رحيل المدعي العام الإيراني..

وفاة موسوي تبريزي… ومسؤول قضائي ارتبط اسمه بملفات القمع في الثمانينيات

تتحدث روايات وشهادات متداولة عن محاكمات وُصفت بأنها كانت تُجرى في دقائق معدودة، بلا محامين وبلا ضمانات كافية، يعقبها تنفيذ سريع للأحكام في أجواء قيل إنها كانت تهدف إلى بث الرعب أكثر مما تهدف إلى تحقيق العدالة

سيد حسين موسوي تبريزي، المدعي العام لما سُمّي "الثورة" في عهد الخميني بين عامي 1981 و1983

طهران

أعاد خبر وفاة سيد حسين موسوي تبريزي، المدعي العام لما سُمّي "الثورة" في عهد الخميني بين عامي 1981 و1983، فتح صفحة حساسة من تاريخ إيران المعاصر، ارتبطت بملفات الإعدامات والمحاكمات السريعة ومناخ القمع الذي طبع تلك المرحلة. ووفق ما تناقلته الأخبار، توفي موسوي تبريزي يوم 12 أبريل/نيسان 2026 عن 79 عاماً، في وقت لا تزال فيه ذاكرة كثير من العائلات الإيرانية مثقلة بأسئلة العدالة والمساءلة.
برز موسوي تبريزي في السنوات الأولى لترسيخ نظام ولاية الفقيه بوصفه شخصية قضائية ذات طابع أمني، إذ تنقّل في عدة مدن وأصدر أحكاماً قاسية شملت الإعدام والمصادرة، قبل أن يُنقل إلى أذربيجان الشرقية والغربية في مرحلة سعت فيها السلطة إلى تفكيك أي مساحة للاعتراض السياسي أو الاجتماعي. وفي تلك الفترة التصق اسمه، لدى خصوم النظام وناشطين ومعارضين، بلقب "جلّاد تبريز"، في إشارة إلى تشدد الإجراءات وسرعة البتّ في القضايا.
وتتحدث روايات وشهادات متداولة عن محاكمات وُصفت بأنها كانت تُجرى في دقائق معدودة، بلا محامين وبلا ضمانات كافية، يعقبها تنفيذ سريع للأحكام في أجواء قيل إنها كانت تهدف إلى بث الرعب أكثر مما تهدف إلى تحقيق العدالة. كما ترد في شهادات متداولة اتهامات بأن موسوي تبريزي لم يكتف بإصدار الأحكام، بل شوهد داخل السجون وغرف التحقيق يحمل سوطاً، وقيل إنه شارك شخصياً في تعذيب معتقلين. وإذا كانت هذه الروايات لا يمكن التحقق من تفاصيلها من مصادر مستقلة، فإن تداولها الواسع يعكس طبيعة المرحلة التي امتزج فيها الأمن بالقضاء في نظر كثيرين.
وتتكرر في سرديات تلك السنوات إشارات إلى نمط "الإعدامات الجماعية" بوصفها أداة ردع سياسي. ومن الأمثلة المتداولة في هذا السياق إعدام 59 شخصاً في تبريز في يونيو/حزيران 1983. كما تشير روايات أخرى إلى سوء معاملة طالت سجينات سياسيات، من تحقير وتهديد وإذلال، وتُذكر في هذا الإطار قصة "ثريا أبو الفتحي" في صيف 1981 كواحدة من القصص التي تُستحضر عند الحديث عن أساليب التحقيق والاحتجاز في تبريز آنذاك.
وقد ساهم موقعه في تعزيز نفوذه داخل المنظومة القضائية. فبعد مقتل علي قدوسي في سبتمبر/أيلول 1981، استُدعي إلى طهران وعُيّن مدعياً عاماً بسلطات واسعة، وهي خطوة فُهمت على أنها توسيع لنهج "القمع الممأسس" على مستوى البلاد. كما تُنسب إليه تصريحات علنية قدّم فيها الإعدام بوصفه "حلاً" و"واجباً"، وتحدث عن أن "المحارب" لا مكان له في السجن، بما يعكس منطقاً قائماً على الردع بالقوة.
ولم يقتصر الجدل على ملف القمع، إذ تُتداول أيضاً روايات عن شبهات فساد مالي وأخلاقي في أوائل الثمانينيات. ووفق روايات منشورة حتى في أوساط محسوبة على أجنحة داخل النظام، قيل إن لجنة قضائية نظرت في "مخالفات مالية" و"علاقات غير لائقة"، قبل أن يتم احتواء الملف بدلاً من فتحه على العلن، مع حديث عن إتلافه لحماية صورة المؤسسة الحاكمة. ورغم صعوبة التحقق من هذه التفاصيل، فإنها تعكس نمطاً مألوفاً في أنظمة مغلقة: الجمع بين السلطة والإفلات من المساءلة.
لاحقاً، ومع عودة ملف مجزرة السجناء السياسيين عام 1988 إلى الواجهة، نُقل عن موسوي تبريزي أنه حاول نفي دور مباشر، لكنه في الوقت ذاته قدّم تبريرات لسياسة الإعدام. وهي مفارقة تختصر طبيعة منظومة تُنكر التفاصيل فيما تدافع عن المبدأ.
وفاة موسوي تبريزي لا تُغلق الملف بقدر ما تعيد طرح الأسئلة: عن حدود المسؤولية، وعن دور القضاء في المراحل الاستثنائية، وعن حق الضحايا وذويهم في الحقيقة والإنصاف. وبينما قد يختفي الأفراد، تبقى الذاكرة العامة وملفات العدالة مفتوحة… على الأقل في محكمة التاريخ والضمير.