انفتاح على مرحلة جديدة أكثر قوة وصلابة..
لندن وبروكسل تطويان صفحة بريكست وتفتحان صفحة الاتفاق التجاري
بريكست يحدث انقسامات في بريطانيا قبل وبعد التنفيذ
استيقظ البريطانيون للمرة الأخيرة صباح الجمعة بصفتهم مواطنين في الاتحاد الأوروبي، فيما عكست عناوين الصحف حماسة مؤيدي بريكست وتوجس أولئك الذين كانوا يرغبون في البقاء، بينما اعتبرت المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي سيبدأ فصلا جديدا بعد مغادرة بريطانيا وسيعمل بنفس الوتيرة كقوة موحدة في القضايا العالمية.
وعنونت 'ديلي اكسبرس' المؤيدة بشدة للانفصال "نعم، فعلناها!"، فيما ظهر العنوان إلى جانب خريطة للمملكة المتحدة تضم عناوين الصحيفة التي صدرت طيلة الأشهر الـ43 منذ استفتاء يونيو/حزيران 2016. وشهدت هذه الفترة ثلاثة مواعيد لتنفيذ بريكست قبل أن يصادق البرلمان نهائيا على اتفاق الخروج.
أما 'ديلي مايل' المؤيدة بدورها لبريكست فكتبت على غلافها "فجر جديد لبريطانيا"، مرفقة العنوان بعبارة "عند الساعة 11 مساء، تغادر أمتنا العزيزة أخيرا الاتحاد الأوروبي - صديقة دوما لأوروبا، لكن حرّة ومستقلة من جديد بعد 47 عاما".
وعبّرت صحيفة 'ذي غارديان' اليسارية عن تفضيلها للبقاء في الاتحاد الأوروبي فعنونت "جزيرة صغيرة" ووصفت بريكست بأنّه "أكبر رهان منذ جيل".
ونشرت 'تايمز' على صفحتها الأولى مقالة تعرض أفكار رئيس الوزراء بوريس جونسون حول اتفاق التبادل الحر الذي يرغب في التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي ويكون على نسق الاتفاق الأخير بين التكتل الأوروبي وكندا. وكتبت "يريد رئيس الوزراء اتفاقا تجاريا مع بروكسل على غرار الموقع مع كندا".
ومن المنتظر أن يلقي جونسون خطابا حماسيا لكنه سيحاول أن يضمد جراح الرافضين للانفصال وأن يتحدث بلغة جامعة وموحدة للمجتمع البريطاني بعد انقسامات عميقة.
وكتبت فاينانشل تايمز "بريطانيا تنسحب وسط خليط من التفاؤل والأسف"، فيما كتبت صحيفة 'سيتي آي ام' المجانية والمخصصة للشركات "كانت رحلة طويلة" على خلفية صورة لقطار ملاهي على متنه أبرز شخصيات بريكست.
أما 'ديلي تلغراف' فعنونت غلافها "ليست نهاية وإنّما بداية" إلى جانب تصريحات لبوريس جونسون ألقاها قبيل انعقاد جلسة للحكومة الجمعة في مدينة ساندرلاند (شمال-شرق)، حيث كان الناخبون قد صوّتوا بكثافة لصالح بريكست.
وفي اسكتلندا حيث كان الناخبون قد صوّتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، جاءت النبرة مختلفة، حيث عنونت 'سكوتسمان' صحيفة ادنبره بـ"وداعا لا إلى اللقاء". وكتبت عبارة "وداعا" بـ24 لغة أوروبية.
وبالنسبة لـ 'ديلي ريكورد'، فلخصت مشهد ما بعد بريكست بتشاؤم معنونة "منعزلة، أقل ازدهارا، أضعف ومنقسمة".
ولم تقاوم 'ديلي ستار' المزاح، فكتبت "لحظة تاريخية هذا المساء لأمتنا العظيمة"، مضيفة "نعم، إنّها نهاية يناير(كانون الثاني) الجاف"، في إشارة إلى شهر خال من الكحول وهي ممارسة تتسع بين البريطانيين الذين أكثروا من احتسائه في ديسمبر/كانون الأول.
وتفصل بريطانيا ساعات قليلة على انفصال تاريخي ينهي مسارا شائكا من المفاوضات المربكة والمتعثرة والمثقلة بانقسامات قائمة هزت أوروبا على ضوء خلافات في المواقف على أكثر من ملف محلي ودولي.
