ساحل الجنوب تحت ضغط الإنسان..

دراسة تحذر من تدهور بيئي متسارع يهدد البحر العربي وخليج عدن

المشكلات البيئية المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية في ساحل الجنوب المطل على خليج عدن والبحر العربي لم تعد مجرد اختلالات محلية معزولة، بل تحولت إلى تهديد مباشر للتوازن البيئي والموارد الطبيعية والأمن المعيشي في واحدة من أكثر المناطق اليمنية حساسية وحيوية.

المشكلات البيئة المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية - اليوم الثامنالإصدارات ساحل الجنوب تحت ضغط الإنسان.. دراسة تحذر من تدهور بيئي متسارع يهدد سواحل الجنوب وخليج عدن المشكلات البيئية الم

د. سيناء عبده الصبيحي
باحثة مقيمة في مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، عضو استاذ مساعد ومحاضر في كلية صبر للعلوم والتربية بجامعة لحج.

قالت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات إن المشكلات البيئية المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية في ساحل الجنوب المطلة على خليج عدن والبحر العربي تكشف عن مسار مقلق من التدهور البيئي الذي بات يهدد الشريط الساحلي الجنوبي في اليمن، نتيجة تراكم أنماط من التوسع العمراني غير المنضبط، والتلوث البحري، والاستنزاف المتواصل للموارد المائية، وضعف إدارة النفايات، إلى جانب هشاشة البنية المؤسسية والرقابية المعنية بحماية البيئة الساحلية والبحرية. وتستند هذه الخلاصة إلى دراسة أعدتها الباحثة الدكتورة سيناء عبده الصبيحي، تناولت فيها الأثر البيئي للنشاطات البشرية في السواحل الجنوبية المطلة على خليج عدن والبحر العربي، بوصفها واحدة من أكثر المناطق عرضة للضغط البيئي والتغيرات المناخية في اليمن.

 

الدراسة التي اعدتها الباحثة في المؤسسة -د. سيناء عبده الصبيحي - تنطلق من فرضية واضحة مفادها أن التدهور البيئي في الساحل الجنوبي لم يعد ناتجاً عن عوامل طبيعية أو مناخية فقط، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بأنماط استخدام الإنسان للمكان والموارد، وبالتحولات الاقتصادية والعمرانية التي شهدتها مدن ومناطق الساحل خلال العقود الأخيرة. فالمناطق المطلة على خليج عدن والبحر العربي لم تعد مجرد امتداد جغرافي مفتوح على البحر، بل تحولت إلى مجال مزدحم بالموانئ، والخدمات النفطية، والتجمعات السكنية، والأنشطة الصناعية، ومشروعات الطرق والردم، وكلها أنشطة تترك آثاراً تراكمية على النظام البيئي الساحلي، في غياب منظومة فاعلة لتقييم الأثر البيئي والحد من التدهور.

 

وتوضح الدراسة أن ساحل الجنوب يحتل موقعاً جغرافياً شديد الحساسية، ليس فقط لأنه يطل على واحد من أهم المسارات البحرية في المنطقة، بل لأنه يقع ضمن بيئة هشة مناخياً وبيئياً. فخليج عدن يشكل امتداداً استراتيجياً للبحر الأحمر ويتصل بالمحيط الهندي، فيما تمتد السواحل الجنوبية لليمن على مساحة واسعة تضم عدداً من المراكز الحضرية والاقتصادية، من عدن إلى أبين وحضرموت والمهرة، ما يجعل أي خلل في إدارة هذه البيئة الساحلية ذا أثر مباشر على السكان والاقتصاد المحلي والتنوع الحيوي معاً. وتلفت الدراسة إلى أن هذه المنطقة تشهد في الوقت نفسه نمواً سكانياً وتوسعاً عمرانياً وضغطاً متزايداً على المياه والأراضي والموائل الطبيعية، الأمر الذي يفاقم من هشاشتها ويجعلها أكثر عرضة للانهيار البيئي البطيء.

 

ومن بين أكثر الملفات حضوراً في الدراسة ملف الإجهاد المائي، الذي تصفه بأنه أحد أخطر التحديات البيئية في الساحل الجنوبي. فالمدن الساحلية، وفي مقدمتها عدن، تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية في ظل محدودية الأمطار وغياب الموارد السطحية الدائمة، بينما تتزايد الضغوط السكانية والعمرانية والصناعية على هذا المورد المحدود. وتؤدي هذه المعادلة إلى استنزاف متسارع للمياه الجوفية، وتراجع نوعيتها، وارتفاع مخاطر التملح في بعض المناطق الساحلية، خصوصاً مع اقتراب الآبار من البحر وضعف الإدارة المستدامة للمخزون المائي. ولا تتعامل الدراسة مع هذه المسألة بوصفها مشكلة خدمات فقط، بل باعتبارها مؤشراً على خلل أعمق في العلاقة بين التخطيط العمراني والموارد الطبيعية، حيث يُستهلك الماء بوتيرة أعلى من قدرة الطبيعة على التعويض.

