تحالف على الورق..
جيبوتي تربك تحالف الرياض والحوثيون يعلنون إسقاط مقاتلة سعودية
وضعت الهجمات الحوثية السعودية أمام اختبار عسكري وسياسي معقد، بينما كشفت تصريحات جيبوتي عن محدودية التحالف البحري الذي أعلنته الرياض. وفي موازاة التهديد السعودي بالرد، أعلنت صنعاء إسقاط مقاتلة من طراز «إف-15»، من دون تأكيد مستقل أو تعليق سعودي حتى الآن.
جيبوتي تتنصل من تحالف الرياض والحوثيون يعلنون إسقاط «إف-15» - أرشيف
أعلنت جمهورية جيبوتي، إحدى الدول المشاطئة لباب المندب والعضو المؤسس في التحالف البحري الدفاعي الذي تقوده السعودية، عدم وجود تهديد مباشر للملاحة الدولية في المضيق، بعد أيام من سيطرة الحوثيين على مناطق الساحل الغربي اليمني وجزيرة ميون الواقعة في قلب الممر البحري.
ولا يمثل التصريح الجيبوتي إعلاناً رسمياً بالانسحاب من التحالف، لكنه يكشف تباعداً واضحاً بين خطاب الرياض، الذي يقدم التطورات بوصفها تهديداً وشيكاً للملاحة الدولية، وبين تقييم دولة تقع على الضفة المقابلة للمضيق وترى أن حركة السفن لم تواجه حتى الآن خطراً مباشراً.
وقال قائد القوات البحرية الجيبوتية العقيد أحمد جامع ضاهر، في تصريحات لقناة «الجزيرة»، إنه «لا يوجد حتى الآن تهديد مباشر للملاحة الدولية في باب المندب»، مضيفاً أن عشرات القوارب الصغيرة التي تقل يمنيين تتجه يومياً إلى جيبوتي هرباً من القتال.
جاء التصريح في توقيت تواجه فيه السعودية موجة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، طالت مدناً وقواعد عسكرية ومنشآت اقتصادية ونفطية، وسط تحذيرات أمنية أُطلقت في مكة وجدة والطائف وأبها وجازان والعلا وينبع ومناطق أخرى.
وبينما تحاول الرياض نقل ملف باب المندب إلى مجلس الأمن وتقديمه بوصفه تهديداً للتجارة الدولية، اختارت جيبوتي لغة أكثر حذراً. فهي لم تنفِ احتمال تصاعد الخطر، لكنها رفضت عملياً التعامل مع السيطرة الحوثية على الضفة اليمنية للمضيق باعتبارها إغلاقاً للممر أو تهديداً قائماً لكل السفن.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة لأن جيبوتي كانت ضمن 14 دولة أعلنت، في 30 يوليو/تموز 2026، دعم مشروع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية. وقالت الرياض يومها إن التحالف سيحمي الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، قبل أن تعلن لاحقاً استكمال 13 دولة إجراءات الانضمام وتوقيع ميثاقه.
غير أن الأزمة الحالية، وهي أول اختبار فعلي للتحالف منذ إنشائه، لم تكشف عن وجود قوة بحرية مشتركة قادرة على التدخل، كما لم تعلن جيبوتي أو بقية الدول الأعضاء إرسال سفن أو المشاركة في مهمة عسكرية داخل المضيق.
ويبدو أن التحالف الذي قدمته السعودية باعتباره مظلة دفاعية واسعة لا يزال أقرب إلى إطار سياسي وتنسيقي منه إلى قوة عملياتية موحدة. فالدول المنضمة إليه تحتفظ بحقها السيادي في تحديد طبيعة مشاركتها، ولا يلزمها الميثاق، وفق المعلومات المنشورة، بالدخول تلقائياً في مواجهة عسكرية دفاعاً عن المصالح السعودية.
من هذه الزاوية، لا يبدو الموقف الجيبوتي مفاجئاً. فجيبوتي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية، وتعتمد بدرجة كبيرة على الموانئ والخدمات اللوجستية وحركة السفن. ولذلك لا مصلحة لها في الإعلان عن أن المضيق بات منطقة حرب، لأن مثل هذا التوصيف قد يدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع مستوى المخاطر أو الابتعاد عن موانئها.
