتصر الأمر على الدعم المالي والعسكري، بل شمل أيضاً بعداً استخباراتياً معقداً، حيث عملت الأجهزة السعودية على ربط الملكيين بالعالم الخارجي، وتأمين قنوات اتصال سرية، إضافة إلى اختراق صفوف الجمهوريين بهدف جمع المعلومات والتأثير في مسار الحرب.

ومن أبرز ملامح هذه المرحلة، انخراط السعودية في شبكة تحالفات غير تقليدية، جمعتها مع أطراف تتقاطع مصالحها في مواجهة المشروع الناصري. فقد نشأ تنسيق مع بريطانيا، رغم التناقض الظاهري، كما ساهم الأردن في دعم الجهد العسكري بشكل غير مباشر، وظهرت أشكال من التواصل غير المعلن مع أطراف أخرى، في سياق توازنات إقليمية معقدة، ما يعكس أن الصراع في اليمن لم يكن محلياً بقدر ما كان امتداداً لصراع أوسع على النفوذ.

 

موازين القوى على الأرض

اتسمت الحرب بتفاوت واضح في طبيعة القوى المتواجهة، حيث اعتمد الجمهوريون على دعم مصري مباشر تمثل في إرسال عشرات الآلاف من الجنود، إلى جانب معدات عسكرية ثقيلة، ما منحهم تفوقاً تقنياً واضحاً، خاصة في المدن الكبرى.

في المقابل، اعتمد الملكيون على نمط مختلف من القتال، قائم على التعبئة القبلية وحرب العصابات، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة، ومن قدرتهم على المناورة في المناطق الجبلية. وقد مكّنهم الدعم السعودي المستمر من الحفاظ على قدرتهم القتالية، رغم غياب هيكل عسكري تقليدي.

ومع مرور الوقت، بدأت موازين القوى تتغير تدريجياً، حيث واجهت القوات المصرية صعوبات متزايدة، سواء بسبب طبيعة الأرض أو طول خطوط الإمداد أو تراجع الروح المعنوية، خاصة مع تصاعد الخسائر البشرية. وفي المقابل، استطاع الملكيون توسيع نطاق سيطرتهم في الريف، ما أدى إلى حالة من التوازن غير المستقر.

حصار صنعاء (1967-1968) وفشل المشروع الملكي

 

شكّل انسحاب القوات المصرية بعد هزيمة 1967 نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، إذ وجد الجمهوريون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الملكيين دون دعم خارجي مباشر. وقد رأت القيادة الملكية، بدعم سعودي، أن الفرصة أصبحت مواتية لإنهاء الصراع لصالحها، فتم حشد قوات كبيرة لفرض حصار على صنعاء.

استمر الحصار لعدة أسابيع، وشهد معارك عنيفة في محيط المدينة، وسط نقص حاد في الموارد داخلها. ورغم ذلك، تمكن الجمهوريون من الصمود، مستفيدين من دعم بعض القبائل، ومن تماسك القيادة العسكرية، ما أدى في النهاية إلى فك الحصار دون تحقيق الهدف الملكي.

كشف هذا الفشل عن مجموعة من العوامل الحاسمة، أبرزها الانقسامات داخل المعسكر الملكي، وتغير أولويات السعودية مع تولي الملك فيصل، إضافة إلى التحولات الدولية التي أدت إلى اعتراف متزايد بالجمهورية. ومع مرور الوقت، أصبح استمرار الحرب أكثر كلفة وأقل جدوى، ما دفع السعودية إلى إعادة تقييم موقفها.

وفي عام 1970، تم التوصل إلى اتفاق أنهى الحرب رسمياً، واعترفت السعودية بالنظام الجمهوري، في تحول 

يمكن القول إن هذه الحرب مثلت النموذج المؤسس للتدخل السعودي في اليمن، حيث كشفت عن نمط واضح يقوم على التدخل غير المباشر، والاعتماد على الفاعلين المحليين، والانخراط في تحالفات مرنة، مع الاستعداد للانتقال إلى التسوية عندما تتغير موازين القوى.

وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه المرحلة أن التدخل السعودي، رغم قدرته على التأثير، لم يكن قادراً على فرض نتائج نهائية، بل انتهى إلى التكيف مع الواقع الجديد، وهو نمط سيتكرر لاحقاً بأشكال مختلفة.

 

 

 

حرب الوديعة (1969) – نموذج الصدام الحدودي المباشر مع اليمن الجنوبي

 

بينما كانت الحرب الأهلية في شمال اليمن تقترب من نهايتها باعتراف السعودية بالجمهورية العربية اليمنية، برز على الحدود الجنوبية للمملكة تهديد من طبيعة مختلفة تماماً. فقد أدى انسحاب بريطانيا من عدن ومحمياتها في 30 نوفمبر 1967 إلى قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي تحولت لاحقاً إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، كأول دولة ماركسية في العالم العربي. لم تكن هذه الدولة مجرد كيان سياسي جديد، بل مشروع أيديولوجي ثوري ارتبط مباشرة بالمعسكر السوفيتي، وتبنى خطاباً عدائياً صريحاً تجاه الأنظمة الملكية في المنطقة، وفي مقدمتها السعودية.

في هذا السياق، لم تكن حرب الوديعة حدثاً عارضاً، بل نتيجة طبيعية لتصاعد التوتر بين مشروعين متناقضين، أحدهما محافظ يسعى إلى تثبيت الاستقرار، والآخر ثوري يعمل على تصدير الأيديولوجيا. وتميزت هذه الحرب بكونها المواجهة التقليدية المباشرة الوحيدة بين القوات النظامية السعودية واليمنية الجنوبية، دون وساطة أو حرب بالوكالة، كما أنها كانت قصيرة زمنياً لكنها عميقة الأثر استراتيجياً. 

 

خلفيات الصراع ونشأة اليمن الجنوبي الماركسي

 

لا يمكن فهم حرب الوديعة دون العودة إلى لحظة الانسحاب البريطاني من الجنوب، حيث تركت بريطانيا فراغاً سياسياً ملأته قوى ثورية تبنت خطاباً جذرياً يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة. فقد نشأت الدولة الجنوبية الجديدة في سياق ثوري، وسرعان ما أعلنت تبنيها للماركسية اللينينية، وتحالفت مع الاتحاد السوفيتي والصين، وهو ما جعلها تتبنى سياسة خارجية هجومية تقوم على دعم الحركات الثورية في المنطقة.

وقد تجلى هذا التوجه في دعمها لثورة ظفار في سلطنة عُمان، وهو ما اعتبرته السعودية تهديداً مباشراً لتوازن المنطقة، خاصة أن عمان كانت تمثل حليفاً تقليدياً للرياض. كما أن الخلافات الحدودية حول مناطق مثل الوديعة وشرورة زادت من حدة التوتر، حيث رفض الجنوب الاعتراف بأي ترتيبات حدودية سابقة، واعتبر تلك المناطق جزءاً من أراضيه.

 

إلى جانب ذلك، لعب الإعلام دوراً في تأجيج الصراع، حيث تبنت إذاعة عدن خطاباً تحريضياً ضد السعودية، متهمة إياها بالتحالف مع القوى الغربية، وداعية إلى إسقاط نظامها. في المقابل، رفضت السعودية الاعتراف بالدولة الجديدة، واعتبرتها تهديداً أيديولوجياً وأمنياً، ما أدى إلى قطع العلاقات وفرض نوع من الحصار غير الرسمي.

 

مسرح العمليات – منطقة الوديعة وشرورة

 

تقع منطقة الوديعة في عمق الصحراء، ضمن نطاق الربع الخالي، وتشكل نقطة اتصال بين السعودية واليمن الجنوبي وعُمان. ورغم بساطة هذه المنطقة من حيث الموارد، إلا أن موقعها جعلها ذات أهمية استراتيجية، إذ تمثل ممراً للحركة القبلية والتجارية، كما أن السيطرة عليها تعني التحكم في أحد مداخل الصحراء الكبرى في الجزيرة العربية.