 

وفي موازاة أزمة المياه، تبرز مشكلة التلوث البحري بوصفها أحد أخطر أوجه التدهور البيئي في ساحل الجنوب. وتشير الدراسة إلى أن كثيراً من المدن الساحلية ما تزال تصرف مياه الصرف الصحي إلى البحر مباشرة أو بقدرات معالجة محدودة، وهو ما يضاعف من التلوث العضوي والكيميائي في المياه الساحلية، ويؤثر على البيئة البحرية وصحة السكان والثروة السمكية. كما تضيف النفايات الصلبة، ولا سيما البلاستيك ومخلفات الأنشطة التجارية والخدمية، طبقة أخرى من التلوث المتراكم على الشواطئ وفي المياه الضحلة، في ظل قصور واضح في أنظمة الجمع والمعالجة والردع. وتزداد خطورة هذا الملف مع النشاط الملاحي والنفطي في خليج عدن وميناء عدن، حيث يرفع مرور ناقلات النفط والسفن التجارية من احتمالات التسربات النفطية والتلوث المرتبط بمياه التوازن والمخلفات التشغيلية.

 

وتعطي الدراسة مساحة مهمة للأثر البيئي الناجم عن الاستخدامات البترولية والصناعية في الساحل الجنوبي، معتبرة أن المشكلة لا تكمن في وجود النشاط الصناعي بحد ذاته، بل في نمط تموضعه وإدارته وغياب الضوابط البيئية الصارمة المنظمة له. فوجود منشآت صناعية وخدمية على مقربة من الشريط الساحلي أو من الأحياء السكنية أو من المناطق الرطبة والزراعية يعني عملياً نقل جزء كبير من كلفة النشاط الاقتصادي إلى البيئة والسكان. وتلفت الدراسة إلى أن بعض الصناعات الخفيفة والمتوسطة القائمة في مناطق من عدن وساحل أبين، بما فيها مصانع مرتبطة بالبلاستيك والدهانات والتجميد وغيرها، تنتج مخلفات صلبة وسائلة وغازية، في وقت لا يبدو فيه الالتزام البيئي أو أنظمة الرقابة بالمستوى الكافي لمنع التلوث أو الحد من آثاره. وبذلك يصبح الساحل مستقبِلاً دائماً لأعباء التنمية غير المنضبطة، من دون أن يمتلك أدوات الحماية اللازمة.

 

ولا تنفصل هذه الصورة عن التوسع العمراني والبناء العشوائي اللذين ترصدهما الدراسة باعتبارهما من المحركات الرئيسية للتدهور البيئي في السواحل الجنوبية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بزيادة السكان أو الحاجة إلى السكن والخدمات، بل بكيفية التمدد داخل المجال الساحلي نفسه. عمليات الردم، وتجريف النباتات الطبيعية، وإزالة الموائل، والتمدد السكني فوق الأراضي الرطبة أو الزراعية أو القريبة من الشواطئ، كلها ممارسات تترك آثاراً يصعب عكسها لاحقاً. وتذكر الدراسة أن بعض المناطق شهدت تدميراً فعلياً لمواطن طبيعية ومناطق رطبة وسبخات وغطاءات نباتية بسبب تنفيذ مشروعات عمرانية وخدمية من دون تخطيط سليم أو تطبيق جاد للتشريعات البيئية. وهذا النوع من التوسع لا يغير شكل الساحل فقط، بل يغير وظائفه البيئية أيضاً، من حيث تصريف المياه، واحتضان التنوع الحيوي، وتخفيف أثر العواصف، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية المرتبطة بالصيد والزراعة والرعي.

 

وتشير الدراسة كذلك إلى أن البيئة الساحلية في الجنوب لا تتعرض فقط للضغط العمراني والصناعي، بل تواجه أيضاً استنزافاً مباشراً لمكوناتها الطبيعية من خلال الصيد الجائر، واستخدام وسائل صيد غير قانونية، وسحب الرمال من الشواطئ لأغراض البناء، والاعتداء على مناطق المانغروف والشعاب المرجانية. وهذه العناصر ليست هامشية في التوازن البيئي، بل تشكل خط الدفاع الأول عن البيئة البحرية والساحلية. فالشعاب المرجانية والمانغروف والمناطق الرطبة تمثل موائل حاضنة للتنوع الحيوي ولتكاثر الأسماك والطيور، كما تلعب دوراً مهماً في حماية الشواطئ من التآكل وتثبيت الرواسب وامتصاص جزء من أثر العوامل المناخية القاسية. وعندما تُستنزف هذه المنظومات لصالح مصالح آنية أو في ظل غياب الحماية القانونية والرقابية، فإن الخسارة لا تكون بيئية فقط، بل اقتصادية ومجتمعية أيضاً.