لكن الموقف يضعف في الوقت نفسه الرواية السعودية عن وجود تحالف إقليمي جاهز لحماية الملاحة. فإذا كانت الدولة التي تقع مباشرة على باب المندب لا ترى تهديداً حالياً، فمن الصعب إقناع بقية أعضاء التحالف بالانتقال من بيانات الدعم إلى المشاركة في عمليات عسكرية ضد الحوثيين.
وعلى الضفة الأخرى، صعّد الحوثيون مواجهتهم مع السعودية، وأعلنوا إسقاط مقاتلة سعودية من طراز «إف-15» بصاروخ أرض–جو محلي الصنع أثناء تنفيذها عمليات في أجواء محافظة مأرب.
وقالت الجماعة في بيان صادر من صنعاء، الأربعاء، إن قواتها تصدت بعد ذلك لتشكيلين جويين سعوديين من طرازي «إف-15» و«تايفون»، وإن المقاتلات كانت تبحث عن حطام الطائرة التي قالت إنها أسقطتها قبل أن تجبرها الدفاعات الجوية على التراجع.
ولم تعلن السعودية فقدان مقاتلة، كما لم ينشر الحوثيون، حتى وقت إعداد هذا التقرير، صوراً واضحة للحطام أو معلومات عن الطيارين. ولم تؤكد مصادر مستقلة وقوع الحادث، ما يفرض التعامل معه باعتباره ادعاءً عسكرياً صادراً عن طرف في الحرب، إلى أن تظهر أدلة ميدانية أو يصدر تعليق رسمي سعودي.
لكن مجرد إعلان الحوثيين إسقاط مقاتلة مأهولة، بعد سنوات ركزوا خلالها على استهداف الطائرات المسيّرة، يحمل رسالة تتجاوز النتيجة الميدانية. فالجماعة تريد القول إن عودة الطيران السعودي إلى العمل المكثف داخل اليمن لن تكون بلا كلفة، وإنها طورت قدرات دفاع جوي قد تقيد حركة المقاتلات فوق الجبهات.
وزعم البيان الحوثي أن الطيران السعودي نفذ خلال أسبوع أكثر من 450 غارة باستخدام مقاتلات «إف-15» و«تايفون» أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف، واستهدفت محافظات تعز ولحج والجوف وحجة ومأرب وصعدة والبيضاء.
ولا يوجد إحصاء مستقل يؤكد هذا العدد، كما لم تنشر وزارة الدفاع السعودية كشفاً بحجم الطلعات الجوية. غير أن اتساع رقعة المحافظات الواردة في البيان، وتواتر الأنباء عن الغارات، يشيران إلى أن الرياض عادت إلى استخدام قوتها الجوية بصورة أوسع مما كانت عليه خلال سنوات التهدئة.
واللافت أن الغارات، وفق الرواية الحوثية، شملت محافظة لحج الجنوبية، بما يعني أن المواجهة لم تعد محصورة في مناطق سيطرة الجماعة شمالاً وغرباً، وإنما امتدت إلى المواقع المحيطة بباب المندب وخطوط التماس الجديدة التي تشكلت بعد انهيار القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية في الساحل الغربي.
وفي موازاة ذلك، أعلن التحالف اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة. وقال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن أمن مكة والمشاعر المقدسة «خط أحمر»، متوعداً باتخاذ إجراءات ردعية ضد الحوثيين.
ونفى الحوثيون استهداف مكة، وقالوا إن عملياتهم موجهة إلى المنشآت النفطية والقواعد العسكرية السعودية. وهنا انتقلت المواجهة إلى معركة روايات لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية؛ إذ تحاول الرياض وضع الهجمات في سياق تهديد المقدسات، بينما تسعى الجماعة إلى تقديمها باعتبارها رداً عسكرياً يستهدف مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية للمملكة.
ولا يمكن فصل التهديد السعودي بالرد عن المأزق الأوسع الذي تواجهه الرياض. فالتصعيد الجوي داخل اليمن لم يوقف الهجمات على أراضيها، ولم يعكس حتى الآن السيطرة الحوثية على المخا وذباب وميون والجزر والمواقع المشرفة على باب المندب. وفي المقابل، قد تؤدي حملة جوية أشد إلى توسيع قائمة الأهداف السعودية التي يهدد الحوثيون بضربها.
وقد طلبت السعودية من مجلس الأمن اتخاذ موقف حازم ضد ما وصفته بـ«عسكرة المضائق»، فيما طالب مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي بإنشاء منظومة ردع دولية لحماية باب المندب وتطبيق حظر السلاح المفروض على الحوثيين.
