السيطرة على الجغرافيا وإدارة النفوذ..
مؤسسة أبحاث: السياسة السعودية في جنوب اليمن تجاوزت الحرب إلى رهانات استراتيجية
"ترى الدراسة أن التدخل السعودي في جنوب اليمن لم يعد يقتصر على الأبعاد العسكرية، بل أصبح يرتبط بمجموعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية، انعكست على إدارة الموارد، وبنية المؤسسات، والتوازنات المحلية، بما يجعل فهم المشهد مرهونًا بقراءة المصالح الإقليمية إلى جانب التطورات الميدانية"
سفير السعودية لدى اليمن محمد بن سلمان جالسا وفي الخلف يقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان - أرشيف وسائل إعلام سعودية
قالت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات إن السياسة السعودية تجاه جنوب اليمن شهدت تحولات متراكمة منذ اندلاع الحرب عام 2015، معتبرة أن طبيعة التدخل تجاوزت، وفق الدراسة، الإطار العسكري التقليدي إلى مسارات أكثر تعقيدًا تتصل بإدارة النفوذ الإقليمي، وتأمين المصالح الاقتصادية، وإعادة تشكيل التوازنات السياسية والجيوسياسية في المنطقة.
وتحمل الدراسة، التي جاءت بعنوان "السيطرة على الجغرافيا أم إدارة التوازنات؟.. قراءة في السياسة السعودية تجاه جنوب اليمن"، رؤية تحليلية تعتبر أن تفسير السياسة السعودية لا يكتمل من خلال متابعة التطورات العسكرية وحدها، وإنما يتطلب الربط بين الموقع الجغرافي للجنوب، والثروات الطبيعية، والموانئ والممرات البحرية، والتحولات الإقليمية التي فرضتها الحرب اليمنية خلال السنوات الأخيرة.
وترى الدراسة أن الجنوب تحول خلال العقد الأخير إلى إحدى أكثر الساحات ارتباطًا بالتنافس الجيوسياسي في المنطقة، بالنظر إلى إشرافه على خليج عدن وبحر العرب وقربه من مضيق باب المندب، إضافة إلى احتضانه موارد نفطية وغازية مهمة، وهو ما منح المنطقة أهمية تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.
وتخصص الدراسة أربعة محاور رئيسية لتحليل المشهد، تبدأ بتفسير دوافع السياسة السعودية، ثم تتناول آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قبل الانتقال إلى ملف حقول النفط في شبوة وحضرموت، وصولًا إلى تقييم مواقف المنظمات الدولية تجاه الحرب وتداعياتها.
وفي المحور الأول، ترى الدراسة أن السياسة السعودية استندت إلى مجموعة من الاعتبارات المتداخلة، في مقدمتها البعد السياسي المرتبط بالحفاظ على توازنات إقليمية تراها الرياض ضرورية لأمنها القومي، إلى جانب اعتبارات اقتصادية تتعلق بالممرات البحرية ومصادر الطاقة، فضلاً عن اعتبارات اجتماعية مرتبطة بالتأثير في البنية المحلية داخل المحافظات الجنوبية.
وبحسب الدراسة، فإن الموقع الجغرافي للجنوب يمنحه ثقلاً استثنائيًا في معادلات الأمن الإقليمي، إذ يطل على أحد أهم خطوط الملاحة الدولية، كما يشكل منفذًا استراتيجيًا على بحر العرب، الأمر الذي يجعله جزءًا من حسابات الطاقة والتجارة الدولية، وليس مجرد ساحة للصراع اليمني.
وتذهب الدراسة إلى أن الاعتبارات الاقتصادية تمثل أحد المحركات الأساسية في فهم السياسة السعودية، مشيرة إلى أن الموانئ الجنوبية وحقول النفط والغاز ومشروعات خطوط الأنابيب المحتملة تمثل عناصر ذات أهمية استراتيجية في حسابات الأمن الاقتصادي والطاقة. كما تناقش الدراسة فرضية اهتمام الرياض بإيجاد منافذ بديلة لصادراتها النفطية بعيدًا عن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، عبر مشاريع يمكن أن تمر بالأراضي الجنوبية وصولًا إلى بحر العرب.