الطبيعة الجغرافية للمنطقة لعبت دوراً حاسماً في شكل العمليات العسكرية، فهي منطقة مكشوفة تفتقر للغطاء الطبيعي، مما يجعل التفوق الجوي عاملاً حاسماً، ويحد من فعالية تكتيكات حرب العصابات التي اعتاد عليها الجنوبيون. كما أن صعوبة الإمداد بسبب البعد الجغرافي جعلت القدرة اللوجستية عاملاً حاسماً في تحديد مسار المعركة.

في هذا السياق، دخل الطرفان الحرب بقوات نظامية، حيث اعتمدت السعودية على وحدات مدعومة بتجهيزات حديثة نسبياً، في حين اعتمد الجنوب على قوات مدربة تدريباً سوفيتياً، لكنها تفتقر إلى خبرة القتال في بيئة صحراوية مفتوحة.

 

 

مجريات الحرب (27 نوفمبر – 6 ديسمبر 1969)

 

بدأت الحرب بهجوم مباغت من جانب القوات الجنوبية التي تمكنت من السيطرة على مركز الوديعة بسرعة، مستفيدة من عنصر المفاجأة، وهو ما شكل صدمة أولية للجانب السعودي. غير أن هذا التقدم لم يستمر طويلاً، إذ سارعت السعودية إلى إعادة تنظيم قواتها، واعتمدت بشكل أساسي على التفوق الجوي لوقف التقدم الجنوبي.

شكلت الضربات الجوية نقطة التحول في المعركة، حيث أدت إلى تدمير جزء كبير من المعدات الجنوبية وتعطيل خطوط الإمداد، وهو ما أجبر القوات الجنوبية على التحول من الهجوم إلى الدفاع. ومع وصول التعزيزات البرية، شنت السعودية هجوماً مضاداً منسقاً تمكنت من خلاله من استعادة المواقع التي فقدتها خلال أيام.

وقد كشفت المعركة عن خلل واضح في قدرة القوات الجنوبية على إدارة حرب تقليدية في بيئة مفتوحة، خاصة في ظل ضعف الإمداد والتعرض المستمر للقصف الجوي، في حين أظهرت السعودية قدرة على التكيف السريع واستخدام التكنولوجيا العسكرية بشكل فعال.

 

الخسائر والنتائج

 

رغم قصر مدة الحرب، إلا أنها أسفرت عن خسائر ملحوظة، كانت الكفة فيها تميل لصالح السعودية، خاصة بسبب التفوق الجوي. لكن الأهم من الأرقام هو ما أفرزته الحرب من نتائج استراتيجية، حيث تمكنت السعودية من تثبيت سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، وفرض واقع جديد على الأرض.

كما أدت الحرب إلى تراجع الطموحات التوسعية للجنوب، الذي أدرك أن المواجهة المباشرة مع السعودية غير مجدية، فتحول إلى دعم الحركات غير المباشرة في المنطقة. وفي المقابل، عززت السعودية من قدراتها الردعية، وأثبتت قدرتها على حماية حدودها.

تحليل حرب الوديعة في إطار الثابت والمتحول

تكشف هذه الحرب عن مجموعة من الثوابت في السياسة السعودية، أبرزها الحساسية العالية تجاه أي تهديد حدودي، والاستعداد لاستخدام القوة بشكل مباشر عند الضرورة، إضافة إلى الاعتماد على التفوق الجوي والتحالفات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تعكس الحرب تحولات مهمة، منها الانتقال من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة، واستخدام التكنولوجيا العسكرية الحديثة، ودخول الصراع في إطار أوسع مرتبط بالحرب الباردة.

كما أن سرعة الحسم في هذه الحرب تعكس تحولاً في العقيدة العسكرية السعودية نحو الرد السريع، وهو ما سيظهر لاحقاً في تدخلات أخرى. وفي الوقت ذاته، أظهرت الحرب حدود القوة العسكرية، حيث لم تؤدِ إلى إنهاء الصراع، بل إلى إعادة تشكيله في شكل جديد.

يمكن القول إن حرب الوديعة تمثل لحظة مفصلية في تطور العلاقة السعودية اليمنية، حيث جمعت بين الصدام المباشر والتحولات الإقليمية الكبرى. ورغم أن السعودية خرجت منها منتصرة عسكرياً، إلا أن الحرب كشفت عن طبيعة الصراع في المنطقة بوصفه صراعاً ممتداً لا يُحسم بالقوة وحدها، بل يتغير شكله مع تغير الظروف، وهو ما يجعلها مقدمة لفهم المراحل اللاحقة من التدخل السعودي في اليمن.

 

 

المبحث السادس: حرب صعدة الأولى (2004) – بذور التهديد غير المتماثل

 

بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الهدوء النسبي على الحدود السعودية اليمنية، برز في مطلع الألفية الثالثة نمط جديد من التهديد لم تعهده الرياض في تعاملها مع اليمن. لم يعد التحدي يتمثل في دولة نظامية، ولا في جيش إقليمي مدعوم خارجياً كما في الستينيات، ولا في نظام تقليدي يمكن احتواؤه عبر التوازنات القبلية، بل في جماعة مسلحة غير حكومية، ذات طابع ديني سياسي، تمتلك قدرة عالية على التكيف مع البيئة الجغرافية الوعرة، وتتبنى خطاباً أيديولوجياً عابراً للحدود.

تمثلت هذه الجماعة في "أنصار الله" (الحوثيين)، التي نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن، على تماس مباشر مع الحدود السعودية، واستفادت من تراكمات تاريخية واجتماعية ومذهبية لتبني مشروعاً يتجاوز الإطار المحلي. ومع اندلاع المواجهة بينها وبين الحكومة اليمنية في يونيو 2004، وجدت السعودية نفسها أمام تهديد غير متماثل، لا يمكن التعامل معه بالأدوات التقليدية، الأمر الذي دفعها إلى التدخل تدريجياً، بدايةً بشكل غير مباشر، ثم بشكل عسكري مباشر عبر القصف الجوي والحدودي. وقد مثلت هذه الحرب لحظة تأسيس لنمط جديد من الصراع، ستكون تداعياته أكثر وضوحاً في العقد التالي. 

 

ظهور جماعة أنصار الله (الحوثيين) في صعدة

 

تقع محافظة صعدة في أقصى شمال اليمن، وتشكل منطقة تماس جغرافي واجتماعي مع الجنوب السعودي، خاصة مناطق نجران وعسير. وتمتاز هذه المنطقة بخصوصية مذهبية، حيث يغلب عليها المذهب الزيدي، الذي كان يشكل الإطار السياسي والديني للنظام الإمامي قبل عام 1962. ومع سقوط الإمامة وصعود النظام الجمهوري، بدأ نفوذ الزيديين في التراجع تدريجياً، ما ولّد شعوراً متزايداً بالتهميش لدى شرائح واسعة من سكان صعدة.

هذا الشعور لم يكن سياسياً فقط، بل ارتبط أيضاً بتحولات ثقافية ودينية، حيث تزايد حضور التيارات السلفية المدعومة من السعودية داخل اليمن، وهو ما اعتبره بعض النشطاء الزيديين تهديداً لهويتهم المذهبية. وفي هذا السياق، ظهرت حركات فكرية ودعوية تسعى إلى إعادة إحياء الزيدية، متأثرة في الوقت نفسه بتجارب إقليمية مثل الثورة الإيرانية.

ضمن هذا المناخ، برز حسين بدر الدين الحوثي كقائد لحركة أخذت تتطور تدريجياً من نشاط ثقافي ودعوي في التسعينيات إلى تنظيم سياسي معارض في مطلع الألفية. وقد ركز الحوثي في خطابه على نقد السلطة اليمنية، واتهامها بالارتهان للخارج، خاصة الولايات المتحدة والسعودية، كما دعا إلى إعادة الاعتبار للهوية الزيدية ومقاومة ما وصفه بالهيمنة السياسية والدينية.