لكن جلسة مجلس الأمن لم تنتج قراراً تنفيذياً أو التزاماً بإرسال قوة جديدة إلى المنطقة. كما أن التحركات السعودية مع مصر لم تسفر، وفق البيانات المعلنة، عن تعهد مصري بالمشاركة في عمليات عسكرية. واكتفى البلدان بالتأكيد على أمن الملاحة وحرية العبور في البحر الأحمر وباب المندب.
ويعكس هذا التحفظ حدود الدعم الذي تستطيع الرياض الحصول عليه. فمصر متضررة من تراجع حركة السفن عبر قناة السويس، وجيبوتي قلقة من تدفق النازحين واحتمال اضطراب نشاط موانئها، وتركيا وباكستان ترتبطان بتفاهمات دفاعية مع السعودية، لكن أياً من هذه الدول لم يعلن استعداده لخوض حرب ضد الحوثيين.
حتى حركة الملاحة نفسها تقدم صورة أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي. فقد أظهرت بيانات الشحن مرور 22 سفينة عبر باب المندب، مقابل 24 سفينة في اليوم السابق. وهذا يعني أن المضيق لم يُغلق، لكنه يعمل تحت مستوى مرتفع من المخاطر والقلق، ويمكن لأي هجوم ناجح على ناقلة أو سفينة تجارية أن يغير الحسابات سريعاً.
المشكلة بالنسبة إلى السعودية لا تكمن في الإغلاق الكامل وحده. يكفي أن ترتفع كلفة التأمين، أو تتردد الشركات في نقل النفط السعودي، أو تُفرض قيود انتقائية على السفن المرتبطة بالمملكة، حتى يتحول الوجود الحوثي في المضيق إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع تعطل خط أنابيب «شرق–غرب»، الذي تعتمد عليه السعودية لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، بالتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وبذلك تجد المملكة منافذها النفطية الأساسية معرضة للضغط من جهتين: إيران في الخليج والحوثيون في البحر الأحمر.
أما التحالف البحري الذي أعلنته الرياض، فقد دخل اختباره الأول من دون أن تظهر له استجابة جماعية. لم تعلن جيبوتي الانسحاب منه، لكنها نأت بنفسها عن توصيف الخطر السعودي. ولم تعلن الدول الأخرى مشاركة عملياتية، بينما لجأت الرياض إلى مجلس الأمن وإلى طلب دعم مصر والولايات المتحدة.
وهذا يكشف أن كثرة الأعضاء لا تعني بالضرورة وجود تحالف قادر على الحرب. فحين تأسس المشروع، كان الاتفاق على حماية الملاحة عنواناً يمكن للجميع دعمه، لكن الانتقال من حماية السفن إلى ضرب الحوثيين أو استعادة الساحل اليمني يفرض كلفة سياسية وعسكرية لا تبدو الدول الأعضاء مستعدة لتحملها.
لقد أنشأت السعودية تحالفاً بحرياً واسعاً على الورق، لكنها عندما واجهت أول تهديد حقيقي وجدت نفسها تقاتل بالطيران، وتطلب غطاءً من مجلس الأمن، وتبحث عن مساندة مصرية وأمريكية وإسرائيلية، في وقت يكتفي فيه أعضاء التحالف بمراقبة التطورات أو إصدار تصريحات حذرة.
أما الحوثيون، فقد انتقلوا من تهديد الحدود الجنوبية السعودية إلى بناء ضغط متزامن على العمق الاقتصادي للمملكة والممر البحري الذي تعتمد عليه. وإذا ثبت إسقاط المقاتلة، فإن المواجهة ستدخل مرحلة أشد خطورة؛ لأن الرياض ستواجه تهديداً لا يستهدف منشآتها ومدنها فقط، بل يمتد إلى التفوق الجوي الذي اعتمدت عليه طوال سنوات الحرب.
وحتى تتضح حقيقة مصير الطائرة، يبقى الثابت أن السعودية لم تستطع بعد تحويل تفوقها الجوي وتحالفاتها المعلنة إلى مكسب ميداني يعيد السيطرة على باب المندب. كما أن جيبوتي، الدولة الأقرب إلى المضيق، اختارت حماية مصالحها وموانئها عبر التهدئة، لا عبر الاصطفاف خلف خطاب المواجهة السعودي.
المصادر:



