من حرب محلية إلى صراع إقليمي..

الرياض تُحرك "أحلاف الدفاع" وفرنسا تنتشر في "ينبع" للحد من الذراع الإيراني

تزامنت إدانة مجلس الأمن للهجمات الحوثية على السعودية مع تحركات عسكرية لتفعيل اتفاقية مكة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، وإعلان فرنسي لحماية منشآت ينبع، بينما دعا مجلس القيادة إلى التعبئة العامة وسط نزوح واسع وتفاقم سوء التغذية بين أطفال اليمن جراء القتال المتصاعد.

الرياض تُفعّل "اتفاقية مكة" وتستعين بباريس لحماية ينبع وسط إدانة دولية لغزوات الحوثي

واشنطن

دان مجلس الأمن الدولي تصاعد الهجمات التي تشنها جماعة الحوثيين على المملكة العربية السعودية، في وقت بدأت فيه الرياض تحريك اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، واستعانت بفرنسا لحماية منشآت الطاقة في ينبع، وسط مؤشرات على انتقال المواجهة من حرب يمنية داخلية إلى أزمة أمن إقليمي أوسع.

وقال مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للمجلس، إن أعضاء مجلس الأمن يدينون بأشد العبارات استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، بما فيها الهجمات التي طالت منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية وأدت إلى إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال.

وأعرب أعضاء المجلس عن قلقهم إزاء تهديد الهجمات أمن المدنيين واستقرار المنطقة، بعد تصاعد عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من اليمن واستهداف منشآت عسكرية واقتصادية ومدن سعودية.

وسبق لمجلس الأمن أن ندد بالهجمات الصاروخية الحوثية على السعودية والسفن التجارية، وأعرب عن قلقه من سقوط ضحايا مدنيين وتضرر منشآت عامة واتساع موجة النزوح داخل اليمن.

وتزامنت الإدانة الدولية مع اجتماع عسكري عقده رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في الرياض، الجمعة، لبحث التهديدات التي تواجه المملكة وسبل تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها الدول الثلاث في أغسطس/آب.

وقالت وزارة الدفاع السعودية إن الاجتماع تناول تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق العسكري، وتكامل القدرات الدفاعية، في إطار الانتقال من التعهدات السياسية إلى إجراءات عسكرية قابلة للتنفيذ.

وأكد القادة العسكريون التزام بلدانهم بالدفاع الجماعي عن أمن السعودية وسيادتها وسلامة أراضيها، وعزمهم البدء فوراً بتحويل بنود الاتفاقية إلى تعاون عسكري فعّال.

وتنص اتفاقية مكة على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الأطراف جميعاً، لكنها لم تحدد علناً شكل الرد المشترك أو الظروف التي تفرض تدخلاً عسكرياً مباشراً.

ورغم اللهجة الصارمة التي صدرت عقب اجتماع الرياض، لم تعلن تركيا أو باكستان التزاماً بالمشاركة في عمليات قتالية داخل اليمن. وكانت إسلام آباد قد قالت في وقت سابق إن الاتفاقية لا تزال في طور بناء هياكلها المؤسسية وإن مسألة المشاركة في ضرب الحوثيين لم تُحسم.

ويشير الاجتماع العاجل إلى أن الاتفاقية بدأت تنتقل إلى مرحلة التشغيل العسكري، عبر تشكيل قنوات للتنسيق وتبادل المعلومات وتقييم احتياجات الدفاع الجوي السعودي، من دون أن يعني ذلك حتى الآن انخراط قوات تركية أو باكستانية في الحرب.

وقبل الاجتماع العسكري، التقى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان نظيريه التركي هاكان فيدان والباكستاني إسحاق دار على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وندد الوزراء الثلاثة بالهجمات الحوثية على المملكة، وأكدوا حق السعودية في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة للدفاع عن أمنها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وقالت الرياض إن بعض الهجمات حاول استهداف مكة المكرمة، فيما نفى الحوثيون توجيه صواريخ نحو المدينة.

وفي موقف يفتح باباً أمام توسيع الاتفاقية، قال رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش إن اتفاقية مكة يمكن أن تتطور إلى إطار أوسع يضم دولاً أخرى في العالم الإسلامي، بما فيها إيران.

وأكد قورتولموش أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها، وأن دخولها حيز التنفيذ يحتاج إلى موافقة البرلمان التركي، متوقعاً إدراجها ضمن جدول أعماله بعد استئناف جلساته في أكتوبر/تشرين الأول.

وتكشف الدعوة التركية المحتملة لانضمام طهران عن تباين داخل التحالف الثلاثي بشأن تعريف مصدر التهديد؛ إذ ترى السعودية أن الحوثيين يتحركون ضمن شبكة النفوذ الإيراني، بينما تحاول أنقرة إبقاء الاتفاقية ضمن إطار دفاع إقليمي لا يتحول إلى تحالف معلن ضد إيران.

ويأتي ذلك بعدما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده غير مسؤولة عن عمليات الحوثيين، مؤكداً أن الجماعة تتحمل مسؤولية أفعالها. لكن تقارير استندت إلى مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية ربطت التقدم الحوثي على الساحل الغربي بتوجيه ودعم من الحرس الثوري الإيراني.

ودعت مجموعة الدول السبع طهران إلى وقف تسليح الحوثيين ودعمهم، وطالبت الجماعة بوقف العمليات العسكرية والتهديدات التي تستهدف الملاحة المدنية والعودة إلى المسار السياسي.

وفي موازاة تحريك اتفاقية مكة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس سترسل جنوداً وأنظمة رادار ومنظومات دفاعية إلى السعودية لحماية منشآت ينبع النفطية المطلة على البحر الأحمر.

وقال ماكرون إن المهمة تهدف إلى حماية الموقع ومنع تعطيل صادرات الطاقة، من دون الانخراط المباشر في الحرب. وترك الباب مفتوحاً أمام توسيع الدعم وفق تطورات الوضع والاحتياجات الدفاعية السعودية.

وتحولت ينبع إلى منفذ بالغ الأهمية لصادرات النفط السعودية، خصوصاً مع اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وازدياد اعتماد الرياض على خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر.

لكن هجمات الحوثيين على منشآت ينبع وتهديداتهم بفرض حصار على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر أظهرت أن المسار البديل لا يتمتع بحماية كاملة، خصوصاً بعد توسع سيطرة الجماعة على الساحل الغربي لليمن واقترابها من باب المندب.

وقال التحالف الذي تقوده السعودية إن دفاعاته الجوية اعترضت، فجر السبت، طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه منطقة الرياض، إلى جانب صاروخين باليستيين كانا يستهدفان خميس مشيط في جنوب غربي المملكة.

وسبقت ذلك هجمات قال التحالف إنها استهدفت الطائف وينبع، فيما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع تنفيذ عمليات بصواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف وصفها بالحساسة في الرياض وينبع وجيزان.

وأكد الحوثيون استهداف منشآت أرامكو وغرف عمليات ومخازن أسلحة ومواقع لإطلاق الصواريخ، بينما لم تتوافر معلومات مستقلة تؤكد حجم الأضرار أو دقة إصابة الأهداف المعلنة.

وفي الداخل اليمني، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من الرياض، رشاد العليمي، إلى التعبئة العامة لمواجهة الحوثيين والالتحاق بالقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية عبر القنوات الرسمية.

وتعهد العليمي بإصدار عفو عام يشمل من يغادرون صفوف الحوثيين ويتوقفون عن القتال أو العمل لمصلحتهم، مع تسوية أوضاع المنتمين إلى مؤسستي الجيش والأمن والحفاظ على حقوقهم الوظيفية.

وتزامنت دعوة التعبئة مع بيان للمفتي العام للسعودية صالح الفوزان خاطب فيه القوات السعودية وقوات التحالف، داعياً إياها إلى الاستعداد وتنفيذ الأوامر وتوحيد الصفوف في مواجهة الحوثيين، الذين وصفهم بـ«الفرقة الضالة» و«عصابة الشر».

ويمثل دخول المؤسسة الدينية السعودية على خط المواجهة محاولة لمنح التعبئة العسكرية بعداً دينياً وسياسياً، في وقت تبحث فيه الرياض عن توسيع قاعدة المشاركة في حرب تواجه صعوبات عسكرية متزايدة على الأرض.

ويأتي التصعيد بينما يحتدم القتال بين الحوثيين والقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية على جبهات الساحل الغربي وتعز ومناطق أخرى، وسط سقوط عشرات القتلى واتساع حركة النزوح.

وفي موقف إقليمي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال بالعليمي، استمرار دعم القاهرة لليمن ومؤسساته، ودعا إلى تسوية سياسية شاملة. ويعكس الموقف المصري استمرار حذر القاهرة من الانخراط العسكري المباشر، رغم ارتباط أمن باب المندب بحركة الملاحة في قناة السويس.

وتظهر المواقف الدولية والإقليمية أن السعودية نجحت في الحصول على إدانات سياسية ومساعدات دفاعية، لكن شركاءها ما زالوا يضعون حدوداً فاصلة بين حماية أراضي المملكة ومنشآتها، وبين المشاركة في حرب برية أو جوية واسعة داخل اليمن.

وفي مقابل التحركات العسكرية، تتسع الكلفة الإنسانية بوتيرة سريعة. وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» إن قرابة 130 ألف شخص، بينهم نحو 71 ألف طفل، اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال ثلاثة أسابيع نتيجة القتال، وإن معظم النازحين قدموا من محافظة تعز ومناطق الساحل الغربي.

وأضافت المنظمة أن فرقها المتنقلة فحصت نحو 2900 طفل في المناطق التي أمكن الوصول إليها، وتبين أن أكثر من طفل من كل أربعة يعاني سوء تغذية حاداً، فيما صُنفت حالات أكثر من 200 طفل بأنها شديدة الخطورة.

وتوقعت «يونيسف» أن يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء تغذية حاداً خلال عام 2026، بينهم أكثر من نصف مليون طفل مصاب بالحالات الشديدة التي تهدد الحياة.

كما تحققت المنظمة من مقتل 15 طفلاً وإصابة 14 آخرين منذ الثالث من سبتمبر/أيلول، مع استمرار فقدان ثلاثة أطفال، بينما أغلقت 243 مدرسة أبوابها أو علقت الدراسة، ما أثر في أكثر من 137 ألف طالب.

وقالت الأمم المتحدة إن عملياتها معلقة في 90 من أصل 105 مديريات ذات أولوية صحية في شمال اليمن، وإن القيود الأمنية وصعوبة الوصول تعرقل خدمات العلاج والولادة ورعاية الأطفال.

ويضع التدهور الإنساني الأطراف أمام مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تتوسع فيه التحالفات العسكرية وتتدفق منظومات الدفاع وتتصاعد دعوات التعبئة، تتراجع قدرة السكان على الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

وتشير التطورات إلى أن إدانة مجلس الأمن وحدها لن توقف الهجمات، كما أن تفعيل اتفاقية مكة يظل مرتبطاً بمدى استعداد تركيا وباكستان لتحويل التزاماتهما الدفاعية إلى مشاركة فعلية، وبقدرة السعودية على حماية منشآتها من دون توسيع حرب يدفع المدنيون اليمنيون كلفتها الأكبر.