خط الدفاع الأخير..
أمهات على خط المواجهة.. كيف أعاد انهيار التعليم في عدن تشكيل الوظيفة التربوية للأسرة؟
"حين تنهار المدرسة، لا يتوقف التعليم فقط، بل تبدأ الأسرة في حمل ما عجزت عنه الدولة؛ وهناك، تقف الأم وحدها على خط المواجهة، تحاول حماية مستقبل أطفالها وسط هشاشة تتسع كل يوم."
تبرز الأم بوصفها الحلقة الأكثر التصاقًا بهذه التحولات - أرشيف
يمثل التعليم في المجتمعات الهشة أكثر من مجرد خدمة عامة؛ فهو أحد المؤشرات العميقة على تماسك الدولة وقدرتها على حماية مستقبلها الاجتماعي. وفي السياقات التي تتعرض فيها المؤسسات للتآكل، لا يبقى التعليم بمنأى عن الانهيار، بل يتحول سريعًا إلى مساحة تعكس حجم الخلل البنيوي الذي يضرب المجتمع بأكمله. وفي اليمن عمومًا، وعدن على وجه الخصوص، فرضت سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية وتراجع الخدمات واقعًا جديدًا أعاد تشكيل العلاقة بين المدرسة والأسرة، وفرض على الفاعلين الاجتماعيين أدوارًا تتجاوز وظائفهم التقليدية.
ضمن هذا السياق، تبرز الأم بوصفها الحلقة الأكثر التصاقًا بهذه التحولات؛ إذ انتقلت من دورها الطبيعي كحاضنة تربوية إلى موقع أكثر تعقيدًا، حيث باتت تتحمل مسؤوليات تعليمية ومعرفية ونفسية متزايدة في ظل انكماش دور المدرسة وتراجع قدرة الدولة على حماية العملية التعليمية. ومن هنا، تأتي هذه الورقة محاولة لقراءة هذا التحول من زاوية اجتماعية، تفكك العلاقة بين انهيار التعليم وتحولات الدور الأسري، وتبحث في أثر ذلك على العدالة التعليمية ومستقبل الأجيال في مدينة عدن.
المقدمة
في المجتمعات المستقرة، يُنظر إلى التعليم باعتباره وظيفة مؤسسية تتقاسمها الدولة والمدرسة والأسرة ضمن منظومة متكاملة، تتوزع فيها الأدوار بوضوح وتتكامل فيها المسؤوليات بما يضمن بناء الإنسان وإعادة إنتاج المعرفة. غير أن هذا التوازن يبدأ بالاختلال في البيئات الهشة، حيث تتراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وتدخل المؤسسات العامة في حالة من العجز البنيوي، لتجد الأسرة نفسها في مواجهة فراغ وظيفي متزايد، يفرض عليها أدوارًا لم تكن ضمن مسؤولياتها التقليدية.
في مدينة عدن العاصمة، لا تبدو أزمة التعليم مجرد أزمة قطاعية معزولة، بل تعبيرًا مكثفًا عن انهيار أوسع يطال البنية الاقتصادية والخدمية والاجتماعية للدولة. فمنذ سنوات، تعيش المدينة تحت ضغط متصاعد من انقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار القدرة الشرائية، وهي عوامل لم تنعكس فقط على حياة الناس اليومية، بل امتدت بعمق إلى المجال التعليمي، الذي بات واحدًا من أكثر القطاعات هشاشة وتأثرًا. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد المدرسة قادرة على أداء دورها بوصفها الفضاء المركزي للتعلم، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى مؤسسة محدودة الفاعلية، عاجزة عن سد الحد الأدنى من الاحتياجات التعليمية للطلاب.
هذا التراجع لم يخلق فقط فجوة تعليمية، بل أعاد تشكيل العلاقات داخل الأسرة نفسها، وفرض على الأمهات، على وجه الخصوص، أدوارًا جديدة تتجاوز الرعاية التقليدية إلى أدوار تعليمية ومعرفية ونفسية مركبة. فالأم في عدن اليوم لم تعد مجرد حاضنة اجتماعية، بل أصبحت في كثير من البيوت معلمة بديلة، ومتابعة يومية، ووسيطًا بين طفل مرتبك ومدرسة عاجزة. غير أن هذه المسؤولية الجديدة لا تأتي في سياق تمكين حقيقي، بل في ظل محدودية الموارد، وضغط اقتصادي خانق، ونقص في الأدوات المعرفية اللازمة لمواكبة المناهج الدراسية.
تكشف هذه الورقة، انطلاقًا من قراءة تحليلية لنتائج استطلاع ميداني شمل مئة أم من مديريات مختلفة في عدن، أن ما يحدث ليس مجرد تحول عابر في أدوار الأسرة، بل إعادة تشكيل عميقة للوظيفة التربوية داخل المجتمع، فرضتها ظروف الانهيار العام. وهي تحاول الإجابة عن سؤال مركزي: كيف أعاد تراجع المؤسسة التعليمية في عدن إنتاج دور الأم بوصفها فاعلًا تربويًا بديلًا، وما الذي يعنيه ذلك اجتماعيًا على مستوى العدالة التعليمية ومستقبل الأجيال؟.
