تقارير
حرب الجبهات المفتوحة..
العمالقة تختبر دفاعات الحوثيين في البيضاء وغارات منسوبة للسعودية تعيد خلط الأوراق
أطلقت وحدات من ألوية العمالقة الجنوبية عملية هجومية على مواقع الحوثيين
اتسعت رقعة الحرب في اليمن خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية لتشمل أربع مناطق عمليات رئيسية، بعدما انتقلت القوات الحكومية والتشكيلات المتحالفة معها من احتواء الهجوم الحوثي على الساحل الغربي إلى فتح جبهات ضغط في البيضاء والجوف، بالتزامن مع غارات جوية اتهم الحوثيون السعودية بتنفيذها.
وتشير التطورات إلى أن المواجهات لم تعد مجرد امتداد لجولة القتال التي بدأت في ريف تعز الغربي وجنوب الحديدة، بل تحولت إلى محاولة لتوزيع الضغط العسكري على الحوثيين ومنعهم من حشد قواتهم في محور واحد.
وقال متحدث باسم القوات الحكومية إن العمليات شملت جبهات الجوف والبيضاء وتعز، بينما أفادت مصادر ميدانية بتقدم قوات حكومية في مناطق متفرقة، من بينها معسكر اللبنات في الجوف ومواقع باتجاه ذي ناعم في البيضاء. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من خريطة السيطرة أو حجم الخسائر المعلنة من طرفي النزاع.
وفي الساحل الغربي، تركزت المواجهات في محاور جنوب الجراحي وحيس وسقم والبرح والكدحة، حيث حافظت المقاومة الوطنية، مسنودة بوحدات من ألوية العمالقة الجنوبية، على زخم الهجوم المضاد الذي بدأ بعد سلسلة هجمات حوثية واسعة استهدفت مواقعها بالصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية.
وقالت مصادر عسكرية إن القوات المشتركة واصلت تثبيت مواقعها في أرياف حيس التي أعلنت استعادة السيطرة عليها بالكامل، بالتوازي مع عمليات تمشيط وتأمين للطرق الواقعة بين حيس ومفرق البرح، فيما استمرت الاشتباكات في المناطق المتقدمة جنوب مديرية الجراحي.
وتمنح السيطرة على أرياف حيس القوات المشتركة مساحة دفاعية أوسع حول المدينة والطريق الرابط بين جنوب الحديدة وغرب تعز. كما تسمح لها بالضغط على خطوط الإمداد الحوثية القادمة من الجراحي وجبل رأس، لكنها لا تعني أن الطريق بات مفتوحاً أمام تقدم مباشر نحو مدينة الحديدة، نظراً إلى تعدد خطوط الدفاع الحوثية وطبيعة الأرض المكشوفة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي محور البرح، قالت مصادر عسكرية إن القوات المشتركة أحبطت ثلاث موجات هجومية متتالية، بعدما دفع الحوثيون بمجاميع حاولت الاقتراب من المواقع الأمامية تحت غطاء ناري كثيف. وأضافت أن المهاجمين اضطروا إلى التراجع بعد تعرضهم لخسائر بشرية ومادية، من دون تقديم حصيلة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
كما استمرت عمليات الطائرات المسيّرة على جانبي خطوط التماس. وقالت المقاومة الوطنية إن مسيّراتها استهدفت تعزيزات حوثية جنوب الجراحي، فيما أعلنت إسقاط طائرات مسيّرة حوثية موجهة بالألياف الضوئية في محور البرح. ويكشف الاستخدام المتزايد لهذا النوع من الطائرات تحوّل المواجهة إلى حرب استطلاع واستهداف دقيقة، لا تقتصر على الاشتباكات البرية التقليدية.