وفي هذا السياق، تفرد الدراسة مساحة واسعة لمحافظتي شبوة وحضرموت، معتبرة أنهما تمثلان مركزًا رئيسيًا للثروة النفطية والغازية في الجنوب، وهو ما يفسر، وفق رؤيتها، الاهتمام المتزايد بهاتين المحافظتين خلال سنوات الحرب، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية.
كما تتناول الدراسة مشروع مد أنبوب نفطي إلى بحر العرب باعتباره أحد الملفات التي طُرحت خلال السنوات الماضية، وترى أن هذا المشروع يمثل أحد الأبعاد الجيوسياسية التي تضفي أهمية إضافية على المحافظات الشرقية، في ضوء سعي الدول المنتجة للطاقة إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على المضائق البحرية المهددة بالتوترات الإقليمية.
وفي الجانب السياسي، ترى الدراسة أن سنوات الحرب أسهمت في إعادة تشكيل بنية السلطة المحلية ومراكز النفوذ داخل الجنوب، معتبرة أن تعدد القوى المسلحة والسياسية أدى إلى تعقيد المشهد، وإضعاف قدرة المؤسسات على أداء أدوارها بصورة مستقرة، وهو ما انعكس على عملية اتخاذ القرار وعلى طبيعة العلاقة بين السلطات المحلية والقوى الإقليمية.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن التداعيات الاقتصادية للحرب لم تقتصر على تراجع النشاط الإنتاجي، بل امتدت إلى تعطيل عدد من المنشآت الحيوية، وتراجع الاستثمارات، وتأثر قطاعات النفط والغاز والخدمات العامة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع المعيشية للسكان.
وفي المحور الاجتماعي، تناقش الدراسة تأثير الحرب على البنية المجتمعية، معتبرة أن استمرار الصراع أوجد تحولات في موازين القوى المحلية، وأسهم في اتساع الانقسامات الاجتماعية والسياسية، إلى جانب التأثيرات المرتبطة بالنزوح والأوضاع الإنسانية والاقتصادية التي شهدتها المحافظات الجنوبية خلال السنوات الماضية.
وتخصص الدراسة محورًا كاملاً لمواقف المنظمات الدولية، حيث تستعرض التقارير الحقوقية والأممية المتعلقة بالحرب، وتناقش طبيعة الاستجابة الدولية للتطورات الميدانية، معتبرة أن هناك فجوة بين حجم التقارير التي وثقت الانتهاكات وبين طبيعة المواقف السياسية التي اتخذها المجتمع الدولي، وهو ما تفسره الدراسة بتداخل الاعتبارات السياسية والمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
وتستعرض الدراسة كذلك عدداً من التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية ومراكز بحثية تناولت آثار الحرب على المدنيين والبنية التحتية والمنشآت الخدمية، معتبرة أن هذه الوثائق تمثل جزءًا من السجل الحقوقي المتعلق بالنزاع، مع الإشارة إلى استمرار الجدل حول آليات المساءلة الدولية وحدود فعاليتها في النزاعات المسلحة.
وفي نتائجها، ترى الدراسة أن التطورات التي شهدها الجنوب منذ عام 2015 أسهمت في إنتاج واقع سياسي وأمني واقتصادي جديد، وأن تفسير هذا الواقع يتطلب الجمع بين العوامل المحلية والإقليمية والدولية، بدلاً من الاقتصار على قراءة الصراع من زاوية عسكرية أو أمنية فقط. كما تعتبر أن الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والموانئ البحرية ستظل عناصر حاكمة في أي ترتيبات سياسية مستقبلية تخص جنوب اليمن.
وتختتم الدراسة بمجموعة من التوصيات التي تدعو، من وجهة نظرها، إلى تعزيز الإدارة الوطنية للموارد، وتطوير المؤسسات، ومواصلة توثيق الانتهاكات، والانخراط بصورة أكبر مع المنظمات الدولية، إضافة إلى دعم الحوار الداخلي وبناء مقاربات سياسية تراعي التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وتؤكد الدراسة في خاتمتها أن جنوب اليمن سيظل عنصرًا محوريًا في معادلات الأمن الإقليمي والطاقة والملاحة الدولية، وأن مستقبل المنطقة سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على إدارة التوازن بين المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الاستقرار السياسي، في ظل استمرار التنافس على واحدة من أكثر المناطق حساسية في شبه الجزيرة العربية.