ومع تصاعد التوتر بين الجماعة والحكومة، خاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بدأت المواجهة تأخذ طابعاً أكثر حدة، إلى أن أصدرت السلطات اليمنية مذكرة اعتقال بحق الحوثي، الأمر الذي دفعه إلى الانسحاب إلى الجبال، وإعلان التمرد المسلح، لتبدأ بذلك أولى جولات الحرب.

 

مسار حرب صعدة الأولى (يونيو – سبتمبر 2004)

 

اندلعت المواجهة في بيئة جغرافية معقدة، حيث استفاد الحوثيون من الطبيعة الجبلية لصعدة لتنفيذ عمليات كر وفر، مستندين إلى معرفتهم الدقيقة بالتضاريس، وقدرتهم على التحرك في مناطق يصعب على الجيش النظامي الوصول إليها. في المقابل، واجهت القوات الحكومية صعوبات كبيرة، رغم امتلاكها معدات عسكرية متطورة نسبياً، إذ لم تكن مهيأة لحرب العصابات، ولا للتعامل مع خصم غير تقليدي.

خلال هذه المرحلة، لم تكن السعودية طرفاً مباشراً في القتال، لكنها تابعت التطورات بقلق متزايد، نظراً لعدة اعتبارات، في مقدمتها طول الحدود المشتركة، واحتمال انتقال الصراع إلى داخل أراضيها، إضافة إلى التخوف من وجود امتدادات إقليمية للجماعة، خاصة في ظل الحديث عن ارتباطها بإيران.

لذلك، قدمت الرياض دعماً غير مباشر للحكومة اليمنية، شمل مساعدات مالية، وتعاوناً استخباراتياً، وتشديداً للإجراءات الأمنية على الحدود، بهدف احتواء التهديد ومنع توسعه. غير أن هذا الدعم لم يكن كافياً لحسم الصراع بسرعة، حيث استمرت المواجهات لعدة أشهر، وانتهت بمقتل حسين الحوثي في سبتمبر 2004.

ورغم أن الحكومة أعلنت حينها نهاية التمرد، إلا أن مقتل الحوثي لم يؤدِ إلى تفكك الجماعة، بل ساهم في إعادة تشكيلها، وتحويل قائدها إلى رمز تعبوي، وهو ما مهد لاستمرار الصراع في جولات لاحقة.

 

التدخل السعودي المباشر – القصف الجوي (أواخر 2004 – 2005)

مع امتداد الصراع، بدأت عناصر من الحوثيين بتنفيذ عمليات محدودة داخل الأراضي السعودية، شملت استهداف مواقع حدودية وزرع ألغام والتسلل عبر المناطق الجبلية. هذه التطورات دفعت السعودية إلى الانتقال من موقع الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري المباشر.

في هذا الإطار، شنت القوات الجوية السعودية غارات على مواقع داخل صعدة، مستخدمة طائرات حديثة نسبياً، إلى جانب قصف مدفعي من مواقع حدودية. وقد بررت الرياض هذا التدخل بأنه يأتي في إطار الدفاع عن النفس، وحماية حدودها من تهديد مباشر، إضافة إلى كونه استجابة لطلب الحكومة اليمنية.

غير أن هذا التدخل لم يحقق حسمًا نهائيًا، بل أدى إلى نتائج معقدة، تمثلت في خسائر بشرية ومادية، ونزوح واسع للسكان، دون القضاء على الجماعة. ومع تدخل وساطات إقليمية، خاصة من قطر، تم التوصل إلى هدنة مؤقتة، لكنها لم تصمد طويلاً، حيث تجددت المواجهات في جولات لاحقة.

تحليل الدلالات – بذور التهديد غير المتماثل

تكشف حرب صعدة الأولى عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجهها السعودية، حيث لم يعد الصراع يتم مع دولة يمكن ردعها أو التفاوض معها، بل مع جماعة مرنة، قادرة على التكيف، وتستفيد من البيئة الجغرافية والاجتماعية.

كما أن هذه الحرب أسست لربط الصراع اليمني بالسياق الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل الاتهامات المتزايدة لإيران بدعم الحوثيين، وهو ما أضفى على الصراع بعداً استراتيجياً يتجاوز الحدود اليمنية.

على المستوى العسكري، دفعت هذه التجربة السعودية إلى إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية، حيث بدأت في تطوير قدراتها لمواجهة حرب غير تقليدية، وتعزيز أمن حدودها، وبناء منظومات مراقبة متقدمة، إضافة إلى التفكير في تدخلات أوسع في حال تصاعد التهديد.

أما على المستوى السياسي، فقد كشفت الحرب عن محدودية أدوات التأثير غير المباشر، وأظهرت أن التعامل مع الفاعلين غير الدولتيين يتطلب مقاربات مختلفة، وهو ما سيتجلى لاحقاً في التدخل السعودي الواسع بعد عام 2015.

يمكن القول إن حرب صعدة الأولى لم تكن مجرد مواجهة محدودة، بل كانت لحظة تأسيس لمرحلة جديدة من الصراع، حيث ظهر نمط تهديد غير متماثل سيعيد تشكيل العلاقة بين السعودية واليمن. لم تنجح الرياض في إنهاء هذا التهديد، بل ساهمت، دون قصد، في تعزيزه، حيث تحول الحوثيون من حركة محلية محدودة إلى فاعل رئيسي في المشهد اليمني، قادر على تحدي الدولة نفسها، وصولاً إلى السيطرة على صنعاء بعد عقد من الزمن.

وبذلك، فإن هذه الحرب تمثل الحلقة التي تربط بين الماضي التقليدي للصراع، والمستقبل الأكثر تعقيداً، حيث تتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية، في مشهد يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

 

المبحث السابع: التدخل الشامل 2015-2025 – تحالف دعم الشرعية

 

بعد سنوات من الحروب المتقطعة بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله خلال الفترة 2004-2010، شهد اليمن تحولا نوعيا في ميزان القوة خلال الأعوام التي تلت ثورة 2011، حيث أتاح انهيار البنية السياسية والأمنية للدولة فرصة غير مسبوقة للحوثيين لإعادة ترتيب صفوفهم والتوسع عسكريا. وقد استثمرت الجماعة حالة الفراغ التي أعقبت الاحتجاجات الشعبية وسقوط منظومة الحكم التقليدية، لتتحول من فاعل محلي محدود التأثير إلى قوة عسكرية وسياسية قادرة على فرض نفسها على مركز الدولة.

في هذا السياق، جاء دخول الحوثيين إلى صنعاء في 21 سبتمبر 2014 ليشكل لحظة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث، حيث لم يكن ذلك مجرد تقدم عسكري، بل انتقال فعلي للسلطة من الدولة إلى جماعة مسلحة. ورغم توقيع اتفاق "السلم والشراكة"، فإن الواقع على الأرض كان يشير إلى أن الحوثيين أصبحوا الطرف المهيمن على مؤسسات الدولة، وهو ما مهّد لانهيار كامل لمنظومة الشرعية القائمة.

 

سيطرة الحوثيين على صنعاء (سبتمبر 2014)

 

مع مطلع عام 2015، تصاعدت وتيرة الأحداث بشكل متسارع، حيث فرض الحوثيون حصارا على القصر الرئاسي، ووضعوا الرئيس عبد ربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، في خطوة عكست انتقالهم من مرحلة الشراكة الشكلية إلى السيطرة المباشرة. ومع إعلان استقالة هادي في يناير، بدا أن الدولة اليمنية قد دخلت مرحلة انهيار شامل، غير أن فراره لاحقا إلى عدن وتراجعه عن الاستقالة أعاد الصراع إلى مساره المفتوح.