ويبدو أن الهدف العسكري الحوثي في هذه المنطقة لا يزال قائماً على دفع القوات المشتركة بعيداً عن مرتفعات البرح والكدحة، أو على الأقل استنزافها ومنعها من بناء خط هجومي باتجاه الجراحي. أما المقاومة الوطنية والعمالقة فتسعيان إلى تحويل الدفاع عن المخا والخوخة وحيس إلى عملية ضغط تهدد العمق الحوثي في جنوب الحديدة.
وفي تعز، توزعت الاشتباكات بين جبهات الكدحة ومقبنة وجبل حبشي والبرح، إضافة إلى محاولات تسلل محدودة في محيط المدينة. وقالت مصادر حكومية إن القوات استعادت مواقع كانت قد تعرضت لهجمات حوثية خلال الأيام السابقة، ولا سيما في الكدحة وأطراف جبل حبشي.
ويكتسب محور الكدحة أهمية خاصة لأنه يمثل صلة وصل بين ريف تعز الغربي والساحل، كما يقترب من الطريق المؤدي إلى المخا. وأي تقدم حوثي مستقر في هذه المنطقة يمكن أن يضع خطوط الإمداد بين تعز والساحل تحت ضغط ناري، بينما يسمح تراجع الحوثيين عنها بتأمين الخاصرة الشرقية للمقاومة الوطنية.
غير أن التطورات أظهرت مجدداً تفاوتاً بين أداء قطاعات الساحل التي تعمل تحت قيادة المقاومة الوطنية والعمالقة، وبين تشكيلات محور تعز التي تعاني تعدد القيادات وبطء التنسيق. فقد تمكن الحوثيون في بداية التصعيد من تحقيق اختراقات محدودة في بعض المواقع التابعة لمحور تعز، قبل وصول تعزيزات وشن هجمات مضادة.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على حدوث تغيير واسع في خريطة السيطرة داخل مدينة تعز أو محيطها المباشر. لكن استمرار القتال في غرب المحافظة يعني أن الحوثيين ما زالوا قادرين على تهديد الطريق بين تعز والمخا، حتى بعد خسارة عدد من المواقع التي تقدموا إليها في بداية الهجوم.
أما التطور الأبرز خلال الساعات الماضية فجاء من محافظة البيضاء، حيث أطلقت وحدات من ألوية العمالقة الجنوبية عملية هجومية على مواقع الحوثيين، وحققت اختراقاً في عدد من المرتفعات والمواقع المتقدمة.
وقالت مصادر ميدانية موالية للقوات الحكومية إن العملية انطلقت باتجاه الزاهر وذي ناعم، وإن القوات اقتربت من الطريق الرابط بين صنعاء ومدينة البيضاء. كما أعلنت ألوية العمالقة مقتل ما لا يقل عن 23 مسلحاً حوثياً وإصابة آخرين، وهي حصيلة لم يؤكدها مصدر مستقل، وفق رواية ألوية العمالقة عن عملية البيضاء.
لكن المعلومات المتداولة بشأن استمرار التقدم بدت متضاربة. إذ تحدثت روايات محلية عن انسحاب وحدات وآليات من بعض المواقع التي وصلت إليها بعد تنفيذ هجوم خاطف، بينما قالت بيانات موالية للحكومة إن العمليات مستمرة وإن القوات تعمل على تثبيت مواقعها.
وبناءً على المعلومات المتاحة، يبدو أن ما جرى كان اختراقاً عملياتياً محدوداً أكثر من كونه عملية تحرير واسعة. فقد دخلت قوات العمالقة عدداً من المواقع، اشتبكت مع الحوثيين وأجبرتهم على التراجع، ثم أعادت تموضع بعض وحداتها في خطوط خلفية، على الأرجح بسبب امتداد خطوط الإمداد واحتمال تعرض القوة المتقدمة لهجمات التفاف أو قصف بالطائرات المسيّرة.
