مؤرخة تركية بارزة..
حرب كلامية عن فخرالدين باشا وسيلة أردوغان للإلهاء
فخرالدين باشا
استدعت الخارجية التركية القائم بأعمال سفارة الإمارات لدى أنقرة، على خلفية الجدل الذي أثارته تغريدة انتقدت القائد العسكري العثماني فخرالدين باشا، وعكست ما يؤمن به عدد كبير من أبناء الدول العربية بشأن حكم الإمبراطورية العثمانية التي حكمت البلاد العربية لمدة 500 عام.
ويأتي استدعاء القائم بأعمال سفارة الإمارات ضمن تصعيد من النظام التركي الذي تدرج من ردّ الناطق باسم الرئاسة التركية، تلاه نائب رئيس الوزراء التركي، ثمّ انتهاء بالرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يكاد يحول الأمر إلى أزمة دبلوماسية على خلفية قيام وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد بإعادة نشر هذه التغريدة، في خطوة قام بها الآلاف من المشتركين في تويتر.
وجاء تركيز أردوغان على الشيخ عبدالله بن زايد والتوجه إليه بشكل مباشر ضمن خطاب يفتقر إلى أدنى مقومات الأعراف الدبلوماسية ويكشف عن موقف شخصي أكثر منه ردة فعل على رأي في شخصية تاريخية يختلف حتى الأتراك بخصوصها.
ولخصت المؤرخة التركية عائشة حر في مقال على موقع “أحوال تركية”، الإجابة حول أسباب “هيجان” الرئيس التركي وحالة الهستيريا التي أصابته بقولها إن المناقشات التاريخية التي يشارك فيها الرئيس أردوغان تدور في الغالب حول “اليوم”، وليست حول “الماضي”.
وتضيف المؤرخة التركية أنه لطالما كان أردوغان (رئيس المجموعة التي تطلق على نفسها تسمية: العثمانيون الجدد)، ماهرا في استخدام القضايا التاريخية من أجل أهدافه السياسية الحالية أو طويلة الأجل؛ لذلك فإن البحث عن إجابة لسبب تصعيد الرئيس التركي وتهجمه على الإمارات التي تحتل المرتبة الثانية للدول المستوردة للبضائع التركية بنسبة 60 بالمئة، لا يكون بشكل مستقل عن علاقات تركيا والسعودية، وتركيا والإمارات، وتركيا وقطر، والإمارات وقطر، والإمارات العربية المتحدة والسعودية، وسياسات تركيا التوسعية، التي تتأرجح بين العثمانية الجديدة والإسلامية الجديدة.
لم يتوقّع الرئيس التركي أن يأتي رده على التغريدة، التي استغلها مطيّة للهجوم على الإمارات، معاكسا لما هدف إليه، وأن يضاف إلى سلسلة الهزائم التي مُني بها في المنطقة العربية منذ أن انكشفت مشاريعه وخططه، وهو الذي كان يأمل أن يكون رئيس الجمهورية العثمانية الأولى وأن يعيد فتح مقام الباب العالي الذي ظلّ سلاطينه لقرون طويلة يقودون البلاد العربية ومعظم العالم الإسلامي تحت لواء دولة الخلافة العثمانية، ضمن حقبة طويلة (حوالي خمسة قرون) كان فيها الكثير من السلبيات مثلما كان فيها الإيجابيات، لكن ذلك لا ينفي أن الوجود العثماني في تونس ومصر وسوريا وغيرها من البلاد العربية كان احتلالا شأنه شأن الاحتلال البريطاني والفرنسي، لكن المختلف هو أن العثمانيين استغلوا الإسلام ليتمددوا ويكونوا إمبراطورية ضخمة ربحت كثيرا من ثروات الدول التي كانت خاضعة لحكمها قبل أن تزول الدولة العثمانية وتقسيم المناطق التي كانت تحت نفوذها.
كما فعل أجداده، سعى أردوغان إلى التمدد في المنطقة مستغلا الإسلام والموقف من إيران الشيعية، لكن فشلت خطته في تمكين جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، وهذا ما يفسر وكما كتبت عائشة حر لماذا “من المرجح جدا أن تكون هذه المناقشة التي أثارها الرئيس التركي حول تغريدة فخرالدين باشا لا تتعلق بالتاريخ بل بما يجري اليوم”، وفي علاقة بالموقف من جماعة الإخوان المسلمين وبدرجة اكبر بمقاطعة الإمارات، إلى جانب السعودية والبحرين ومصر، لقطر، حليفة تركيا.
وتشرح قائلة إن بداية الأزمة بدأت مع مواجهة الإخوان المسلمين، وقد تم توجيه الاتهام لتركيا وأيضا لقطر بدعم جماعة الإخوان المسلمين والمنظمات الجهادية الأخرى. لكن أرجئت الأزمة في ظل المحاولات الخليجية لتواصل بهدوء مع قطر بما تقتضيه خصوصية العلاقة الخليجية، كما أن تركيا سعت في السنوات بعد سقوط الإخوان إلى تقديم نفسها كحليف سنّي داعم للسعودية والإمارات في الموقف من إيران.
لكن في عام 2017، عاد التوتر مرة أخرى، بعد أن قطعت السعودية ودولة الإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر. وبعد هذه الأزمة، أرسلت الإمارات رسالة إلى أنقرة في يونيو 2017، بأن “تبقى محايدة” بشأن الأزمة مع قطر، وكان من بين طلبات دول المقاطعة من تركيا إغلاق قاعدتها في قطر وإعادة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأعضاء تنظيمات مثل القاعدة وحركة طالبان الموجودين في تركيا إلى الإمارات.
