منتدى ثقافي بمراكش..
مسرح العرائس بالمغرب يواجه تحديات النصوص الدرامية الموجهة للأطفال
أعاد المنتدى الحواري بمراكش تسليط الضوء على مسرح العرائس باعتباره أداة تربوية وجمالية قادرة على ترسيخ القيم وتنمية الخيال لدى الأطفال، في ظل دعوات متزايدة لتطوير النصوص الدرامية الموجهة للطفل وتعزيز حضورها داخل المشهد الثقافي المغربي
أجمع المشاركون في المنتدى الحواري “مسرح فن العرائس: أسئلة النص الدرامي الموجه للطفل”، الذي نظمته دار الشعر بمراكش بتنسيق مع المديرية الجهوية للثقافة بجهة مراكش آسفي، على أهمية مسرح العرائس باعتباره فضاءً يجمع بين البعد الجمالي والتربوي، ويؤدي دوراً محورياً في تنمية وعي الطفل وغرس القيم الإنسانية والمعرفية عبر لغة فنية تعتمد الإبداع والتخييل بدل الخطاب المباشر.
واحتضن فضاء الكتبيين فعاليات المنتدى ضمن الدورة السادسة عشرة لـالمعرض الجهوي للكتاب، وسط حضور جماهيري لافت ومشاركة عدد من النقاد والفنانين المتخصصين في مسرح الطفل وفنون العرائس، من بينهم عزالدين سيدي حيدة ونزهة الجعيدي وعبدالسلام بوخيمة، فيما أدار اللقاء الناقد الدكتور أحمد طوالة.
وشكل المنتدى مساحة لمناقشة التحولات التي يشهدها المسرح الموجه للأطفال، خصوصاً في ما يتعلق بطبيعة النص الدرامي وآليات مخاطبة الطفل بلغة تجمع بين المتعة والمعرفة، مع التركيز على العلاقة بين الشعر والمسرح بوصفها علاقة تفتح المجال أمام خطاب تربوي غير مباشر وأكثر تأثيراً.
وفي هذا السياق، أكد المتدخلون أن مسرح العرائس لا يقتصر على الترفيه، بل يمثل أداة تعليمية وتواصلية متكاملة تسهم في تنمية المهارات النفسية والحركية والحسية لدى الأطفال، إضافة إلى دوره في تعزيز الخيال والقدرة على التفاعل مع القيم الإنسانية والاجتماعية.
وقدم الباحث والمسرحي عزالدين سيدي حيدة قراءة تعريفية لأنماط مسرح الطفل، متوقفاً عند المسرح التعليمي والغنائي وخيال الظل ومسرح الدمى والعرائس والمسرح التفاعلي، مشيراً إلى أن هذا الفن ظل عبر تاريخه وسيلة فعالة لبناء شخصية الطفل وتعزيز إدراكه للعالم المحيط به.
أما الفنانة والمخرجة نزهة الجعيدي، فقد ركزت في مداخلتها على أهمية تطوير النصوص الدرامية الموجهة للأطفال، معتبرة أن الساحة الثقافية المغربية ما تزال بحاجة إلى تراكم أكبر في هذا المجال، بما يتيح للمخرجين والفاعلين الثقافيين الاشتغال على نصوص قادرة على الجمع بين البعد التربوي والفرجة الفنية.
وأوضحت الجعيدي أن انفتاح النص الدرامي على الشعر والسرد يمنح العروض الموجهة للأطفال عمقاً جمالياً إضافياً، ويجعل الرسائل والقيم أكثر رسوخاً في ذاكرة الطفل، خاصة عندما يتم تقديمها عبر شخصيات دمى وعرائس قريبة من عالمه وتفاصيله اليومية.
من جهته، استعرض المسرحي عبدالسلام بوخيمة، أحد رواد فن العرائس بالمغرب، تجربته الفنية الطويلة في هذا المجال، مؤكداً أن العلاقة بين الطفل والدمى تقوم على التلقائية والتقارب النفسي، وهو ما يجعل مسرح العرائس قادراً على التأثير في وجدان الأطفال بطريقة أكثر سلاسة وفاعلية.
وأشار بوخيمة إلى أن اللغة الشعرية تمثل أحد أهم العناصر التي تمنح النص الدرامي الموجه للأطفال قوته التعبيرية، نظراً لما تحمله من إيقاع وصور رمزية تسهم في تمرير القيم والرسائل التربوية بشكل جمالي وغير مباشر.
وشهد المنتدى أيضاً تكريم الفنان عبدالنبي حضور المعروف بشخصية “العم فلفل”، تقديراً لمسيرته الطويلة في مسرح الطفل والتنشيط الثقافي، والتي امتدت منذ ستينيات القرن الماضي، في واحدة من أبرز التجارب المغربية المرتبطة بالعمل التربوي والفني الموجه للأطفال.
ويأتي تنظيم هذا المنتدى ضمن برنامج “ندوات” الذي تشرف عليه دار الشعر بمراكش، في إطار سعي المؤسسة إلى فتح نقاشات ثقافية وفكرية تربط الشعر والفنون بالأسئلة المجتمعية والتربوية، مع التركيز على التقاطعات بين الإبداع الأدبي والمسرحي والبعد التكويني المرتبط بالأطفال واليافعين.
ويرى متابعون أن الاهتمام المتزايد بمسرح الطفل وفنون العرائس يعكس إدراكاً متنامياً لأهمية الثقافة والفنون في بناء الوعي لدى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي تفرض تحديات جديدة على المؤسسات الثقافية والتربوية في مخاطبة الطفل وتطوير أدوات التواصل معه.