ومن خلال هذا السؤال، تسعى الورقة إلى تفكيك العلاقة بين التعليم والهشاشة الاجتماعية، وقراءة التعليم لا بوصفه حقًا معرفيًا فحسب، بل بوصفه أحد أهم مؤشرات تماسك المجتمع أو انكساره.
المنهجية
تعتمد هذه الورقة على مقاربة تحليلية اجتماعية تستند إلى نتائج استطلاع ميداني شمل مئة أم من مديريات مختلفة في مدينة عدن، إلى جانب قراءة بنيوية للسياق التعليمي والخدمي والاقتصادي المحيط، مع توظيف المقارنة المرجعية مع تجارب تعليمية في بيئات هشة مشابهة، بهدف فهم التحولات التي طرأت على الوظيفة التربوية للأسرة، وخصوصًا دور الأم، في ظل تراجع المؤسسة التعليمية الرسمية.
انهيار المدرسة بوصفه انعكاسًا لانهيار الدولة
لم يكن تراجع التعليم في عدن حدثًا منفصلًا عن السياق العام الذي تعيشه المدينة، بل جاء بوصفه نتيجة مباشرة لمسار طويل من التآكل المؤسسي الذي أصاب الدولة ووظائفها الأساسية. فمنذ سنوات، تتراكم الأزمات الاقتصادية والخدمية والسياسية بصورة جعلت القطاعات العامة عاجزة عن أداء أدوارها التقليدية، وكان التعليم من أكثر هذه القطاعات تأثرًا، نظرًا لارتباطه المباشر ببنية الاستقرار الاجتماعي وفاعلية الإدارة العامة.
في هذا السياق، لم تعد المدرسة في عدن تمثل ذلك الفضاء المستقر الذي يُنتج المعرفة ويوفر البيئة التعليمية اللازمة لتشكيل وعي الأطفال وتطوير مهاراتهم، بل أصبحت في كثير من الحالات امتدادًا لحالة الانهيار العام. البنية التحتية المتهالكة، والانقطاعات المستمرة للكهرباء، وغياب الوسائل التعليمية الحديثة، وضعف انتظام العملية التعليمية، كلها عوامل أسهمت في تقليص وظيفة المدرسة من مؤسسة منتجة للتعلم إلى مجرد إطار شكلي يفتقر إلى القدرة الفعلية على صناعة المعرفة.
إن أزمة التعليم هنا لا تكمن فقط في غياب الموارد، بل في تآكل الفكرة نفسها: فكرة المدرسة بوصفها مؤسسة سيادية تنظم المعرفة وتوزعها على نحو عادل. حين تتوقف المدرسة عن أداء هذه الوظيفة، فإن المجتمع يدخل في مرحلة إعادة توزيع قسرية للأدوار، حيث تنتقل المسؤوليات من المؤسسات العامة إلى الفاعلين الاجتماعيين الأضعف، وفي مقدمتهم الأسرة
وتكشف نتائج الدراسة الميدانية أن نصف الأمهات تقريبًا يعتبرن المعلومات المقدمة من المدارس غير كافية لمتابعة أبنائهن، وهو مؤشر بالغ الدلالة، لأنه لا يعكس فقط ضعف التواصل بين المدرسة والأسرة، بل يكشف أيضًا عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة المدرسة على نقل المعرفة بصورة مكتملة. حين تصبح المناهج غير مفهومة، والمتابعة غائبة، والإرشاد محدودًا، فإن المدرسة تفقد جوهرها التربوي وتتحول إلى حلقة ناقصة في سلسلة التعليم.
الأخطر من ذلك أن هذا الانهيار لا يُوزع أثره بالتساوي. فالمدرسة الضعيفة لا تعني فقط تدني جودة التعليم، بل تعني أيضًا اتساع الفجوة بين من يستطيع تعويض هذا الضعف داخل المنزل ومن لا يستطيع. وهنا تبدأ الطبقة الاجتماعية في لعب دور حاسم في تحديد مستقبل الطفل. الأسر القادرة ماديًا ومعرفيًا تستطيع شراء الدروس الخصوصية، أو توفير الإنترنت، أو الاستعانة بمصادر تعليمية بديلة، بينما تُترك الأسر الأضعف في مواجهة العجز الكامل
من منظور اجتماعي، هذا التحول خطير للغاية، لأنه ينقل التعليم من كونه أداة للعدالة الاجتماعية إلى وسيلة لإعادة إنتاج اللامساواة. ففي المجتمعات الطبيعية، يفترض أن تعمل المدرسة على تقليص الفوارق الطبقية عبر منح الجميع فرصة متكافئة للوصول إلى المعرفة، لكن في حالة عدن، يبدو أن المدرسة فقدت هذه الوظيفة، وأصبحت الفوارق الاقتصادية هي التي تحدد مستوى التعلم.
إن انهيار المدرسة ليس مجرد خلل إداري أو أزمة خدمات، بل مؤشر على أزمة أعمق في بنية الدولة نفسها. فعندما تعجز الدولة عن حماية التعليم، فإنها لا تفقد قطاعًا واحدًا فقط، بل تفقد إحدى أهم أدواتها في إعادة بناء المجتمع وضمان استقراره على المدى الطويل. ولهذا، فإن فهم ما يحدث في عدن يتطلب النظر إلى التعليم بوصفه مرآة دقيقة لحجم الانهيار الكلي الذي تعيشه المدينة، لا باعتباره أزمة معزولة يمكن معالجتها بإجراءات جزئية.