ومع تقدم الحوثيين جنوبا نحو عدن، لم يعد الصراع داخليا فقط، بل أصبح يحمل أبعادا إقليمية واضحة. فقد اعتبر هادي أن ما يجري يمثل انقلابا مكتمل الأركان على الشرعية، وطلب رسميا تدخلا عسكريا من دول مجلس التعاون الخليجي، مستندا إلى مبدأ الدفاع عن النفس، وإلى اتفاقيات عربية مشتركة، ومبررا ذلك بأن سيطرة الحوثيين تمثل تهديدا يتجاوز اليمن ليشمل أمن المنطقة بأكملها، خاصة في ظل تنامي الحديث عن النفوذ الإيراني.

التدخل العسكري المباشر

في السادس والعشرين من مارس 2015، أعلنت السعودية بدء عملية "عاصفة الحزم"، في إطار تحالف عسكري واسع ضم عددا من الدول العربية والإسلامية. لم يكن هذا التدخل مجرد امتداد للسياسات السابقة، بل تحول نوعي في طريقة إدارة الصراع، حيث انتقلت السعودية من دور الداعم غير المباشر إلى القائد المباشر لعمليات عسكرية واسعة النطاق، استخدمت فيها مختلف أدوات القوة العسكرية.

جاء هذا القرار مدفوعا بمجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية، لم يكن طلب هادي سوى غطاء قانوني لها. فقد رأت الرياض أن سيطرة الحوثيين على اليمن تعني عمليا تمدد النفوذ الإيراني إلى حدودها الجنوبية، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي. كما أن السيطرة على السواحل اليمنية، خاصة القريبة من باب المندب، كانت تمثل خطرا على أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، وهو ما أضفى على التدخل بعدا دوليا يتجاوز الإطار الإقليمي.

في الوقت ذاته، كان هناك إدراك متزايد بأن الحوثيين قد يتحولون إلى نموذج مشابه لحزب الله، يمتلك قدرات صاروخية ومسيرات قادرة على استهداف العمق السعودي، وهو ما دفع الرياض إلى تبني خيار الحسم العسكري، أملا في إعادة تشكيل المشهد قبل أن تترسخ هذه القدرات.

 

مراحل التدخل العسكري (2015-2025)

 

اتخذ التدخل العسكري السعودي عدة مراحل متعاقبة، عكست تطور الأهداف وتغير طبيعة الصراع. ففي المرحلة الأولى، التي تمثلت في عملية "عاصفة الحزم"، اعتمدت السعودية على حملة جوية مكثفة استهدفت البنية العسكرية للحوثيين، بما في ذلك مخازن الأسلحة والصواريخ ومراكز القيادة. وقد هدفت هذه المرحلة إلى تحقيق تفوق سريع يمكن البناء عليه في العمليات اللاحقة.

مع الانتقال إلى مرحلة "إعادة الأمل"، بدأ التركيز على الجمع بين العمليات العسكرية والتحركات السياسية، حيث دعمت السعودية وحلفاؤها القوات المحلية لاستعادة السيطرة على المدن الجنوبية، ونجحت بالفعل في استعادة عدن ومناطق أخرى، غير أن التقدم نحو صنعاء واجه صعوبات كبيرة، ما أدى إلى توقف العمليات عند حدود معينة.

 

ومع مرور الوقت، دخلت الحرب مرحلة استنزاف طويلة، حيث لم يعد أي طرف قادرا على تحقيق حسم عسكري. فقد طور الحوثيون قدراتهم في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وبدأوا في استهداف العمق السعودي، في حين استمرت السعودية في الاعتماد على التفوق الجوي دون تحقيق اختراق حاسم على الأرض.

وفي ظل الضغوط الدولية، تم التوصل إلى هدنة مؤقتة عام 2022، عكست إدراكا متزايدا بأن الحرب لم تعد قابلة للحسم العسكري. ومع امتداد الفترة حتى 2025، باتت ملامح تسوية غير مكتملة تتشكل، تقوم على التهدئة وإدارة الصراع بدلا من إنهائه.

 

التكاليف والنتائج حتى 2025

 

لم يكن هذا التدخل دون كلفة، بل شكل واحدة من أكثر الحروب استنزافا في تاريخ المنطقة. فقد تكبد اليمن خسائر بشرية ومادية هائلة، وتحولت الأزمة إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع ملايين النازحين واعتماد واسع على المساعدات.

أما السعودية، فقد تحملت أعباء مالية وعسكرية كبيرة، إضافة إلى تآكل صورتها الدولية نتيجة الاتهامات المتعلقة باستهداف المدنيين. ورغم بعض النجاحات، مثل منع الحوثيين من السيطرة على كامل اليمن، فإن الأهداف الأساسية للتدخل، وعلى رأسها استعادة صنعاء، لم تتحقق.

وفي المقابل، خرج الحوثيون من الحرب أكثر قوة وتنظيما، حيث تمكنوا من تطوير قدراتهم العسكرية، وفرض أنفسهم كفاعل إقليمي قادر على التأثير في مسارات الملاحة البحرية واستهداف خصومهم خارج الحدود.

يمكن القول إن التدخل الشامل 2015-2025 يمثل تحولا جذريا في طبيعة السياسة السعودية تجاه اليمن، حيث انتقلت من إدارة النفوذ إلى محاولة فرضه بالقوة. غير أن هذه المحاولة، رغم حجمها، كشفت حدود القدرة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية معقدة، وأظهرت أن الصراع في اليمن لم يعد قابلا للاحتواء ضمن منطق تقليدي، بل أصبح ساحة مفتوحة لتداخلات إقليمية ودولية معقدة.

ويبقى السؤال مفتوحا حتى نهاية هذه المرحلة: هل كان التدخل محاولة لإعادة التوازن، أم أنه ساهم في تعميق الاختلالات؟ هذا السؤال لا يرتبط فقط بنتائج الحرب، بل بطبيعة الرؤية التي حكمت القرار منذ بدايته، والتي ستظل موضع اختبار في أي تسوية قادمة.

 

المبحث الثامن: الضربات السعودية على القوات المسلحة الجنوبية

 

تمثل العلاقة بين المملكة العربية السعودية والقوات المسلحة الجنوبية، التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، واحدة من أكثر التحولات إثارة للجدل في مسار الحرب اليمنية. فهذه العلاقة لم تبدأ كصراع، بل كتحالف ميداني وثيق، حيث كانت القوات الجنوبية أحد الأعمدة الرئيسية التي اعتمد عليها تحالف دعم الشرعية في مواجهة الحوثيين خلال السنوات الأولى من الحرب. غير أن هذا التحالف لم يصمد طويلاً، إذ بدأ بالتآكل تدريجياً مع تغير أولويات الأطراف وتضارب المصالح، لينتهي في بعض مراحله إلى مواجهات مباشرة، كان أبرزها تدخل الطيران السعودي لقصف مواقع القوات الجنوبية في عدن وأبين وشبوة.

هذا التحول من شريك ميداني إلى هدف عسكري لا يمكن فهمه بوصفه حادثة ظرفية، بل يعكس نمطاً أعمق في السلوك السعودي تجاه اليمن، يقوم على دعم القوى المحلية عندما تخدم الأهداف الاستراتيجية، ثم كبحها أو مواجهتها عندما تبدأ في تجاوز حدود الدور المرسوم لها. 

 

نشأة القوات المسلحة الجنوبية وتطور علاقتها بالسعودية

تشكلت البنية الأولى للقوات الجنوبية في سياق مقاومة التقدم الحوثي نحو عدن في عام 2015، حيث ظهرت "المقاومة الشعبية" كتحالف واسع من الفصائل القبلية والعسكرية التي استندت إلى إرث الجيش الجنوبي قبل وحدة 1990. ومع تدخل التحالف بقيادة السعودية، تحولت هذه المقاومة إلى قوة منظمة نسبياً، تلقت دعماً مالياً وعسكرياً وتدريبياً، خاصة من الإمارات، مع قبول ودعم سعودي ضمني في تلك المرحلة.