وفي خلفية كل هذه المشكلات، تضع الدراسة عامل التغير المناخي بوصفه مضاعفاً للأزمة وليس مجرد متغير خارجي. فالساحل الجنوبي، بحسب الدراسة، يقع ضمن نطاق مناخي شديد الحساسية لارتفاع درجات الحرارة، وتذبذب الأمطار، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، بما في ذلك السيول والعواصف والفيضانات المفاجئة. ومع ارتفاع الحرارة وتراجع انتظام الهطول، تتزايد الضغوط على المياه والتربة والزراعة والأنشطة الساحلية، فيما تصبح المدن والمجتمعات الأكثر هشاشة عرضة لخسائر أكبر. وما يفاقم الموقف أن هذه التغيرات المناخية تصطدم ببنية تحتية ضعيفة، وتخطيط حضري مرتبك، وقدرات محدودة على التكيف والاستجابة، ما يحول الظواهر المناخية من مخاطر محتملة إلى أزمات متكررة.

أهمية الدراسة لا تكمن فقط في تشخيصها لملفات التلوث والمياه والبناء والصناعة، بل في أنها تقدم قراءة مترابطة للعلاقة بين البيئة والتنمية في ساحل الجنوب. فهي تطرح سؤالاً جوهرياً: ما جدوى التوسع العمراني والاقتصادي إذا كان يتم على حساب القاعدة البيئية التي تقوم عليها الحياة والإنتاج في هذه المناطق؟ وما قيمة المشروعات إذا كانت تسرّع استنزاف المياه، وتدمر الشواطئ، وتلوث البحر، وتدفع المجتمعات الساحلية نحو مزيد من الهشاشة؟ في هذا المعنى، لا تبدو الدراسة معنية بالبيئة كقطاع منفصل، بل كمسألة حكم وإدارة وتخطيط ومصلحة عامة. فالتدهور البيئي هنا ليس نتيجة جانبية للتنمية، بل نتيجة مباشرة لغياب نموذج تنموي يوازن بين الاستثمار والحماية، وبين الاستغلال والحفاظ على الموارد.

وتنتهي الدراسة إلى حزمة من التوصيات التي تعكس حجم الخلل القائم في إدارة الساحل الجنوبي. فهي تدعو إلى تقنين حفر الآبار والحد من الاستنزاف العشوائي للمياه الجوفية، والتوسع المدروس في تحلية المياه مع مراعاة أثرها البيئي، وإنشاء محطات معالجة فعالة لمياه الصرف في المدن الساحلية، وتشديد الرقابة على الموانئ وناقلات النفط لمواجهة التلوث البحري، ومنع ردم الشواطئ واستخراج الرمال إلا وفق دراسات أثر بيئي واضحة. كما تدعو إلى إعلان محميات طبيعية للمناطق الحساسة مثل المانغروف والشعاب المرجانية، ومكافحة الصيد الجائر، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة النفايات والتوعية البيئية، إلى جانب بناء قاعدة بيانات بيئية لساحل الجنوب تسمح برصد التغيرات في جودة المياه والتآكل الساحلي والتنوع الحيوي

والخلاصة التي تخرج بها الدراسة أن ساحل الجنوب يقف اليوم عند مفترق حساس: إما أن يُنظر إليه باعتباره خزاناً مفتوحاً للاستغلال السريع والردم والتوسع غير المنضبط، وإما أن يُدار بوصفه نظاماً بيئياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً، تتوقف عليه حياة مدن ومجتمعات وقطاعات إنتاجية كاملة. وفي ظل ضعف الرقابة وتراكم الضغوط البشرية والمناخية، فإن كلفة التأجيل تبدو أعلى من أي وقت مضى. فالمسألة لم تعد تتعلق بحماية منظر طبيعي أو شاطئ جميل، بل بحماية مورد استراتيجي يتصل بالمياه والغذاء والصحة والاقتصاد والاستقرار المحلي في جنوب اليمن.

 

رابط الدراسة كاملة:
المشكلات البيئية المعاصرة الناتجة عن النشاطات البشرية في ساحل الجنوب المطلة على خليج عدن والبحر العربي