الأم كفاعل تربوي بديل للدولة
في الظروف الطبيعية، لا تُبنى العملية التعليمية على جهد فردي، بل على شبكة متكاملة من الأدوار تتوزع بين المدرسة والأسرة والدولة. غير أن ما يحدث في عدن اليوم يكشف عن اختلال عميق في هذا التوازن؛ فمع تراجع المدرسة وانكماش دورها، لم تعد الأسرة مجرد شريك مساعد، بل تحولت تدريجيًا إلى الفضاء الأساسي الذي يُطلب منه سد فجوات التعليم. وفي قلب هذا التحول، برزت الأم بوصفها الفاعل الأكثر حضورًا في إدارة هذه الأزمة
هذا التحول لم يكن خيارًا واعيًا بقدر ما كان نتيجة اضطرارية لفراغ مؤسسي متنامٍ. فالأم العدنية اليوم تجد نفسها مطالبة بمتابعة الواجبات، وشرح الدروس، ومراقبة التحصيل، وتنظيم الوقت الدراسي، بل أحيانًا البحث عن بدائل تعليمية خارج المدرسة، في وقت تعيش فيه هي نفسها ضغوطًا معيشية ونفسية مركبة. بهذا المعنى، لم تعد الأم تؤدي دورًا داعمًا للتعليم، بل أصبحت جزءًا من البنية التعليمية ذاتها، دون اعتراف رسمي أو تمكين فعلي.
وتكشف نتائج الدراسة أن المواد الأكثر صعوبة بالنسبة للأطفال — كالرياضيات واللغة الإنجليزية — هي ذاتها المواد التي تجد الأمهات صعوبة في التعامل معها، وهو ما يضعهن في مأزق مزدوج: مسؤولية تعليمية تتزايد، وقدرة معرفية محدودة على الاستجابة لها.
وتختصر إحدى الأمهات المشاركات في الاستطلاع هذا المأزق بقولها: "أحيانًا أجلس مع ابني ساعات في حل واجب رياضيات، لكنني أكتشف في النهاية أنني لا أفهمه أصلًا، فأشعر بالعجز أكثر منه."
هذه المفارقة تعكس أحد أعمق أوجه الأزمة؛ إذ إن النظام التعليمي المنهار لا يكتفي بإلقاء عبء التعليم على الأسرة، بل يفعل ذلك دون توفير الأدوات التي تجعل هذا العبء قابلًا للإدارة.
اجتماعيًا، يمكن قراءة هذا التحول ضمن ما يُعرف في علم الاجتماع بـ"إعادة توزيع العمل غير المرئي"، حيث تنتقل وظائف المؤسسات المنهارة إلى الأفراد، وغالبًا إلى النساء داخل الأسرة. في حالة عدن، يعني ذلك أن الانهيار التعليمي أعاد إنتاج دور الأم على نحو أكثر كثافة وتعقيدًا، بحيث باتت تؤدي وظيفة مزدوجة: رعاية منزلية من جهة، وتعليمية من جهة أخرى
لكن هذا التوسع في الدور لا يأتي في إطار تعزيز مكانة المرأة، بل في إطار تحميلها أعباء إضافية. فهناك فرق جوهري بين التمكين والتكليف القسري. التمكين يعني تزويد المرأة بالأدوات والموارد والمهارات اللازمة للقيام بدور معين، بينما ما يحدث في عدن هو تكليف غير معلن، تُلقى فيه المسؤولية على الأم دون تدريب أو دعم أو اعتراف مؤسسي
الأثر النفسي لهذا الوضع بالغ العمق. فالأم التي تواجه ضغوط الحياة اليومية — من غلاء الأسعار، وانقطاع الكهرباء، وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية — تجد نفسها مضطرة إلى إدارة ملف تعليمي معقد داخل المنزل. هذا يولد حالة مستمرة من القلق والشعور بالتقصير، خصوصًا حين تعجز عن مساعدة أبنائها في فهم الدروس أو تأمين احتياجاتهم التعليمية
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التحول يعيد تعريف العلاقة بين الأم والطفل. ففي حين كانت العلاقة التربوية تقوم أساسًا على الرعاية العاطفية والاجتماعية، أصبحت اليوم محملة بضغط الأداء والتحصيل. ومع غياب المدرسة كوسيط رئيسي، يتحول التوتر الدراسي إلى توتر أسري مباشر، ما قد ينعكس على طبيعة التواصل داخل المنزل
هنا تبرز إشكالية مركزية: هل يمكن للأسرة أن تستمر في لعب هذا الدور البديل على المدى الطويل؟ الإجابة، وفق المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، تبدو معقدة. فاستدامة هذا النموذج تتطلب موارد معرفية ومادية ونفسية لا تتوفر بالتساوي بين الأسر، وهو ما يعني أن تحميل الأم عبء التعليم ليس حلًا، بل مجرد آلية مؤقتة لتأجيل الانهيار الكامل.