لكن، حكومة حزب العدالة والتنمية في أنقرة، وفق عائشة حر، ليست في وضع يسمح لها بالانسحاب من قطر، ولذلك ليس فقط بسبب التعاطف المشترك تجاه الإخوان المسلمين، بل ولأن تلك القاعدة العسكرية الوحيدة لتركيا في الشرق الأوسط، علاوة على الوعد الذي أعطته الدوحة لأنقرة باستثمار 19 مليار دولار في تركيا عام 2018. بالإضافة إلى أن انسحاب قطر من منظمة أوبك سوف يكون له تأثير على زيادة أسعار النفط بشكل سيؤثر أيضا على الاقتصاد التركي.
من هو فخرالدين باشا
ولد عمر فخرالدين باشا في روسجوق عام 1886، وانضم إلى الجيش كضابط في عام 1891، وكان متمركزا في إرزينجان حتى عام 1908، في الفيلق الرابع، وتم تعيينه في قيادة قوة الحجاز الشريفة التي مقرها المدينة، من قبل جمال باشا (الملقب بالسفاح)، أثناء معركة طرابلس عام 1911، وعندما تمت استعادة أدرنة من البلغار خلال حرب البلقان الأولى عام 1912، وفي السنة الثانية من الحرب العالمية بعد انتهاء مهمته في الترحيل الأرمني/ في شبه جزيرة القرم، في مايو 1916.
وخلال ثورة الشريف الحسين بن علي شريف مكة في يونيو 1916، وأول من نادى باستقلال العرب من حكم الدولة العثمانية، كلّفت السلطة في الباب العالي فخرالدين باشا بالتصدي للثوريين العرب وتم تشويه سمعتهم في التاريخ الوطني التركي،
قائلين “إنهم طعنوا العثمانيين من الخلف”، “وتواطؤا مع الإنكليز”، أما في التأريخ العربي القومي فقد أشادوا بهم قائلين “إنهم وطنيون ناضلوا ضد العثمانيين من أجل الاستقلال”، ومنعهم من الاستيلاء على المدينة المنورة، والمراكز الموجودة في المناطق المحيطة بها.
وخلال تواجده في المدينة المنورة، كانت لفخرالدين باشا في الظاهر بعض الإيجابيات من ذلك أنه أدخل تحسينات معمارية لتطوير المدينة المنورة، على سبيل المثال توسعة الطرق المؤدية إلى قبر النبي ونظم منطقة القبر.
ولكن في نفس الوقت كان يرسل إلى العاصمة اسطنبول الكثير من المآثر والتحف من ذلك أنه أرسل في أواسط أغسطس عام 1918، مخطوطات مهمة كانت موجودة في مكتبات المدينة المنورة، وحوالي 750 من أعمال الفن الإسلامي القيمة، وذات التمشّي كان يجري في مختلف الدول التي كانت خاضعة للدولة العثمانية وزيارة إلى متحف توب كابي تكشف إلى أي مدى مازال العثمانيون يستغلون الآثار التي أخذوها من تلك الدول بمختلف.
وصحيح، كما قال أردوغان، قاتل فخرالدين باشا مدافعا عن المدينة المنورة، لكن هدف قتاله لم يكن كما أورد أردوغان، بل كان يقاتل وكما تنقل عنه كتب التاريخ والمؤرخة عائشة حر قاتل دفاعا عن علم بلاده وعن “مولاه” العثماني.
تقول المؤرخة التركية “دخل فخرالدين باشا التاريخ بصفته ‘المدافع عن المدينة المنورة‘، والتي واصل دفاعه عنها لمدة سنتين و7 أشهر دون تسليم، لكن في 5 يناير 1919، أصدر رسالة الوداع إلى الوحدة، وفي يوم 7 يناير وقع اتفاق الاستسلام، وفي ليلة 8 يناير، أتلف جميع الوثائق المهمة”.
هاشتاغ سفر برلك
رد نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي على أردوغان بأنه آخر من يتحدث عن المواقف والخيانة، فتاريخه يعج بالتقلب والتناقض ضمن هاشتاغ #سفر_برلك.
وجاء في إحدى التغريدات أن أردوغان ينصب نفسه “سلطانا” عثمانيا أحيانا وخليفة للمسلمين أحيانا أخرى، مستخدما خطابا شعبويا استطاع من خلاله جذب “مريدين” في العالم العربي لا يدخرون جهدا في الدفاع عنه، ويطلق عليهم مناوئوهم “حريم السلطان”.
وقالت تغريدة أخرى إن التاريخ العثماني يعجّ بـ”مذابح” شهيرة تجاه العرب. كما أن النظرة الدونية للعرب لا تزال متأصلة إلى حدود اليوم في عادات الأتراك الذين تحفل لغتهم بأمثلة شعبية شهيرة تعود إلى الحقبة العثمانية تحط من قيمة العرب بل وتشبههم بـ”الجراد”.
وكتب مغرّد #سفر_برلك كانت حملة تجنيد إجبارية لكل الأقطار التي كانت واقعة تحت الخلافة العثمانية. أهل بلاد الشام أكثر من عانى من هذه الحملة واسألهم، حتى أصبح كل من يطيل السفر يقال له (شو رايح على السفر برلك).
وقال آخر “أنا من أهل المدينة المنورة. وأعلم أن فخري باشا لم يترك أحدا من أهل المدينة، لا رجال ولا نساء ولا أطفال، حتى أن بعض الرضع ماتوا جوعا في بيوتهم عندما تم اختطاف آبائهم وترحليهم.