وبعد تحرير عدن، تطورت هذه التشكيلات إلى بنية عسكرية أكثر وضوحاً، شملت قوات الحزام الأمني والنخب المختلفة وألوية العمالقة، التي أصبحت تمثل قوة فعلية على الأرض، قادرة على فرض السيطرة في مناطق واسعة من الجنوب. وقد رأت السعودية في هذه القوات أداة فعالة لتحقيق أهدافها، إذ وفرت لها غطاء محلياً، وقوة قتالية ذات دوافع واضحة، خاصة في مواجهة الحوثيين.

غير أن هذا التوافق لم يكن قائماً على رؤية مشتركة بعيدة المدى، بل على تقاطع مرحلي للمصالح. فبينما كانت السعودية تسعى إلى إعادة تثبيت الدولة اليمنية الموحدة، كان جزء كبير من القيادات الجنوبية ينظر إلى الحرب كفرصة لإعادة طرح مشروع الانفصال أو الحكم الذاتي.

وقد تجسد هذا التباين بوضوح مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، الذي أعلن نفسه ممثلاً للقضية الجنوبية، وبدأ في اتخاذ خطوات سياسية وعسكرية تعكس طموحاً يتجاوز إطار التحالف، الأمر الذي اعتبرته السعودية تهديداً مباشراً لترتيباتها السياسية.

 

معركة عدن 2019 – أول مواجهة مباشرة مع السعودية

 

بلغ التوتر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي ذروته في أغسطس 2019، عندما اندلعت اشتباكات في عدن انتهت بسيطرة القوات الجنوبية على مؤسسات الدولة، بما في ذلك القصر الرئاسي. لم يكن هذا الحدث مجرد نزاع محلي، بل شكل تحدياً مباشراً للشرعية التي كانت السعودية تستند إليها في تدخلها.

رد الفعل السعودي لم يكن سياسياً فقط، بل عسكرياً أيضاً، حيث تدخل الطيران التابع للتحالف، بقيادة السعودية، لتنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع القوات الجنوبية، في محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة ومنع ترسيخ واقع جديد خارج السيطرة. وقد أسفرت هذه الضربات عن خسائر بشرية ومادية، وأثارت جدلاً واسعاً حول طبيعة التحالف وأهدافه.

ورغم أن التدخل العسكري نجح في وقف التصعيد مؤقتاً، إلا أنه لم يحل جذور الصراع، ما دفع السعودية إلى رعاية اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، الذي سعى إلى إعادة دمج الأطراف ضمن إطار سياسي واحد، دون أن يتمكن من إنهاء التوتر بشكل نهائي.

 

اشتباكات أبين وشبوة (2020-2022)

 

لم يكن اتفاق الرياض سوى هدنة مؤقتة، إذ استمرت التوترات في مناطق مثل أبين وشبوة، حيث تداخلت الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على الموارد النفطية والمنافذ الحيوية.

وفي هذه المرحلة، وجدت السعودية نفسها في موقع الوسيط والضامن في آن واحد، لكنها لم تتردد في استخدام القوة الجوية بشكل محدود عندما رأت أن ميزان القوة يختل لصالح أحد الأطراف. فقد استهدفت ضربات جوية مواقع للقوات الجنوبية في أكثر من مناسبة، بهدف منع تقدمها، وإجبارها على العودة إلى مسار التفاهمات السياسية.

وفي الوقت نفسه، مارست السعودية ضغوطاً سياسية على الطرفين، ساعية إلى الحفاظ على تماسك الجبهة المناهضة للحوثيين، خاصة مع تصاعد التهديدات القادمة من الشمال. غير أن هذا التوازن ظل هشاً، حيث بقيت الخلافات البنيوية قائمة دون حل.

 

تصعيد 2024-2025

 

في إطار التطورات المفترضة حتى عام 2025، تتجه العلاقة بين السعودية والقوات الجنوبية نحو مزيد من التعقيد، خاصة في ظل تعثر التسوية السياسية الشاملة، واستمرار الانقسام الفعلي لليمن إلى مناطق نفوذ متعددة.

في هذا السياق، يصبح احتمال إعلان كيان جنوبي مستقل أو إدارة ذاتية موسعة عاملاً محفزاً لتصعيد جديد، حيث قد ترى السعودية في ذلك تهديداً مباشراً لترتيباتها الإقليمية. وقد يدفع ذلك إلى تدخل عسكري أكثر حدة، يشمل ضربات جوية واسعة، وانتشاراً برياً محدوداً في المدن الرئيسية، بهدف منع انهيار ما تبقى من الإطار السياسي المعترف به دولياً.

هذا السيناريو يعكس تحولا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على مواجهة الحوثيين، بل يمتد ليشمل إدارة التوازنات داخل المعسكر المناهض لهم، في ظل تنافس إقليمي غير معلن، خاصة مع الدور الإماراتي.

 

 

تحليل دوافع التحول السعودي ضد الجنوبيين – من حليف إلى خصم

يكشف هذا التحول عن مجموعة من العوامل البنيوية والظرفية التي تحكم السلوك السعودي في اليمن. فمن الناحية البنيوية، يظهر ثابت واضح يتمثل في رفض أي كيان سياسي أو عسكري مستقل على حدودها الجنوبية، بغض النظر عن طبيعته أو خلفيته. كما أن التنافس الإقليمي، خاصة مع الإمارات، أضاف بعداً جديداً للصراع، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بمواجهة الحوثيين، بل أيضاً بإدارة النفوذ داخل المناطق المحررة.

أما من الناحية الظرفية، فقد ساهمت تحركات المجلس الانتقالي، خاصة تلك التي اتخذت طابعاً أحادياً، في دفع السعودية إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً، كما أن تغير أولويات الرياض، وسعيها إلى إنهاء الحرب، جعل من أي طرف يعقد التسوية المحتملة عبئاً يجب احتواؤه أو تحييده.

وعند مقارنة هذا السلوك بمحطات سابقة، يتضح أن هناك نمطاً متكرراً يقوم على دعم قوى محلية لتحقيق أهداف محددة، ثم إعادة تقييم العلاقة معها عندما تتغير الظروف، وهو ما يعكس براغماتية عالية، لكنه يكشف أيضاً عن صعوبة في بناء تحالفات مستقرة طويلة الأمد.

في المحصلة، تعكس العلاقة بين السعودية والقوات المسلحة الجنوبية أحد أكثر وجوه الصراع اليمني تعقيداً، حيث يتداخل التحالف مع الصراع، والدعم مع الاحتواء، والتقاطع مع التنافس. وقد أظهرت هذه التجربة أن إدارة التحالفات في بيئة هشة مثل اليمن لا تقل تعقيداً عن إدارة الحرب نفسها، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى ساحة صراع موازية.

كما تكشف هذه الحالة عن حقيقة أعمق، تتمثل في أن الجنوب، رغم أنه لم يشكل تاريخياً تهديداً مباشراً للسعودية، ظل يُنظر إليه كمساحة يجب ضبطها، ليس لأنه عدو، بل لأنه مجال مفتوح لاحتمالات قد تخرج عن السيطرة. ومن هنا، يمكن فهم التدخلات العسكرية السريعة والمركزة في الجنوب بوصفها أدوات لإعادة التوازن، أكثر منها ردود فعل على تهديد قائم.

وبذلك، يتأكد أن السياسة السعودية في اليمن لا تقوم فقط على مواجهة الخصوم، بل على إدارة الحلفاء أيضاً، بما يضمن بقاء المجال الجنوبي ضمن حدود يمكن التحكم بها، حتى وإن تطلب ذلك استخدام القوة ضد شركاء سابقين.

 

تمام—هذا بالفعل أخطر فصل في الدراسة لأنه **ينتج الحكم النهائي**. لن أختصره، بل سأعيد صياغته مع الحفاظ الكامل على مضمونه، وتكثيف حجته، وربط أجزائه بحيث يخرج كنص تحليلي ضاغط يقود مباشرة إلى النتيجة التي تريدها.