في هذا السياق، تبدو الأم في عدن اليوم ليس فقط كضحية للأزمة، بل كخط الدفاع الأخير أمام انهيار تعليمي أوسع. لكنها، رغم هذا الدور المحوري، تقف في معركة غير متكافئة: تحاول إنقاذ مستقبل أبنائها بأدوات محدودة، في مدينة تتراجع فيها مؤسسات الدولة بوتيرة أسرع من قدرة المجتمع على التعويض.
الفقر وصناعة اللامساواة التعليمية
إذا كان انهيار المدرسة قد دفع الأسرة إلى لعب دور بديل في العملية التعليمية، فإن الفقر هو العامل الذي يحدد إلى أي مدى تستطيع هذه الأسرة القيام بهذا الدور. فالتعليم في عدن لم يعد حقًا متاحًا على قدم المساواة، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بالقدرة الاقتصادية للأسرة، الأمر الذي يعيد تشكيل فرص الأطفال التعليمية وفقًا لموقعهم الطبقي.
تكشف نتائج الدراسة أن 50% من الأمهات يعتبرن نقص الموارد المادية العائق الأكبر أمام دعم تعليم أبنائهن، وهي نسبة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد مؤشر اقتصادي، بل بوصفها دلالة اجتماعية عميقة على تحوّل التعليم إلى عبء معيشي إضافي داخل الأسرة. فالأسرة التي كانت تعتمد في السابق على المدرسة كمؤسسة توفر الحد الأدنى من التعليم، أصبحت اليوم مطالبة بشراء الكتب، وتأمين وسائل الشرح، ودفع تكاليف الدروس الخصوصية، وتوفير الإنترنت، وكلها متطلبات لم تعد في متناول الجميع.
هذه النقلة تحمل أثرًا بالغ الخطورة؛ لأنها تنقل التعليم من فضاء المساواة إلى فضاء السوق. بمعنى آخر، لم يعد نجاح الطفل أو تعثره مرتبطًا بقدراته الذاتية فقط، بل بمقدار ما تستطيع أسرته إنفاقه على تعليمه. وهنا تتشكل بنية جديدة من اللامساواة، لا تظهر فقط في النتائج الدراسية، بل في فرص الحياة المستقبلية.
في عدن، حيث تتآكل الدخول بشكل مستمر بفعل التضخم وتراجع الرواتب، يصبح الإنفاق على التعليم قرارًا تنافسيًا مع الاحتياجات الأساسية الأخرى: الغذاء، الدواء، الإيجار، والمواصلات. وفي هذا السياق، كثيرًا ما تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق التعليمي أو تأجيله أو الاستغناء عنه كليًا، ليس لأنها لا تؤمن بأهميته، بل لأنها تعيش داخل اقتصاد بقاء يومي
هذا الواقع يخلق نوعًا من الفرز الاجتماعي الصامت. الأطفال المنتمون إلى أسر أكثر قدرة على التكيّف المالي يحصلون على دعم إضافي، ويملكون فرصًا أفضل لتجاوز ضعف المدرسة، بينما يبقى أطفال الأسر الفقيرة أسرى المنهج الرسمي المتعثر، أو يخرجون تدريجيًا من العملية التعليمية بالكامل
من الناحية السوسيولوجية، هذه العملية تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يسمى إعادة إنتاج الطبقة عبر التعليم. ففي الظروف الطبيعية، يفترض بالتعليم أن يكون أداة لكسر الحواجز الطبقية وتمكين الفئات الهشة من تحسين أوضاعها. لكن حين يصبح التعليم نفسه خاضعًا لمنطق القدرة المالية، فإنه يتحول إلى آلية تعيد تثبيت الفوارق الاجتماعية بدلًا من تقليصها.
الأخطر أن هذه اللامساواة لا تتوقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى البنية النفسية للطفل. فالطفل الذي يدرك أن زميله يملك كتبًا إضافية، أو معلمًا خاصًا، أو إمكانية الوصول إلى الإنترنت، بينما هو محروم من ذلك، يبدأ في تكوين وعي مبكر بالفجوة الاجتماعية. وهذا الوعي، حين يتكرر يوميًا، قد يتحول إلى شعور بالنقص أو العجز أو حتى الانسحاب من فكرة المنافسة ذاتها
وفي السياق اليمني عمومًا، وعدن خصوصًا، يرتبط الفقر أيضًا بمخاطر اجتماعية أخرى مثل التسرب المدرسي، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر للفتيات. فالأسرة التي تعجز عن تحمل كلفة التعليم قد ترى في إخراج الطفل من المدرسة خيارًا اقتصاديًا منطقيًا، رغم كلفته الاجتماعية الباهظة على المدى الطويل.
بهذا المعنى، لا يُنتج الفقر فقط ضعفًا في التحصيل الدراسي، بل ينتج دورة كاملة من التهميش الاجتماعي. الطفل الذي يغادر المدرسة مبكرًا أو يتلقى تعليمًا هشًا، غالبًا ما يدخل سوق العمل بمهارات محدودة، ما يعيد إنتاج فقر أسرته في الجيل التالي. وهكذا، يصبح التعليم المنهار ليس مجرد نتيجة للأزمة، بل أحد أهم محركات استمرارها
في عدن اليوم، تبدو هذه الحلقة واضحة: مدرسة ضعيفة، أسرة مثقلة، طفل مهدد، ومستقبل يُعاد تشكيله وفقًا لمعادلات اقتصادية قاسية. ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح التعليم لا يمكن أن ينفصل عن سؤال العدالة الاجتماعية، لأن جوهر الأزمة لم يعد تعليميًا فقط، بل بنيويًا يمس طبيعة المجتمع نفسه.
