مدينة منهكة بين العتمة والسلاح..
انتشار تجارة السلاح في عدن والحاكم يشرع في توطين النازحين بـ«الفردوس»
تواجه العاصمة عدن تدهوراً متزامناً في الكهرباء والمياه ومستوى المعيشة، بينما تدفع موجة النزوح الجديدة مزيداً من الأسر إلى مدينة تعاني أساساً ضعف الخدمات والانتشار غير المنضبط للسلاح. وفي أخطر التطورات، كشفت مصادر حكومية لـ«اليوم الثامن» عن تحركات لتحويل أرض «مدينة فردوس عدن» الاستثمارية إلى موقع دائم لتوطين النازحين.
انتشار أمني مؤقت في عدن للبحث عن السلاح - الصورة عن شرطة عدن
دخلت العاصمة عدن مرحلة جديدة من الأزمات المتداخلة، مع استمرار انهيار منظومة الكهرباء واضطراب إمدادات المياه وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، بالتزامن مع تدفق موجات جديدة من النازحين الهاربين من المعارك في الساحل الغربي، وانتشار مسلحين داخل الأحياء، واتساع تجارة السلاح في ظل عجز السلطات عن فرض حظر فعلي على حمله أو بيعه.
وتظهر المدينة اليوم كأنها تتحمل أعباء حرب تتسع جغرافياً من دون أن تحصل على الموارد اللازمة لإدارة نتائجها. فالسكان المقيمون يواجهون ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وتراجعاً في ضخ المياه، وتآكلاً مستمراً لقدرتهم الشرائية، بينما تصل إلى المدينة أسر نازحة فقدت مساكنها ومصادر دخلها وتحتاج بصورة عاجلة إلى الغذاء والمأوى والرعاية الصحية.
وتشير تقارير محلية حديثة إلى أن فترات انقطاع الكهرباء وصلت في بعض مناطق عدن إلى ما بين ثماني وعشر ساعات مقابل فترات تشغيل محدودة، نتيجة نفاد الوقود وخروج وحدات توليد عن الخدمة وضعف القدرة على تمويل التشغيل والصيانة.
ولا تنفصل أزمة المياه عن انهيار الكهرباء؛ إذ تعتمد عمليات الضخ والتوزيع على طاقة غير مستقرة، ما يؤدي إلى انقطاع المياه عن أحياء لأيام، ويدفع السكان إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار مرتفعة.. ويضيف ذلك عبئاً جديداً على أسر لم تعد رواتبها، إن صُرفت، قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية.
كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والنقل والخدمات، تحت تأثير تراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين. وتعتمد المناطق الخاضعة لحكومة المنفى بصورة واسعة على السلع المستوردة، ما يجعل أي اضطراب في خطوط التجارة أو سعر الصرف ينتقل سريعاً إلى الأسواق المحلية.
وفي موازاة الانهيار الخدمي، شهدت عدن انتشاراً أمنياً مؤقتاً ونقاط تفتيش ودوريات في عدد من الشوارع والأحياء، على خلفية تزايد ظهور المسلحين وانتشار الأسلحة غير المرخصة والمركبات غير المسجلة.
وسبق للأجهزة الأمنية أن أعلنت حملات لمنع حمل السلاح وضبط المركبات والدراجات النارية ومكافحة المخدرات، غير أن تلك الحملات ظلت محدودة زمنياً وجغرافياً، ولم تتحول إلى سياسة مستدامة تنهي المظاهر المسلحة أو تستهدف شبكات بيع السلاح وتمويلها.
وقالت مصادر محلية لـ«اليوم الثامن» إن تجارة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لم تعد محصورة في أسواق أو مواقع معروفة، بل أصبحت تعتمد على وسطاء يعملون داخل الأحياء وعبر منصات التواصل، في ظل وجود عدد كبير من التشكيلات العسكرية والأمنية وتعدد الجهات التي تصدر تصاريح حمل السلاح.
وأضافت المصادر أن الإجراءات الأمنية تركز غالباً على تفتيش المارة وضبط الأسلحة الظاهرة، بينما لا تصل إلى المخازن والشبكات التي تغذي السوق أو الجهات النافذة التي توفر الحماية لبعض التجار.
ويجعل ذلك الانتشار الأمني أقرب إلى إجراء مؤقت لاحتواء القلق الشعبي منه إلى خطة متكاملة لنزع السلاح من المدينة. فعدن لا تعاني فقط وجود قطع سلاح بأيدي الأفراد، بل تعاني اقتصاداً موازياً نشأ حول بيع السلاح والذخيرة، وتداخل المصالح بين تجار ونافذين وعناصر تنتمي إلى تشكيلات مختلفة.
ويأتي هذا الوضع الأمني في وقت تستقبل فيه عدن موجة نزوح جديدة من مناطق الساحل الغربي، عقب اتساع المواجهات في محافظتي الحديدة وتعز والمناطق القريبة من باب المندب.