ولا توجد أدلة مستقلة تسمح بوصف إعادة التموضع بأنها هزيمة أو انسحاب كامل من جبهة البيضاء. كما لا تؤيد البيانات اللاحقة رواية استمرار تقدم مفتوح نحو مركز المحافظة. والأرجح أن العملية حققت هدفاً أولياً تمثل في اختبار الدفاعات الحوثية، وإجبار الجماعة على نقل قوات إلى البيضاء، وإثبات إمكانية فتح جبهة من جهة المناطق الجنوبية.
وتكمن أهمية البيضاء في موقعها المتوسط بين ثماني محافظات وفي مرور طرق تربط صنعاء بمأرب وشبوة وأبين والضالع. ولهذا فإن فتح جبهة نشطة فيها يفرض على الحوثيين توزيع احتياطياتهم، لكنه يفرض أيضاً على القوات المهاجمة تحديات كبيرة تتعلق بالإمداد والتضاريس الجبلية وكثافة الألغام.
وفي الجوف، قالت مصادر حكومية إن قوات تابعة للجيش وقوات الطوارئ تقدمت في محور اللبنات واتجهت نحو مدينة الحزم، بالتوازي مع تحركات في منطقة اليتمة شمال المحافظة. ويُعد معسكر اللبنات من المواقع الاستراتيجية التي تتحكم في طرق تربط مأرب بالحزم والمناطق الصحراوية الممتدة نحو الحدود السعودية.
وأعاد القتال في الجوف الطيران الحربي إلى واجهة النزاع. فقد اتهم الحوثيون السعودية بشن غارات وهجمات بصواريخ كروز على الجوف والبيضاء ومأرب وتعز، وقالوا إن إحدى الغارات أصابت الإصلاحية المركزية في مدينة الحزم.
ووفق وزارة الصحة التابعة للحوثيين، أسفر استهداف السجن عن مقتل سبعة أشخاص، بينهم طفل، وإصابة سبعة آخرين، في حين قال مسؤول في المنشأة إن عشرات السجناء كانوا تحت الأنقاض. وأظهرت مشاهد بثتها وسائل إعلام حوثية مبنى منهاراً وفرقاً تبحث بين الركام، وفق ما أورده تقرير وكالة أسوشيتد برس عن غارة سجن الجوف.
ولم تصدر الرياض إعلاناً رسمياً بتبني الغارات، كما لم توضح قيادة التحالف طبيعة الطائرات التي شاركت في العمليات. ولذلك لا يمكن حتى الآن الجزم بأن السعودية استأنفت حملتها الجوية بصورة معلنة، رغم أن الحوثيين نسبوا الضربات إليها وهددوا بالرد.
والأكثر دقة هو القول إن الغارات تمثل عودة للطيران الحربي إلى الجبهات اليمنية، مع وجود اتهام حوثي مباشر للسعودية، لكن من دون إقرار سعودي. وقد تكون الضربات نُفذت ضمن غرفة عمليات تدعم القوات الحكومية، أو بطائرات يمنية حصلت على قدرات تشغيلية جديدة، أو بمشاركة سعودية لم تعلن رسمياً.
وإذا ثبتت المشاركة السعودية، فستكون هذه أول عودة واضحة للرياض إلى القصف المباشر بعد سنوات من خفض العمليات الجوية والانخراط في محادثات منفصلة مع الحوثيين. وسيعني ذلك أن الهجوم الحوثي على الساحل وتعز، وتهديده للمخا وباب المندب، تجاوزا حدود التهدئة التي حاولت السعودية المحافظة عليها.
كما ستعكس العودة تحولاً في الحسابات السعودية من حماية الحدود وتجنب التصعيد إلى تقديم إسناد جوي لحلفائها. لكن استهداف منشأة احتجاز وسقوط مدنيين، إذا تأكد، سيعيد طرح المخاطر التي رافقت الحملة الجوية السابقة، وقد يمنح الحوثيين مادة سياسية وإعلامية لتبرير استهداف الأراضي السعودية.
وأعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع إسقاط أربع طائرات استطلاع قال إنها سعودية خلال أربع وعشرين ساعة، من بينها طائرة في البيضاء، وهدد بأن الغارات لن تمر من دون رد. ولم تقدم الجماعة أدلة مستقلة على هوية الطائرات أو ملكيتها.
وجاء اتساع القتال بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022، وهو ما دفع المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إلى التحذير من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق.
وقال غروندبرغ إن الهجمات الحوثية الأخيرة على عدة جبهات رفعت حدة المواجهات، وأعرب عن قلقه من سقوط مدنيين ونزوح أسر وتضرر بنية تحتية. ودعا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، واستخدام آليات التواصل القائمة، بما فيها لجنة التنسيق العسكري التابعة للأمم المتحدة، لمنع مزيد من التصعيد.
كما طالب الأطراف الإقليمية والدولية بتوظيف نفوذها لدعم خفض التصعيد والعودة إلى المفاوضات، محذراً من أن القتال واسع النطاق ستكون له عواقب إنسانية وخيمة وسيزيد صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية، وفق ما نص بيان المبعوث الأممي
وأثار البيان انتقادات في أوساط الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين، التي رأت أن دعوة الطرفين إلى التوقف تساوي بين الجماعة التي بدأت هجوم الساحل والقوات التي انتقلت لاحقاً إلى الهجوم المضاد. ويستعيد هذا الجدل الانقسام الذي رافق اتفاق ستوكهولم عام 2018، عندما أوقفت الضغوط الدولية عملية القوات المشتركة باتجاه مدينة الحديدة.
لكن المخاوف الأممية تستند هذه المرة إلى اتساع مسرح العمليات واقتراب القتال من طرق دولية ومنشآت مدنية، إضافة إلى احتمال عودة المواجهة المباشرة بين السعودية والحوثيين. فاستمرار الغارات أو تنفيذ الحوثيين هجمات انتقامية عبر الحدود يمكن أن ينقل الحرب سريعاً من اشتباكات محلية إلى مواجهة إقليمية.
وتظهر حصيلة الساعات الأربع والعشرين الماضية أن القوات المناهضة للحوثيين استعادت المبادرة في أكثر من جبهة، لكنها لم تحقق بعد اختراقاً استراتيجياً ثابتاً. ففي الساحل الغربي توسعت المساحة الآمنة حول حيس واستمر الضغط جنوب الجراحي، وفي تعز أُحبطت موجات هجومية حوثية واستعيدت مواقع، وفي البيضاء نُفذ اختراق أعقبته إعادة تموضع، بينما شهدت الجوف تقدماً حكومياً ترافق مع غارات دامية.
وفي المقابل، لا يزال الحوثيون يحتفظون بقدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ونقل التعزيزات بين المحافظات وشن هجمات متعددة المحاور. كما أن تهديدهم بالرد على السعودية يرفع احتمال انتقال المواجهة إلى المنشآت الحدودية أو الاقتصادية.
وبذلك دخلت الحرب اليمنية مرحلة جديدة لم تعد فيها جبهة الساحل منفصلة عن البيضاء والجوف. ففتح هذه المحاور في وقت واحد يهدف إلى تشتيت القوات الحوثية وإجبارها على الدفاع عن نطاق واسع، لكنه يحمل أيضاً خطر انهيار التهدئة غير المعلنة التي منعت خلال السنوات الماضية عودة الحرب الشاملة.
وتتوقف النتيجة على قرارين لم يتضحا بعد: ما إذا كانت القوات الحكومية والعمالقة ستثبت مواقعها وتواصل التقدم، وما إذا كانت الرياض قد قررت بالفعل استئناف التدخل الجوي المباشر. أما دعوة الأمم المتحدة إلى خفض التصعيد، فقد جاءت بعد انتقال المبادرة الميدانية إلى خصوم الحوثيين، وهو توقيت يرجح أن يعيد الجدل اليمني القديم بشأن ما إذا كانت الدبلوماسية الدولية تمنع الحرب، أم تجمّدها كلما بدأت موازينها تتغير.