الضغط النفسي وإعادة تشكيل العلاقة داخل الأسرة
لا يمكن فهم أزمة التعليم في عدن من زاوية الموارد أو البنية المؤسسية فقط، لأن الانهيار التعليمي لا يترك أثره في المدرسة وحدها، بل يمتد إلى الداخل الأسري، حيث يعاد تشكيل العلاقات اليومية تحت ضغط متواصل من القلق والعجز والإرهاق. فكل خلل في النظام التعليمي الرسمي يجد طريقه سريعًا إلى المنزل، ويتحول إلى عبء نفسي مباشر تتحمله الأسرة، وفي مقدمتها الأم
حين تصبح الأم مسؤولة عن متابعة الواجبات، وشرح الدروس، وتعويض غياب المعلم أو ضعف المدرسة، فإنها لا تؤدي وظيفة إضافية فحسب، بل تدخل في حالة استنزاف نفسي مستمر. هذا الاستنزاف يتضاعف حين تكون هي نفسها تعيش تحت ضغوط اقتصادية خانقة، وانعدام استقرار خدمي، ومخاوف يومية مرتبطة بالمعيشة. هنا، لا يعود التعليم مجرد نشاط يومي، بل يتحول إلى مصدر دائم للتوتر داخل البيت.
تكشف الدراسة أن كثيرًا من الأمهات يؤكدن أهمية "الصبر والهدوء والتواصل الجيد" في دعم تعلم الأبناء، وهذه الإشارة تحمل دلالة مهمة؛ إذ تعكس وعيًا عاطفيًا لدى الأمهات بأهمية المناخ النفسي في التحصيل الدراسي. غير أن هذا الوعي يصطدم بواقع قاسٍ: كيف يمكن الحفاظ على الهدوء داخل منزل يعيش على وقع الانقطاع المستمر للكهرباء، وضيق الموارد، وقلق المستقبل؟
في هذا السياق، يصبح المنزل نفسه مساحة توتر تربوي.
وتقول أم علي من مديرية المنصورة: "حين تنقطع الكهرباء وقت المذاكرة، يبدأ التوتر في البيت كله، كأننا نخوض معركة صغيرة كل ليلة."
فالطفل الذي يعود من مدرسة ضعيفة، محمّلًا بدروس غير مفهومة، يواجه أمًا مرهقة تحاول جاهدة المساعدة، لكنها قد لا تمتلك الأدوات الكافية لذلك. هذه العلاقة، التي يفترض أن تكون مساحة أمان ودعم، قد تتحول تحت الضغط إلى ساحة احتكاك يومي، تتكرر فيها مشاعر الإحباط من الطرفين
من الناحية النفسية، الطفل في هذه البيئة يعيش شكلًا من أشكال الارتباك البنيوي. فهو يدرك أن المدرسة لم تعد تقدم له ما يحتاجه، ويدرك أيضًا أن أسرته، رغم محاولاتها، لا تستطيع دائمًا تعويض ذلك. هذا الإدراك المبكر للعجز المؤسسي والأسري يترك أثرًا عميقًا على مفهومه للنجاح، وعلى ثقته بنفسه، وعلى علاقته بالتعلم ذاته
أما الأم، فتدخل في دائرة مركبة من الشعور بالذنب. فهي، من جهة، تدرك أهمية التعليم كمسار وحيد تقريبًا لحماية مستقبل أطفالها، لكنها، من جهة أخرى، تصطدم يوميًا بحدود قدرتها على التدخل. هذا الشعور بالعجز قد يتحول مع الوقت إلى إنهاك عاطفي، أو انسحاب تدريجي من المتابعة، أو حتى تطبيع مع فكرة الفشل الدراسي بوصفه أمرًا طبيعيًا.
والأخطر أن هذه الضغوط لا تؤثر فقط على التحصيل، بل على البنية العاطفية للأسرة نفسها. فحين يصبح التعليم عبئًا يوميًا ثقيلًا، تتغير لغة التواصل داخل البيت، ويزداد التوتر، وتضيق مساحات اللعب والراحة والتفاعل الطبيعي. بمعنى آخر، الأزمة التعليمية لا تنتج فقط أطفالًا أقل تعلمًا، بل قد تنتج أيضًا أسرًا أكثر هشاشة نفسيًا.
في عدن، حيث يتقاطع الانهيار الاقتصادي مع تراجع الخدمات وضعف الحماية الاجتماعية، يبدو هذا الأثر أكثر حدة. فالتعليم لم يعد مجرد ملف مؤجل أو أزمة قطاعية، بل بات جزءًا من أزمة الصحة النفسية المجتمعية. وحين نقرأ التعليم من هذه الزاوية، ندرك أن خسارة المدرسة لا تُقاس فقط بعدد المتسربين أو تدني الدرجات، بل أيضًا بما تتركه من شروخ داخل العلاقات الأسرية نفسها.