ولا يختلف الوضع في دول الاتحاد الأوروبي عن مزيج المشاعر في المملكة المتحدة، لكن قادة مؤسسات الاتحاد الأوروبي حاولوا التأكيد على تماسك التكتل الأوروبي وأن الأخير ينفتح على مرحلة جديدة أكثر قوة وصلابة بعد بريكست.
وكان من الطبيعي أن لا يظهر هؤلاء حالة القلق من نزعات انفصالية أخرى قد تعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وأثنوا قبيل بريكست على ما وصفوه بـ"أوروبا على عتبة عصر جديد"، مذكرين المملكة المتحدة بأنّها ستخسر 'مكتسبات' الدولة العضو وذلك في رسالة نشرت الجمعة وهو اليوم الذي يصادف موعد الطلاق بلا رجعة.
وأعرب شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي واورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية وديفيد ساسولي رئيس البرلمان في النص عن "الاستعداد للانخراط في شراكة جديدة مع جيران الضفة الأخرى من بحر المانش".
برغم انتفاء العضوية ضمن الاتحاد الأوروبي، بريطانيا ستبقى جزءا من أوروبا. الجغرافيا والتاريخ المشتركان كما الروابط القائمة في عدد من المجالات، تجمعنا بشكل راسخ وتجعل منا حلفاء طبيعيين
وقالوا "بالنسبة لنا كما لأشخاص كثر، سيكون هذا اليوم حتما مدعاة تأمل وسيتسم بمشاعر مختلطة".
وقالت فون دير لين اليوم الجمعة إن الاتحاد الأوروبي سيبدأ فصلا جديدا بعد مغادرة بريطانيا وسيعمل بنفس الوتيرة كقوة موحدة في القضايا العالمية بدءا من تغير المناخ إلى التحول التكنولوجي.
وتابعت في مؤتمر صحفي سبق خروج بريطانيا الرسمي من التكتل في منتصف الليل بتوقيت بروكسل "علمتنا التجارب أن القوة لا تكمن في عزلة رائعة ولكن في اتحادنا الفريد".
وأضافت "لا يوجد مكان آخر في العالم يمكنك أن تجد فيه 27 دولة من 440 مليون نسمة يتحدثون 24 لغة مختلفة ويعتمدون على بعضهم البعض ويعملون سويا ويعيشون جنبا إلى جنب. ما من شك في أن التحديات التي تواجهها أوروبا والفرص التي يمكنها اقتناصها لم تتغير بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي".
وبينما ستبدأ عقب بريكست مرحلة مفاوضات مع لندن حول طبيعة العلاقات المستقبلية، حذّر المسؤولون الثلاثة من أنّه "في غياب شروط عادلة في مجالات البيئة والعمل والنظام الضريبي ومنح الدولة، لا يمكن أن تكون ثمة فرص واسعة للوصول إلى السوق الموحدة"، مذكّرين بأنّه "لا يمكننا الحفاظ على المكتسبات المنشودة من مكانة العضوية حين نفتقد هذه الصفة".
وينبغي على المفوضية الأوروبية التفاوض مع لندن بشأن علاقة ما بعد بريكست اعتبارا من بداية مارس/آذار أي خلال الفترة الانتقالية التي ستمتد حتى نهاية 2020.
وأضاف المسؤولون الثلاثة "برغم انتفاء العضوية ضمن الاتحاد الأوروبي، فإنّ المملكة المتحدة ستبقى جزءا من أوروبا. الجغرافيا والتاريخ المشتركان كما الروابط القائمة في عدد من المجالات، تجمعنا بشكل راسخ وتجعل منا حلفاء طبيعيين".
واعتبروا أنه في أعقاب بريكست "ستستمر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في توحيد الجهود وبناء مستقبل مشترك. لا يمكن لأي بلد بمفرده احتواء تطوّر التغير المناخي وإيجاد حلول على صعيد المستقبل الرقمي أو إسماع صوته في خضم انعدام التناغم المتنامي الذي يحكم العالم"، خاتمين بالقول إن الاتحاد الأوروبي سيستمر في "النهوض بأعبائه مع بزوغ شمس الغد".