 

المبحث التاسع: تحليل الثابت والتحول في التدخلات السعودية في اليمن (1925-2025)

 

بعد استعراض قرن كامل من التدخلات العسكرية السعودية في اليمن، لم يعد السؤال متعلقاً بوصف هذه التدخلات أو تعدادها، بل بفهم بنيتها العميقة. فالتراكم التاريخي الممتد من عام 1925 حتى 2025 يكشف أن ما يبدو تحولات في الأدوات والأشكال يخفي في جوهره نمطاً ثابتاً في السلوك، يتكيف مع الظروف دون أن يغير أهدافه الأساسية. ومن هنا، فإن هذا الفصل لا يعيد سرد ما سبق، بل يعيد تركيبه ضمن ثنائية مركزية: ما الذي بقي ثابتاً رغم تغير الزمن، وما الذي تغير رغم ثبات الهدف. 

 

الثوابت الجيوسياسية والجغرافية

 

ظل اليمن، في الإدراك الاستراتيجي السعودي، أكثر من مجرد دولة مجاورة، إذ جرى التعامل معه بوصفه امتداداً أمنياً لا يُسمح بخروجه عن السيطرة. هذا الإدراك لم يتغير منذ ثلاثينيات القرن الماضي، رغم تغير الأنظمة في اليمن وتبدل طبيعة التهديدات. فامتداد الحدود الطويلة، وتعقيدها الجغرافي والقبلي، جعل من المستحيل عملياً ضبطها دون التأثير في الداخل اليمني نفسه. ولذلك، لم يكن الهدف السعودي هو تأمين الحدود فقط، بل تأمين ما وراء الحدود.

هذا المنطق يفسر التكرار اللافت لنفس السلوك عبر مراحل مختلفة، حيث تدخلت السعودية لمنع تشكل أي قوة يمنية قادرة على السيطرة الكاملة على المجال الجغرافي للدولة. لم يكن الأمر متعلقاً بطبيعة هذه القوة، سواء كانت إمامية أو جمهورية أو ماركسية أو حتى جماعة مسلحة، بل بقدرتها على التحول إلى مركز قوة مستقل. وفي هذا السياق، تصبح التدخلات المختلفة امتداداً لمنطق واحد: منع التماسك السياسي لليمن.

كما أن البعد البحري، وخاصة باب المندب، ظل عاملاً ثابتاً في حسابات التدخل، ليس فقط لأهميته الاقتصادية، بل لارتباطه المباشر بموقع السعودية في النظام الدولي. فالتحكم غير المباشر في هذا الممر الحيوي ظل هدفاً ضمنياً لأي سياسة سعودية في اليمن، حتى عندما لم يُعلن ذلك بشكل صريح.

ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المتعلق بالجنوب اليمني، الذي ظل يُنظر إليه كمساحة حساسة يجب ضبطها، سواء عندما كان دولة مستقلة أو عندما أصبح جزءاً من دولة موحدة. فالموقف السعودي لم يكن ثابتاً تجاه الوحدة أو الانفصال بقدر ما كان ثابتاً تجاه النتيجة: عدم السماح بقيام كيان جنوبي مستقل خارج نطاق التأثير.

 

الثوابت الأمنية والسياسية

 

تُظهر القراءة المتعمقة أن السعودية لم تتعامل مع التهديدات في اليمن وفق معيار أيديولوجي ثابت، بل وفق معيار السيطرة. فالمشكلة لم تكن في وجود جماعات مسلحة بحد ذاته، بل في كونها جماعات غير خاضعة للنفوذ أو غير قابلة للاحتواء. وهذا ما يفسر التناقض الظاهري في دعم بعض القوى في مرحلة، ثم استهدافها في مرحلة لاحقة.

كما أن التمسك بمفهوم "الشرعية" لم يكن ثابتاً من حيث المضمون، بل من حيث الوظيفة. فقد استُخدم هذا المفهوم كغطاء سياسي وقانوني يمنح التدخل بعداً مشروعاً، سواء في دعم الإمام البدر في الستينيات أو في دعم الحكومة المعترف بها دولياً بعد 2015. وهنا، تتحول الشرعية من قيمة قانونية إلى أداة سياسية.

لكن الثابت الأكثر دلالة يتمثل في ما يمكن تسميته "المرونة النهائية"، حيث تبدأ التدخلات بنبرة حاسمة، وتنتهي بتسويات تعكس الواقع الجديد. هذا النمط تكرر بشكل واضح، من الاعتراف بالجمهورية بعد حرب الستينيات، إلى القبول بالأمر الواقع في مراحل لاحقة، وصولاً إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع الحوثيين بعد سنوات من الحرب الشاملة. هذه المرونة لا تعني التراجع، بل تعكس حدود القوة عندما تصطدم بتعقيد الواقع.

 

الثوابت الأيديولوجية والنفسية

 

رغم الطابع البراغماتي الواضح في السياسة السعودية، إلا أن هناك بُعداً نفسياً وأيديولوجياً ظل حاضراً، يتمثل في النظر إلى اليمن كجزء من صراع إقليمي أوسع. ففي كل مرحلة، جرى ربط التهديد اليمني بقوة خارجية، سواء كانت مصر الناصرية أو الاتحاد السوفيتي أو إيران. هذا الربط لم يكن دائماً دقيقاً، لكنه لعب دوراً مهماً في تبرير التدخلات.

كما أن البعد المذهبي، رغم أنه لم يكن العامل الحاسم في كل المراحل، أصبح أكثر وضوحاً في العقود الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوتر مع إيران. غير أن هذا العامل ظل خاضعاً للبراغماتية، حيث تم تجاوزه عندما اقتضت المصالح ذلك.

أما العامل الأكثر ثباتاً فهو "ثقافة عدم الثقة"، التي تراكمت عبر عقود من الصراع، وأصبحت جزءاً من الإدراك السياسي المتبادل. هذه الثقافة جعلت من أي اتفاق مؤقتاً بطبيعته، ومن أي تهدئة مجرد استراحة بين جولات صراع محتملة، وهو ما يفسر استمرار التدخلات رغم تغير الظروف.

 

المتحولات في طبيعة التهديد

 

إذا كانت الثوابت تعكس استمرارية الهدف، فإن المتحولات تكشف عن تغير البيئة التي يعمل فيها هذا الهدف. وأبرز هذه المتغيرات يتمثل في انتقال التهديد من كيان دولتي تقليدي إلى فاعلين غير دولتيين. فقد انتقلت السعودية من مواجهة أنظمة سياسية يمكن التفاوض معها أو ردعها، إلى مواجهة جماعات مسلحة مرنة لا تخضع لنفس القواعد.

هذا التحول لم يغير فقط طبيعة الصراع، بل جعل الحسم العسكري أكثر تعقيداً، حيث لم يعد من الممكن تحقيق نصر واضح أو فرض تسوية نهائية. كما أن تطور القدرات العسكرية لهذه الجماعات، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، أضاف بعداً جديداً للصراع، حيث أصبح العمق السعودي نفسه عرضة للتهديد المباشر.

 

المتحولات في أدوات التدخل

 

شهدت أدوات التدخل السعودي تطوراً واضحاً، انتقلت فيه من الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري الشامل. هذا التحول لم يكن فقط نتيجة لتطور القدرات العسكرية، بل أيضاً نتيجة لتغير طبيعة التهديد، حيث لم تعد الأدوات التقليدية كافية لتحقيق الأهداف.

كما أن الانتقال إلى العمل التحالفي عكس محاولة لتقاسم الأعباء ومنح التدخل غطاءً سياسياً أوسع، غير أن هذا التحالف نفسه كشف عن هشاشته مع مرور الوقت، خاصة مع تضارب المصالح بين أعضائه.

 

لكن التحول الأبرز يتمثل في تحول التدخل من عمليات قصيرة إلى حروب طويلة الأمد، حيث دخلت السعودية في حرب استنزاف غير مسبوقة، كشفت حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية معقدة.