وبحسب تقارير ميدانية، وصلت أكثر من مئتي أسرة إلى عدن خلال يومين فقط، معظمها من المخا والخوخة وحيس ومناطق الساحل، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن نزوح آلاف الأسر إلى تعز ولحج وعدن وأبين وشبوة منذ بدء التصعيد.
وأظهرت شهادات من عدن اضطرار عشرات الأشخاص إلى الإقامة في مساكن صغيرة أو لدى أقارب سبق أن نزحوا إلى مديرية البريقة. ويكشف ذلك أن المدينة لا تستقبل نازحين جدداً فقط، بل تشهد تراكماً لموجات نزوح سابقة لم تحصل على حلول دائمة أو فرص للعودة.
لكن الملف الأكثر خطورة لا يتعلق بوصول النازحين، وهم ضحايا حرب يحتاجون إلى الحماية، بل بطريقة إدارة السلطات للأزمة، والموقع الذي اختير لإقامة المخيم الجديد، والغاية البعيدة من إنشاء بنية قابلة للتحول من إيواء مؤقت إلى تجمع سكاني دائم.
وأكدت مصادر حكومية متطابقة لـ«اليوم الثامن» أن الحاكم المحلي لعدن عبدالرحمن شيخ شرع في توطين النازحين داخل موقع استراتيجي في مديرية البريقة، يقع ضمن النطاق الذي خُصص سابقاً لمشروع «مدينة فردوس عدن» السياحي والسكني.
وأُنشئ «مخيم الفردوس» في سبتمبر/أيلول الجاري على امتداد الساحل بين منطقتي فقم وعمران، بالقرب من رأس عمران غربي عدن، لاستقبال الأسر القادمة من مناطق القتال في الساحل الغربي.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية ظهور المخيم وتوسعه السريع خلال الفترة بين 13 و18 سبتمبر/أيلول، قبل أن تصل طاقته الأولية، وفق التقديرات المنشورة، إلى نحو ثلاثمئة أسرة. وتحدثت تقارير محلية عن خطة لاستيعاب ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف نازح في الموقع.
وتفقد مدير مديرية البريقة أحمد علي الداؤودي المخيم، بينما قالت تقارير محلية إن إنشاءه وتجهيزه جرى بدعم مباشر من عبدالرحمن شيخ، مع البدء بتوفير المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية والإغاثية.
كما زار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الموقع، وأعلن تقديم مليار ريال لدعم المخيم، مع توجيهات بإنشاء مركز صحي وفصول دراسية طارئة. ورغم أهمية هذه الخدمات إنسانياً، فإن الانتقال السريع من نصب الخيام إلى إنشاء مرافق صحية وتعليمية يطرح سؤالاً جدياً عن طبيعة الموقع: هل هو مركز استقبال طارئ، أم نواة لتجمع سكاني دائم؟
وقالت المصادر الحكومية لـ«اليوم الثامن» إن السلطات لم تعرض خطة زمنية لبقاء النازحين، ولم توضح ما إذا كانت هناك برامج لعودتهم إلى مناطقهم بعد توقف الحرب، أو خيارات لنقلهم إلى مواقع لا تتعارض مع المخططات الاستثمارية والعمرانية للعاصمة.
وأكدت أن اختيار هذا الموقع جاء ضمن توجه تدفع نحوه السعودية لمعالجة ملف النازحين بعيداً عن أراضيها وحدودها، مع وجود استعداد لدى مانحين محليين وإقليميين ودوليين لتمويل مشاريع توطين طويلة الأمد في المخيم.
وبحسب المصادر، فإن الخشية لا تتعلق بتقديم المساعدة الإنسانية، بل باستعمال التمويل الإغاثي لإحداث تغيير سكاني وعمراني دائم في منطقة استراتيجية من دون قرار معلن، أو مشاورات مع المجتمع المحلي، أو تسوية قانونية لوضع الأرض، أو ضمان حقوق المشروع الاستثماري القديم.
وتعود قصة «مدينة فردوس عدن» إلى عام 2007، عندما وقعت الهيئة العامة للاستثمار اتفاقاً مع تحالف مستثمرين خليجيين ومصريين ويمنيين لإنشاء مدينة سياحية وسكنية متكاملة على ساحل رأس عمران.
وقُدرت الكلفة الإجمالية للمشروع بنحو عشرة مليارات دولار، على أن ينفذ عبر خمس مراحل، تبدأ الأولى باستثمارات تبلغ مليار دولار. وخُطط للمشروع على مساحة تقارب 16 مليون متر مربع، أي أكثر من أربعة آلاف فدان، وكان متوقعاً أن يوفر نحو 15 ألف فرصة عمل.
وتضمن التصميم المعلن أحياء سكنية وفنادق ومنتجعات ومراكز تجارية وترفيهية، ومرافق تعليمية وصحية، ومرسى بحرياً ومنطقة دبلوماسية ومدينة طبية وجزيرة قبالة الساحل، بما كان سيجعل المشروع واحداً من أكبر المشاريع الاستثمارية المقترحة في عدن.
غير أن المشروع تعثر بفعل الاضطرابات السياسية والحرب والنزاعات على الأراضي وتغيّر التخصيصات. وحذرت هيئة الأراضي لاحقاً من عمليات بيع وتصرفات غير قانونية في الأراضي المعروفة باسم «فردوس عدن»، الممتدة من صلاح الدين باتجاه عمران ورأس عمران، مؤكدة أن وثائق ملكية وتفويضات مزعومة جرى تداولها بصورة مخالفة للقانون.
وتمنح هذه الخلفية قرار إنشاء المخيم حساسية مضاعفة؛ فالموقع ليس أرضاً صحراوية خالية من القيمة، بل شريط ساحلي استراتيجي ارتبط بأكبر مشروع سياحي وسكني في تاريخ عدن الحديث، وظل محل أطماع ونزاعات وإعادة تخصيص طوال سنوات.
وترى المصادر الحكومية أن إقامة مخيم واسع في الموقع، ثم ربطه بمرافق صحية وتعليمية وخدمات دائمة، قد تجعل استعادة الأرض واستخدامها استثمارياً في المستقبل أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً إذا توسع المخيم وتحول إلى أحياء عشوائية مكتظة.
كما تخشى من أن يؤدي غياب التخطيط إلى تكرار تجارب مخيمات بدأت بوصفها ترتيبات مؤقتة، ثم تحولت إلى تجمعات سكانية دائمة تفتقر إلى البنية التحتية وفرص العمل والأمن، وأصبحت لاحقاً مصدراً لمشكلات اجتماعية وإنسانية يصعب معالجتها.
ولا يجوز تحميل النازحين مسؤولية هذه المخاطر؛ فهم فروا من القتال بحثاً عن الأمان، ومن واجب السلطات والمنظمات توفير المأوى والحماية لهم. لكن هذا الواجب لا يمنح السلطة حق التصرف بأرض استراتيجية أو تغيير هوية المنطقة السكانية والاستثمارية من دون شفافية أو سند قانوني أو خطة معلنة.
وتحتاج عدن، قبل إنشاء تجمعات جديدة، إلى تقييم قدرتها الفعلية على استيعاب مزيد من السكان. فالمدينة عاجزة حالياً عن توفير الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية بصورة مستقرة لسكانها، فيما يضيف كل تجمع جديد ضغطاً على شبكة متهالكة أصلاً.
كما أن وضع آلاف النازحين في منطقة تنتشر فيها الأسلحة ويغيب عنها الأمن المستدام يمكن أن يجعل المخيم عرضة للاستقطاب والتجنيد والاتجار غير المشروع، خصوصاً إذا طال أمد الإقامة وغابت فرص العمل والتعليم والحماية القانونية.
وتكشف أزمة الفردوس عن خلل أوسع في إدارة عدن: قرارات كبرى تتخذ تحت عنوان الطوارئ الإنسانية، من دون نشر الخرائط أو عقود تخصيص الأرض أو مدة استخدام الموقع أو أسماء الجهات الممولة أو تصور واضح لمرحلة ما بعد الحرب.
وحتى موعد إعداد هذا التقرير، لم تعلن السلطة المحلية ما إذا كان «مخيم الفردوس» مؤقتاً، ولم تحدد سقفاً زمنياً لإقامته، أو تنشر خطة لعودة النازحين، أو توضح مصير مشروع المدينة الاستثمارية وحقوق المستثمرين والأراضي المحيطة به.
كما لم تصدر السلطات توضيحاً بشأن ما ذكرته مصادر «اليوم الثامن» عن وجود توجه مدعوم سعودياً لتحويل المخيم إلى تجمع دائم، أو طبيعة التفاهمات التي جرت مع المانحين بشأن تمويله وتوسيع خدماته.
وتجد عدن نفسها، بذلك، أمام معادلة شديدة الخطورة: خدمات منهارة، وأسعار مرتفعة، وسلاح ينتشر أسرع من قدرة الأجهزة على جمعه، ونزوح متواصل من مناطق الحرب، وسلطة تستخدم أرضاً ساحلية استراتيجية لمعالجة أزمة إنسانية من دون إعلان ما إذا كانت تعالج نزوحاً مؤقتاً أم ترسم واقعاً سكانياً دائماً.
إن حماية النازحين مسؤولية إنسانية وقانونية لا تحتمل المساومة، لكن حماية عدن وأراضيها ومصالح سكانها مسؤولية موازية. وأي محاولة لخلط الإغاثة بالتوطين، أو تمرير تغيير دائم تحت غطاء المخيمات المؤقتة، ستفتح نزاعاً سياسياً واجتماعياً جديداً في مدينة أنهكتها الحروب والفوضى وسوء الإدارة.