ومن هنا، فإن أي معالجة حقيقية للأزمة التعليمية لا بد أن تأخذ في الاعتبار البعد النفسي والاجتماعي للأسرة، لا باعتباره أثرًا جانبيًا، بل بوصفه أحد ميادين الأزمة الأساسية. لأن الأسرة التي تنهك نفسيًا تحت عبء التعليم، تفقد تدريجيًا قدرتها على لعب دورها الحامي، حتى لو امتلكت الإرادة.
عدن وتجارب الهشاشة المقارنة — ماذا تقول النماذج المشابهة؟
ليست عدن الحالة الوحيدة التي شهدت انتقال العبء التعليمي من الدولة إلى الأسرة، فالتاريخ الحديث للصراعات والانهيارات المؤسسية يقدم نماذج متعددة لبيئات فقدت فيها المدرسة قدرتها على أداء دورها، واضطر المجتمع إلى ابتكار بدائل مؤقتة للحفاظ على الحد الأدنى من التعليم. غير أن أهمية المقارنة هنا لا تكمن في استنساخ التجارب، بل في فهم كيف تتفاعل المجتمعات مع الانهيار، وما الذي يمكن أن نتعلمه من تلك الخبرات.
في شمال شرق سوريا، على سبيل المثال، أدى تدمير البنية التعليمية بفعل الحرب إلى ظهور ما عُرف بـ"نقاط التعلم الذاتي"، وهي مراكز منزلية ومجتمعية أنشأتها الأسر والمتطوعون، كثير منهم من النساء والأمهات، لتعويض غياب المدارس الرسمية. هذه التجربة أظهرت أن المجتمع قادر على إنتاج بدائل تعليمية عندما تنهار الدولة، لكنها كشفت أيضًا أن هذه البدائل لا تستطيع أن تحل محل النظام الرسمي بالكامل، بل تظل حلولًا إسعافية مرتبطة بظروف الطوارئ.
في أفغانستان، وتحت ظروف أكثر تعقيدًا، ظهرت "المدارس السرية" التي أدارتها النساء داخل البيوت لضمان استمرار تعليم الفتيات. هذه التجربة تعكس بوضوح كيف يمكن للمرأة أن تتحول إلى حامل رئيسي لفكرة التعليم عندما تتراجع المؤسسات الرسمية أو تُغلق. لكن اللافت هنا أن هذه المبادرات لم تكن مجرد فعل تعليمي، بل شكلًا من أشكال المقاومة الاجتماعية ضد الانهيار والتهميش.
أما في مخيمات الروهينغا في بنغلاديش، فقد أثبتت التجربة أن إشراك النساء المحليات في العملية التعليمية ساعد في رفع معدلات التحاق الأطفال، خصوصًا الفتيات، بالتعليم. وهذا النموذج يكشف أهمية الاستثمار في رأس المال الاجتماعي المحلي، بوصفه أداة للتخفيف من آثار الانهيار المؤسسي.
لكن مقارنة عدن بهذه النماذج تكشف فارقًا جوهريًا: في الحالات الثلاث، كان هناك — بدرجات متفاوتة — حضور لمنظمات دولية أو شبكات دعم مجتمعي منظّم ساعدت في تحويل الجهد الفردي إلى بنية دعم جماعي. بينما في عدن، يبدو أن الأسرة تُترك غالبًا وحدها في مواجهة الانهيار، دون وجود شبكات حماية تعليمية بديلة على نحو كافٍ
هذا الفرق مهم للغاية، لأنه يعني أن ما يحدث في عدن ليس مجرد "تكيف اجتماعي" مع الأزمة، بل شكل من أشكال العزلة المؤسسية. فالأم هنا لا تتحرك داخل مشروع مجتمعي منظم، بل داخل معركة فردية معقدة، تُخاض يوميًا داخل المنزل، وبأدوات محدودة، ودون ضمانات
ومن زاوية تحليلية، تكشف هذه المقارنة أن المجتمعات الهشة تنجح في تقليل آثار الانهيار فقط حين تتمكن من تحويل العبء من مستوى فردي إلى مستوى جماعي. أي حين يصبح التعليم مسؤولية تشاركية بين الأسرة والمجتمع والمنظمات، لا عبئًا منزليًا معزولًا
في حالة عدن، تبدو الحاجة ملحة إلى هذا الانتقال. فاستمرار الوضع الحالي يعني بقاء التعليم محصورًا داخل قدرة كل أسرة على الصمود، وهو نموذج غير قابل للاستمرار، لأنه يعمق التفاوتات ويستنزف الفاعلين الاجتماعيين الأضعف.
تقول التجارب المقارنة شيئًا واضحًا: حين تنهار المدرسة، لا يكون السؤال كيف نعيد التعليم فقط، بل كيف نمنع المجتمع نفسه من الانهيار معها. وهذا تحديدًا هو السؤال الذي تواجهه عدن اليوم؛ لأن الأزمة لم تعد تتعلق بمبانٍ مدرسية أو مناهج ناقصة، بل بمستقبل اجتماعي كامل يتشكل تحت ضغط الهشاشة.
مستقبل التعليم في عدن — إلى أين يقود هذا المسار؟
إذا استمر التعليم في عدن على هذا المسار من التآكل البنيوي، فإن المسألة لن تتوقف عند حدود تدني التحصيل أو ضعف الأداء المدرسي، بل ستتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة على المدى الطويل. فالتعليم ليس مجرد عملية نقل معرفة، بل أحد أهم أدوات إنتاج المستقبل؛ وحين يختل هذا المسار، فإن المجتمع بأكمله يصبح عرضة لتحولات عميقة قد يصعب احتواؤها لاحقًا.
أولى النتائج المتوقعة تتمثل في اتساع الفجوة الجيلية. الأطفال الذين ينشأون اليوم في بيئة تعليمية هشة، ويتلقون معرفة ناقصة أو متقطعة، سيكونون أقل قدرة على المنافسة في سوق العمل مستقبلًا، سواء داخل اليمن أو خارجه. وهذا يعني أن الجيل القادم قد يحمل معه هشاشة معرفية تترجم لاحقًا إلى هشاشة اقتصادية واجتماعية.
هذه الفجوة لا تعني فقط ضعف المهارات الأكاديمية، بل ضعف القدرة على التفكير النقدي، والتحليل، والتكيف مع متطلبات العالم الحديث. فالمجتمع الذي يفقد جودة التعليم يفقد بالتبعية قدرته على إنتاج كفاءاته الذاتية، ويصبح أكثر اعتمادًا على الخارج، وأكثر هشاشة أمام التحولات السياسية والاقتصادي.
ثانيًا، هناك خطر واضح يتعلق بإعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال. الطفل الذي يتلقى تعليمًا ضعيفًا اليوم، غالبًا ما يجد نفسه غدًا في وظائف منخفضة الدخل أو خارج سوق العمل المنظم، وهو ما يحد من قدرته على تحسين وضعه الاجتماعي. وعندما يؤسس أسرة مستقبلًا، فإن احتمالية انتقال هذا الضعف إلى أطفاله تصبح مرتفعة، لتدخل المدينة في حلقة مفرغة من التهميش المتوارث
ثالثًا، قد يؤدي استمرار هذا المسار إلى تآكل الثقة بالمؤسسات العامة. فالطفل الذي يكبر وهو يرى المدرسة عاجزة، والمعلم محبطًا، والدولة غائبة، يطوّر وعيًا مبكرًا بأن المؤسسات ليست قادرة على حمايته أو صناعة مستقبله. هذه القناعة، حين تتجذر، تؤثر على طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، وتُضعف منسوب الانتماء المؤسسي في المجتمع
وهذا البعد بالغ الخطورة، لأن التعليم لا ينتج المعرفة فقط، بل ينتج أيضًا مفهوم الدولة ذاتها. المدرسة هي أول مؤسسة يتعامل معها الطفل خارج أسرته، ومن خلالها يبني تصوره عن النظام، والقانون، والعدالة، والفرص. فإذا كانت هذه المؤسسة متآكلة، فإن صورة الدولة نفسها تصبح مهزوزة في الوعي الجمعي
رابعًا، هناك أثر مباشر على النسيج الاجتماعي والأسري. فاستمرار الضغط على الأسرة، وخصوصًا على الأم، قد يؤدي إلى إنهاك طويل الأمد ينعكس على جودة الحياة الأسرية، وعلى قدرة العائلة على الحفاظ على تماسكها الداخلي. ومع تراكم الضغوط، قد تتحول الأسرة من مساحة حماية إلى مساحة استنزاف، وهو تحول يحمل آثارًا بعيدة المدى على الاستقرار المجتمعي
لكن رغم قتامة هذا المشهد، لا تزال هناك فرصة للتدخل. التجارب الدولية تثبت أن المجتمعات الهشة تستطيع استعادة جزء من توازنها التعليمي إذا توفرت ثلاثة شروط أساسية: إرادة سياسية، دعم مجتمعي منظم، وتدخل تنموي مستدام
في حالة عدن، لا يبدأ الحل فقط بإصلاح المدارس، بل بإعادة تعريف التعليم كأولوية اجتماعية وسياسية عاجلة. وهذا يتطلب:
- إعادة تأهيل البنية المدرسية.
- دعم المعلمين اقتصاديًا ومهنيًا.
- إنشاء برامج دعم مجتمعية للأمهات.
- تطوير بدائل تعليمية مرنة.
- تعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة.
في النهاية، ما يجري في عدن اليوم ليس مجرد أزمة تعليمية عابرة، بل معركة على شكل المجتمع القادم. فإما أن يُعاد بناء التعليم بوصفه أداة للنجاة الجماعية، أو يُترك الانهيار ليعيد تشكيل المدينة على أسس أكثر هشاشة، وأكثر تفاوتًا، وأقل قدرة على إنتاج مستقبل مستقر.
من الإنقاذ إلى الإصلاح — كيف يمكن إعادة بناء الشراكة التعليمية؟
إذا كان الانهيار التعليمي في عدن قد كشف حدود قدرة الأسرة على التعويض، فإنه في الوقت نفسه كشف حقيقة أكثر عمقًا: لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في تحميل الأسرة، وبالأخص الأم، مسؤوليات تتجاوز قدرتها البنيوية. فالدعم الأسري، مهما بلغ من الالتزام والتضحية، لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن المؤسسة التعليمية.
المشكلة الأساسية في عدن ليست في غياب الوعي بأهمية التعليم، بل في غياب البنية التي تجعل هذا الوعي قابلاً للتحول إلى فعل مستدام. فالأمهات اللواتي أظهرن استعدادًا عاليًا لمتابعة أبنائهن، وحرصًا واضحًا على استمرارهم في الدراسة، يصطدمن يوميًا بجدار من العوائق: ضعف المناهج، غياب الإرشاد المدرسي، الانقطاع المزمن للكهرباء، وارتفاع تكاليف التعليم غير الرسمي. هذا يعني أن الأزمة ليست أزمة دافعية، بل أزمة هيكل.
إعادة البناء هنا يجب أن تبدأ من مبدأ بسيط: التعليم مسؤولية تشاركية لا فردية.
وهذا يتطلب أولًا إعادة تعريف العلاقة بين المدرسة والأسرة. فبدل أن تظل العلاقة قائمة على رد الفعل أو التواصل المحدود، يجب أن تتحول إلى شراكة مؤسسية حقيقية، تُبنى على التواصل المنتظم، وإشراك الأسر في فهم المناهج، ومتابعة الأداء، والتدخل المبكر في حالات التعثر.
ثانيًا، ينبغي الاستثمار في تمكين الأمهات معرفيًا. لا بمعنى تحميلهن عبئًا إضافيًا، بل عبر منحهن أدوات تخفف من هشاشة الوضع القائم. فبرامج التدريب المجتمعي البسيطة في أساسيات الرياضيات واللغة الإنجليزية، أو في مهارات التعامل النفسي مع الأطفال أثناء الدراسة، قد تُحدث فارقًا حقيقيًا في البيئة المنزلية.
ثالثًا، لا بد من بناء بدائل تعليمية مساندة. التجارب الدولية أثبتت أن مراكز الدعم المجتمعي، والمكتبات الصغيرة، وحلقات التقوية المحلية، يمكن أن تعمل كخطوط إسناد في أوقات الأزمات. وفي عدن، يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا حاسمًا في هذا الجانب، خصوصًا في الأحياء الأكثر هشاشة
رابعًا، لا يمكن فصل إصلاح التعليم عن إصلاح البيئة العامة. فالتعليم لا يعمل في فراغ؛ يحتاج إلى كهرباء، وإنترنت، ونقل، واستقرار اقتصادي نسبي. وبالتالي، فإن أي مقاربة جزئية ستظل محدودة الأثر إذا لم تُدمج ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل البنية الخدمية في المدينة
في جوهر الأمر، لا يتعلق الإصلاح بإعادة فتح الصفوف فقط، بل بإعادة بناء الثقة. ثقة الأسرة في المدرسة، وثقة الطفل في مستقبله، وثقة المجتمع في أن التعليم لا يزال قادرًا على أداء وظيفته التاريخية بوصفه وسيلة للخروج من الهشاشة، لا وسيلة لإعادة إنتاجها.
الخاتمة
تكشف هذه الورقة أن أزمة التعليم في عدن لم تعد مجرد أزمة قطاعية مرتبطة بالمدرسة أو المناهج أو ضعف الكادر التعليمي، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية عميقة تعكس هشاشة البنية المؤسسية للدولة وتراجع قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. ومن خلال تتبع تحولات الدور الأسري، يتضح أن الأسرة، وبالأخص الأم، لم تعد شريكًا تربويًا فحسب، بل أصبحت فاعلًا بديلًا يتحمل عبء إنقاذ العملية التعليمية وسط ظروف معيشية ونفسية بالغة التعقيد.
غير أن هذا التحول، رغم ما يكشفه من قدرة اجتماعية كامنة داخل الأسرة، يحمل في جوهره مؤشرات خطيرة على اتساع فجوات اللامساواة، وتعميق الفوارق الطبقية، وإعادة إنتاج الهشاشة عبر الأجيال. فحين يصبح التعليم رهينًا بقدرة الأسرة على التعويض، يفقد المجتمع إحدى أهم أدوات العدالة الاجتماعية والتنقل الطبقي.
إن ما تواجهه عدن اليوم ليس مجرد تحدٍ تعليمي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على حماية مستقبله. فالتعليم، في جوهره، ليس مسألة معرفية فقط، بل قضية وجودية ترتبط بإعادة بناء الإنسان وصياغة الاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، فإن ترك الأمهات وحدهن على خط المواجهة، دون دعم مؤسسي أو شراكة حقيقية، لا يهدد فقط مستقبل الأطفال، بل يضع مستقبل المدينة بأكملها أمام مسار أكثر هشاشة وتعقيدًا.
المراجع
- نتائج الاستطلاع الميداني حول واقع الدعم الأسري للتحصيل الدراسي في مدينة عدن.
- تقارير منظمة اليونسكو بشأن التعليم في اليمن.
- تقارير منظمة اليونيسف حول الأطفال خارج المدرسة.
- تقارير البنك الدولي حول البنية التحتية والخدمات الأساسية في عدن.
- دراسات مقارنة حول التعليم في البيئات الهشة (سوريا، أفغانستان، الروهينغا).