المتحولات في البيئة الإقليمية والدولية

لم يعد اليمن ساحة صراع ثنائي، بل أصبح جزءاً من شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية. فقد دخلت أطراف متعددة إلى المشهد، لكل منها أجندته الخاصة، ما جعل من الصعب على أي طرف، بما في ذلك السعودية، التحكم في مسار الصراع.

كما أن تصاعد دور القانون الدولي والمنظمات الحقوقية فرض قيوداً جديدة على استخدام القوة، وجعل التدخلات العسكرية أكثر كلفة سياسياً، حتى عندما تحقق مكاسب ميدانية.

الخلاصة التحليلية

تكشف المقارنة بين قرن من التدخلات أن السياسة السعودية في اليمن لم تكن سلسلة من القرارات المنفصلة، بل نمطاً مستمراً يقوم على ثابت استراتيجي واضح: عدم السماح بقيام قوة يمنية مستقلة خارج نطاق التأثير. هذا الثابت ظل حاضراً رغم تغير الأدوات والظروف، وهو ما يفسر تكرار التدخلات عبر الزمن.

في المقابل، تعكس المتحولات حدود هذا النمط، حيث أظهرت أن تطور طبيعة التهديدات وتعقيد البيئة الإقليمية جعلا من الصعب تحقيق الأهداف التقليدية بالوسائل القديمة. فكلما تطورت الأدوات، زادت كلفة التدخل، وكلما تعقدت البيئة، تراجعت القدرة على التحكم في النتائج.

وعند الإجابة على الإشكالية المركزية، يتضح أن التحولات في التدخلات السعودية لم تكن نتيجة تغيير في الأهداف، بل نتيجة تغير في البيئة التي تُنفذ فيها هذه الأهداف. أما الثوابت، فقد بقيت تحكم السلوك العام، وتعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كل تدخل كان يُبرر بالحاجة إلى تحقيق الاستقرار، لكنه في الواقع كان يساهم في إعادة إنتاج عدم الاستقرار. وكل محاولة للسيطرة كانت تفتح المجال لمزيد من التعقيد، وهو ما يجعل النتيجة النهائية متشابهة رغم اختلاف المسارات.

وبذلك، يمكن القول إن "ثابت التدخل" لم يؤدِ إلى "ثابت الاستقرار"، بل إلى نمط دائري من الصراع، حيث تعود الأسباب نفسها بأشكال جديدة، وتستدعي التدخل مرة أخرى.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز هذه الدراسة: هل يمكن كسر هذا النمط، أم أن الجغرافيا والتاريخ سيظلان يدفعان نحو تكراره؟.

 

النمط العام للتدخل السعودي في اليمن (1925–2025)

 

لا يمكن فهم التدخلات العسكرية السعودية في اليمن بوصفها استجابات ظرفية لتهديدات متغيرة، بل تكشف القراءة التاريخية الممتدة أنها تعبير عن نمط استراتيجي متكرر، ظل يعمل بثبات عبر قرن كامل رغم تغير الأدوات والسياقات. ما يبدو على السطح تحولات في شكل التدخل، من صدامات حدودية تقليدية إلى حروب بالوكالة ثم تدخلات عسكرية مباشرة واسعة النطاق، يخفي في جوهره منطقاً واحداً يقوم على إدارة المجال اليمني باعتباره امتداداً أمنياً لا يُسمح بخروجه عن السيطرة. 

العامل الحاسم في تحديد طبيعة هذا التدخل لم يكن طبيعة النظام السياسي في اليمن بقدر ما كان مستوى التهديد الذي يمثله هذا النظام أو الفاعل الصاعد داخله. فعندما يكون التهديد قابلاً للاحتواء، تميل السعودية إلى أدوات غير مباشرة، تعتمد على النفوذ السياسي، وبناء شبكات الولاء، وتفعيل البنية القبلية كوسيط للتحكم. أما عندما يرتفع مستوى التهديد إلى حد يهدد التوازن الإقليمي، كما حدث مع التدخل المصري في الستينيات أو مع صعود الحوثيين بعد 2015، فإن السياسة السعودية تنتقل سريعاً إلى استخدام القوة الصلبة، سواء عبر الحرب بالوكالة أو التدخل العسكري المباشر.

غير أن ما يكشف جوهر هذا النمط ليس تصاعد أدوات القوة، بل حدود أهدافها. فالتدخل السعودي، رغم حدّته في بعض المراحل، لم يتجه نحو إعادة تشكيل الدولة اليمنية بشكل كامل، بل ظل محكوماً بهدف أكثر تحديداً يتمثل في منع تشكل بيئة معادية على الحدود الجنوبية. وهذا ما يفسر النهاية المتكررة لكل تدخل: تسويات سياسية تقبل فيها الرياض بواقع لا يتطابق مع أهدافها المعلنة، طالما أنه لا يشكل تهديداً مباشراً لها.

 

كما يظهر أن الاعتماد على الفاعلين المحليين لم يكن خياراً تكتيكياً مؤقتاً، بل جزءاً بنيوياً من هذا النمط، حيث جرى استخدام القبائل، ثم الفصائل المسلحة، ثم التشكيلات العسكرية شبه النظامية، كأدوات لإدارة الصراع بتكلفة أقل. وفي المقابل، فإن التحولات التي شهدتها السياسة السعودية لا تعكس تغيراً في الهدف، بل تطوراً في الوسائل نتيجة تعقيد البيئة الإقليمية وتعدد الفاعلين.

وبذلك، يتضح أن السلوك السعودي في اليمن لا يقوم على منطق الحسم، بل على منطق الاحتواء، ولا يسعى إلى إنهاء الصراع بقدر ما يسعى إلى ضبطه ضمن حدود يمكن التحكم بها. وهذه هي النقطة المفصلية: التدخل لم يكن وسيلة لإنهاء الأزمة اليمنية، بل أداة لإدارتها.

 

الخاتمة

 

تصل هذه الدراسة إلى نتيجة لا تقبل الالتباس: التدخلات العسكرية السعودية في اليمن، عبر قرن كامل، لم تكن انحرافات ظرفية أو استجابات اضطرارية، بل تعبيراً عن سياسة مستقرة تقوم على إدارة المجال اليمني باعتباره جزءاً من منظومة الأمن السعودي، وليس كدولة مستقلة بذاتها.

الثابت المركزي الذي حكم هذا السلوك لم يكن دعم نظام سياسي بعينه، ولا مواجهة أيديولوجيا محددة، بل منع تشكل أي قوة يمنية قادرة على الاستقلال بقرارها السياسي والعسكري. وفي هذا الإطار، لم يكن تغيير الأدوات—من النفوذ القبلي إلى الحرب الشاملة—دليلاً على تغير السياسة، بل على قدرتها على التكيف مع المتغيرات دون المساس بجوهرها.

كما تكشف الدراسة أن ما يُقدّم في الخطاب الرسمي بوصفه “دفاعاً عن الشرعية” أو “حماية للاستقرار”، لم يكن سوى غطاء سياسي لإدارة توازنات القوة داخل اليمن، بما يضمن بقاءه في حالة سيولة تمنع تشكل مركز قوة مستقل. وهذا ما يفسر المفارقة التي تكررت عبر المراحل: كل تدخل كان يُبرر بالسعي إلى الاستقرار، لكنه ينتهي بإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار بشكل أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحولات التي شهدتها السياسة السعودية عن البيئة الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته لم تكن نتاجاً لها بالكامل. فالتغير في طبيعة التهديدات، من دول إلى جماعات مسلحة، لم يغير الهدف، بل زاد من كلفة تحقيقه، وحوّل التدخل من عمليات محدودة إلى حروب استنزاف طويلة، أبرزها التدخل بعد 2015، الذي كشف حدود القوة العسكرية في فرض نتائج سياسية مستقرة.

أما النتيجة الأهم التي تفرض نفسها، فهي أن النمط الذي حكم السياسة السعودية تجاه اليمن لم ينتج استقراراً، بل أعاد تدوير الصراع في أشكال مختلفة. فبدلاً من إنهاء مصادر التهديد، تم تفكيكها وإعادة تشكيلها، بحيث تبقى قابلة للإدارة، لكنها لا تختفي. وهذا ما يجعل اليمن، في نهاية المطاف، ليس فقط ساحة صراع، بل ساحة مفتوحة لإعادة إنتاجه.

وعليه، فإن الحديث عن مستقبل هذه السياسة لا يمكن فصله عن هذا الإرث. فإما أن يتم كسر هذا النمط عبر الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، أو أن يستمر التدخل كخيار متكرر تفرضه نفس المعادلة: يمن هش، وتوازنات غير مستقرة، وتدخل يعيد إنتاجهما معاً.

 

النتائج والاستنتاجات والتوصيات

 

تكشف نتائج الدراسة أن المحرك الأساسي للسياسة السعودية تجاه اليمن ظل ثابتاً منذ نشأة الدولة السعودية الحديثة، ويتمثل في تأمين الخاصرة الجنوبية ومنع تشكل قوة معادية على حدودها. غير أن أدوات تحقيق هذا الهدف شهدت تحولات جوهرية، حيث انتقلت من الاعتماد على النفوذ القبلي والمالي إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة، ثم إلى بناء تشكيلات عسكرية محلية تعمل كأذرع ميدانية.

كما يظهر أن السعودية لم تعد تكتفي بإدارة العلاقات مع الدولة اليمنية، بل أصبحت طرفاً مباشراً في تشكيل الواقع الميداني، خاصة في المناطق الحيوية المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة، وهو ما يعكس تحولاً من سياسة التأثير إلى سياسة إعادة تشكيل المجال.

وتكشف الاستنتاجات أن التحالفات السعودية داخل اليمن لم تكن قائمة على أسس أيديولوجية، بل على اعتبارات وظيفية قابلة للتغيير، وهو ما يفسر الانتقال من دعم قوى محلية إلى استهدافها عندما تتجاوز حدود الدور المرسوم لها. كما يتضح أن اليمن شكل مختبراً عملياً لتطور أدوات السياسة الخارجية السعودية، حيث انتقلت من دور تقليدي إلى فاعل عسكري إقليمي يدير صراعات معقدة.

أما على المستوى الاستراتيجي، فتشير الدراسة إلى أن الاهتمام السعودي بالممرات البحرية ومناطق الطاقة يفوق اهتمامها بشكل النظام السياسي في صنعاء، وأنها مستعدة للتعايش مع واقع سياسي متشظٍ طالما لا يهدد مصالحها الحيوية.

في ضوء ذلك، تبرز توصيات تتجاوز المقاربة العسكرية، وتدفع نحو تبني استراتيجية طويلة الأمد تقوم على بناء استقرار اقتصادي وتنموي يربط اليمن بالاقتصاد السعودي، بما يقلل من دوافع الصراع. كما تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة مع القوى المحلية، بحيث تقوم على شراكة مستقرة بدلاً من إدارة مؤقتة للتحالفات، مع تعزيز أدوات القوة الناعمة في المناطق الحساسة مثل حضرموت والمهرة.

كما توصي الدراسة بضرورة الانتقال من الاعتماد على الأفراد إلى بناء مؤسسات قادرة على ضمان استمرارية العلاقة، إضافة إلى تطوير آليات تنسيق تمنع تكرار الصدامات مع الحلفاء المحليين. وفي النهاية، فإن أي سياسة مستقبلية لا تعالج جذور الهشاشة في اليمن، ستظل محكومة بإعادة إنتاج نفس الدائرة: تدخل، احتواء، ثم عودة الصراع.

 

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: الكتب العربية

الهاجري، يوسف، السعودية تبتلع اليمن: قصة اشتباكات السعودية في شؤون الشطر الشمالي لليمن، الصفاء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، لندن، 1988.

جبران، قاسم عسكر، قصة حياة وطن، (د.ن)، 2023.

ثانياً: الرسائل العلمية (الأطروحات الجامعية)

سامي، ميرنا، تأثير السياسة الإقليمية على السياسة السعودية تجاه اليمن (2005–2018)، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2021.

مزروغ، وسيم سالم عبد الله، فعالية السياسة الخارجية السعودية تجاه الأزمة اليمنية (2011–2020)، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد، جامعة بنغازي، ليبيا، 2020.

ثالثاً: الدراسات والبحوث (مراكز الفكر والمجلات)

بدوي، أحمد موسى، التفكيك والبناء: سيناريوهات إعادة الأمل في اليمن، المركز العربي للبحوث والدراسات، القاهرة، 28 أبريل 2015.

راشد، سامح، الدولة والحوثيون في اليمن: قراءة في الصراع، مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، العدد 178، أكتوبر 2009.

عبد الشافي، عصام، الحرب في اليمن: بين التاريخ والمذهبية والسياسة، دراسة منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

عثمان، أحمد زكي، حدود الدور: عاصفة الحزم السعودية في النظام العربي، المركز العربي للبحوث والدراسات، القاهرة، 28 مايو 2015.

فتحي، أسماء طارق، الدور السعودي في الصراع اليمني (2011–2016)، المركز الديمقراطي العربي، برلين، 2016.

حامد، محمد محمد، تحديات الأمن الوطني السعودي ومسارات الأزمة اليمنية، المركز الديمقراطي العربي، برلين، 2015.

مركز صنعاء للدراسات، نحو الشرق: التحولات في العلاقات الاقتصادية السعودية اليمنية، التقرير الفصلي، يناير–مارس 2024.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ماذا يعني سقوط صنعاء بيد الحوثيين؟، سلسلة تقدير موقف، الدوحة، سبتمبر 2014.

رابعاً: الوثائق الرسمية والمعاهدات

المملكة العربية السعودية، النظام الأساسي للحكم، الأمر الملكي رقم (أ/90)، 27/8/1412هـ.

المالكي، محمد (تحقيق)، معاهدة الطائف 1353هـ/1934م: ترجمة وتعليق، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد 20، عدد 4، 2023.

نص معاهدة الطائف بين المملكة المتوكلية اليمنية والمملكة العربية السعودية، 1934.

الوثائق البريطانية، ملف المعاهدة السعودية اليمنية، المكتبة البريطانية، أرشيف الهند (IOR/R/15/2/638).

اتفاق السلم والشراكة الوطنية، صنعاء، 21 سبتمبر 2014.

رئاسة الجمهورية اليمنية، طلب التدخل العسكري من دول مجلس التعاون الخليجي، 26 مارس 2015.

خامساً: التقارير الصحفية والمواقع الإلكترونية

BBC Arabic، أبرز المحطات في تاريخ اليمن، 2011.

صحيفة الثورة اليمنية، الجذور التاريخية للصراع اليمني السعودي.

Orient XXI، السعودية واليمن: تاريخ من التداخل والصراع.

موقع اليمن الآن، بعد سقوط صنعاء: تحذيرات خليجية، 10 فبراير 2014.

الجزيرة نت، تحليل الأزمة اليمنية والتدخلات الإقليمية، 26 مارس 2015.

سادساً: المراجع الأجنبية

Blanco, Ramon, Revolution within the Revolution: The Houthi Movement and New Political Dynamics in Yemen, Real Instituto Elcano, Spain, 2015.

Popp, Roland, War in Yemen: Revolution and Saudi Intervention, Center for Security Studies (CSS), Zurich, 2015.

دور الحاسوب والوسائط المتعددة والإنترنت في تطوير العملية التعليمية.. دراسة وصفية تحليلية


الدراما العربية بين تعقيد الشخصية وضغط الجمهور.. قراءة في تحولات الخطاب الفني المعاصر


مباحثات متعثرة وتهديدات متبادلة تدفع الأزمة الأمريكية الإيرانية للتصعيد


مستشار إماراتي يصف استهداف براكة بتصعيد إرهابي خطير ومظلم