في أول اختبار عملي لـ "اتفاقية مكة"..
من النفوذ إلى التنصل.. ماذا وراء رسائل طهران لإسلام آباد بشأن الحوثيين ومضيق هرمز؟
«تستضيف الرياض اجتماعاً طارئاً للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن اتفاقية مكة، لبحث الرد على الهجمات الحوثية ومقترح إيراني بالتواصل السياسي مع الجماعة. ويضع الاجتماع السعودية وتركيا وباكستان أمام أول اختبار لتحويل التزامات الدفاع الجماعي من إطار سياسي إلى تنسيق عسكري وأمني قابل للتنفيذ.»
أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار، الجمعة، أن الرياض ستستضيف الأسبوع المقبل اجتماعاً طارئاً للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، لبحث تصاعد الهجمات الحوثية على المملكة وتحديد الخطوات التي ستتخذها الدول الثلاث.
ويمثل الاجتماع أول اختبار عملي للاتفاقية التي وُقعت في السابع من أغسطس/آب الماضي، وتنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء هجوماً على جميع الأطراف، في صيغة دفاع جماعي تسعى إلى بناء منظومة ردع جديدة بين الدول الثلاث.
وقال دار، خلال مؤتمر صحفي، إن الاجتماع سيركز على الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي المدعومة من إيران ضد السعودية، موضحاً أن موعده النهائي سيُحدد لاحقاً بالتنسيق بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وأضاف أن إيران طرحت فكرة الانخراط السياسي المباشر مع الحوثيين بعد الهجمات الأخيرة، وأن هذا الاقتراح سيعرض على اللجنة بوصفه خياراً بديلاً عن التحرك العسكري.
وأوضح الوزير الباكستاني أن المقترح الإيراني لا يزال في مرحلة تبادل الأفكار بين وزيري الخارجية، ولم يتحول بعد إلى عرض مكتوب أو مبادرة متكاملة يمكن للأطراف الثلاثة التعامل معها بصورة رسمية.
وقال دار: «لا يوجد عرض متماسك مكتوب. الأمر لا يزال في طور تبادل الأفكار بين وزيري خارجية»، مضيفاً أن النهج السياسي طُرح بحسن نية وسيخضع للنقاش داخل اللجنة إلى جانب الخيارات الدفاعية والأمنية المتاحة.
ويأتي المقترح في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات حوثية مكثفة، شملت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت مدناً ومنشآت مدنية واقتصادية وعسكرية، فيما اتهمت الرياض الجماعة بمحاولة استهداف مكة المكرمة ومواقع قريبة من المدينة المنورة.
ونفى الحوثيون استهداف الأماكن المقدسة، لكن استمرار الهجمات وضع الدول الموقعة على اتفاقية مكة أمام ضرورة الانتقال من بيانات التضامن إلى تحديد طبيعة الالتزامات الدفاعية التي يمكن تنفيذها عند تعرض إحدى الدول لهجوم.
وذكر دار أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي أبلغا الجانب الباكستاني رغبة طهران في النأي بنفسها عن الهجمات التي ينفذها الحوثيون والفصائل العراقية المسلحة.
وأوضح أنه أطلع المسؤولين الإيرانيين على بنود اتفاقية مكة وطبيعة الالتزامات التي تترتب على باكستان بموجبها، في رسالة تشير إلى أن استمرار الهجمات على السعودية قد يدفع إسلام آباد وأنقرة إلى تقديم دعم أمني أو عسكري أكثر وضوحاً للرياض.
وتضع المبادرة الإيرانية الدول الثلاث أمام مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على التواصل السياسي مع الحوثيين لوقف الهجمات، والثاني يعتمد على تفعيل بنود الدفاع المشترك وتطوير قدرة جماعية على حماية السعودية والرد على مصادر التهديد.
ويكشف طرح المقترح عبر باكستان عن محاولة إيرانية لفتح قناة غير مباشرة مع السعودية وحلفائها، من دون تبني مسؤولية مباشرة عن تحركات الحوثيين، خصوصاً أن طهران تصر على أن الجماعة اليمنية تتخذ قراراتها بصورة مستقلة.
غير أن نأي إيران بنفسها عن الحوثيين لا يلغي الاتهامات السعودية والغربية لها بتزويد الجماعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية، أو بتقديم الدعم السياسي والتدريب والخبرات عبر الحرس الثوري.
وسيحدد اجتماع الرياض مدى استعداد السعودية وتركيا وباكستان لمنح المسار السياسي فرصة، أو الانتقال إلى إجراءات عسكرية وأمنية تنسجم مع النصوص التي تجعل الاعتداء على دولة عضوة اعتداءً على الأطراف الثلاثة.
وتتراوح الخيارات المحتملة بين تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوفير أنظمة دفاع جوي ورادارات، وتنسيق حماية المواقع الحيوية، وإجراء تدريبات مشتركة، وصولاً إلى دعم عسكري مباشر إذا اتسعت الهجمات الحوثية.
وكان الجيش الباكستاني قد أعلن، الجمعة، أن كبار قادته نددوا بشدة بالهجمات الحوثية على السعودية، وعبروا عن تضامنهم مع المملكة والتزامهم بأمنها وأمن الأماكن الإسلامية المقدسة.
ويحمل الموقف الباكستاني أهمية خاصة بالنظر إلى القدرات العسكرية التي تمتلكها إسلام آباد وعلاقاتها الدفاعية القديمة مع الرياض، إضافة إلى دورها المقرر في قيادة الأمانة العامة لاتفاقية مكة خلال مرحلتها التأسيسية.
وقال دار إن أكثر من ست دول أبدت رغبتها في الانضمام إلى الاتفاقية، لكنه لم يكشف أسماءها أو يوضح ما إذا كانت جميعها دولاً ذات غالبية مسلمة.
وأشار إلى أن طلبات العضوية الجديدة لن تُبحث قبل استكمال تفعيل الاتفاقية وبناء مؤسساتها وآليات عملها، وهي عملية قد تستغرق نحو عام كامل.
ويعكس تأجيل توسيع العضوية رغبة الدول المؤسسة في تثبيت الهيكل الأساسي للاتفاق، وتحديد آليات اتخاذ القرار والاستجابة للتهديدات، قبل إضافة أطراف جديدة قد تجعل التوافق السياسي والعسكري أكثر تعقيداً.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في السابع من أغسطس/آب 2026، وأكدت أن الاتفاق دفاعي ويهدف إلى تعزيز الردع الجماعي، ولا يستهدف دولة بعينها.
وتنص الاتفاقية على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً على جميع الأعضاء، وهي صيغة تستلهم مبدأ الدفاع الجماعي، لكنها تحتاج إلى آليات تنفيذية تحدد شكل المساندة وحدودها وسرعة اتخاذ القرار.
وعقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية أول اجتماع لها في إسطنبول في 31 أغسطس/آب، حيث اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة في السعودية لدعم الاتفاقية والإشراف على تنفيذ قراراتها.
وتقرر أن يتولى أمين عام من باكستان قيادة الأمانة خلال السنوات الثلاث الأولى، في خطوة تمنح إسلام آباد دوراً رئيسياً في بناء الهياكل التنظيمية للاتفاق وتنسيق العمل بين أعضائه.
كما اتفقت الدول الثلاث على تطوير التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية والتدريبات المشتركة، والعمل على رفع مستوى التنسيق بين القوات المسلحة وتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات متكاملة.
وتسارعت خطوات تفعيل الاتفاق خلال سبتمبر/أيلول مع تصاعد الهجمات الحوثية. وبحث وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التقدم في إنشاء الأمانة العامة واللجان وفرق العمل المتخصصة.
كما اتفق الوزراء على عقد اجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث لبحث مساندة السعودية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية وتكامل القدرات الدفاعية في مواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
ويأتي الاجتماع الطارئ المنتظر في الرياض بعد سلسلة تحركات سياسية وعسكرية أظهرت أن اتفاقية مكة لم تعد مشروعاً طويل الأمد فحسب، بل أصبحت مطالبة بالتعامل مع تهديد مباشر تتعرض له إحدى الدول المؤسسة.
وفي الوقت نفسه، يرتبط التصعيد ضد السعودية بالتوتر الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق مضيق هرمز وتحوله إلى ورقة ضغط في الحرب المستمرة منذ نحو سبعة أشهر.
وقال دار إنه لا ينبغي فرض أي رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، في إشارة إلى أهمية حرية الملاحة ومنع استخدام الممرات البحرية الدولية لفرض شروط سياسية أو اقتصادية.
ويضع تزامن الهجمات الحوثية مع أزمة هرمز اتفاقية مكة أمام بيئة أمنية تتجاوز حدود السعودية، وتمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتداخل التهديدات البحرية والصاروخية مع الصراع الإقليمي بين إيران وخصومها.
ويملك الاجتماع المرتقب أهمية تتجاوز الرد على الهجمات الأخيرة، لأنه سيكشف طبيعة الاتفاقية نفسها: هل ستعمل كآلية دفاعية فعلية قادرة على اتخاذ قرارات سريعة، أم ستبقى إطاراً للتشاور والتضامن السياسي؟
كما سيختبر قدرة الدول الثلاث على الجمع بين المسار الدبلوماسي الذي تقترحه إيران، ومتطلبات الردع التي دفعت إلى توقيع الاتفاقية، من دون منح الحوثيين فرصة لاستخدام التفاوض لتثبيت مكاسبهم أو مواصلة الضغط العسكري.
وسيكون القرار الذي تتخذه اللجنة مؤشراً على شكل الاستجابة المستقبلية لأي اعتداء على أحد الأعضاء، وعلى مدى استعداد أنقرة وإسلام آباد للانتقال من دعم السعودية سياسياً إلى المشاركة الفعلية في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.



