الثأر يعود إلى الواجهة..
تصريحات جديدة للحرس الثوري تبقي استهداف ترامب في قلب التوتر بين طهران وواشنطن
«جدد مسؤول بارز في الحرس الثوري تعهد إيران بالانتقام لمقتل علي خامنئي في الضربة الأميركية الإسرائيلية، وسط مخاوف من استهداف دونالد ترامب ومسؤولين أميركيين. ويعيد التصعيد اللفظي ملف الاغتيالات إلى قلب المواجهة، بينما تحذر واشنطن من رد عسكري واسع إذا تحولت التهديدات إلى هجوم فعلي.»
جدد المستشار الأعلى للقائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد محمد رضا نقدي، تعهد بلاده بالثأر لمقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، في تصريحات تعكس استمرار خطاب الانتقام داخل المؤسسة العسكرية، وتبقي احتمال استهداف مسؤولين أميركيين في صلب التوتر بين طهران وواشنطن.
وقال نقدي، الخميس، إن الإيرانيين لن يتخلوا عن المطالبة بالثأر لدماء خامنئي وغيره من قتلى الحرب، مؤكداً أن هذا المطلب سيظل قائماً ولن يسقط بمرور الوقت.
وأضاف أن استمرار حضور الإيرانيين وتضامنهم سيمنع نجاح حسابات الخصوم، معتبراً أن سقوط مدنيين، بينهم أطفال، كشف بصورة أوضح ما وصفه بجرائم الولايات المتحدة أمام الرأي العام الدولي.
وتأتي تصريحات نقدي بعد أشهر من مقتل خامنئي في ضربة أميركية إسرائيلية استهدفت إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ومثلت بداية حرب انتقلت لاحقاً بين التصعيد العسكري والتهدئة والمفاوضات غير المباشرة.
وفي يوليو/تموز، أعلن مجتبى خامنئي، الذي خلف والده في منصب المرشد، أن الانتقام لمقتله «سيتم حتماً»، مقدماً الثأر باعتباره مطلباً وطنياً لا يقتصر على مؤسسات الدولة أو القوات المسلحة.
ورغم أن المرشد الجديد لم يذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاسم في رسالته، فإن مراسم تشييع والده شهدت هتافات وملصقات تدعو إلى قتل الرئيس الأميركي، ما وضع ترامب في مقدمة الشخصيات التي يُحتمل أن تشملها تهديدات الانتقام الإيرانية.
كما تحدثت تقارير أميركية وإسرائيلية عن مناقشة مسؤولين إيرانيين أفكاراً لاستهداف ترامب، فيما قالت أجهزة استخبارات إسرائيلية إنها نقلت إلى واشنطن تحذيرات بشأن مخططات محتملة تشمل إطلاق النار على الرئيس أو مهاجمته خلال مناسبة عامة.
ولم تتمكن الجهات الأميركية، بحسب التقارير، من التحقق بصورة مستقلة من جميع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بهذه السيناريوهات، غير أن التحذيرات جاءت ضمن سياق أوسع من المخاوف المرتبطة بنشاط إيراني محتمل داخل الولايات المتحدة.
ورد ترامب في يوليو/تموز بتحذير علني من أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة إذا حاولت إيران اغتياله، وقال إن الجيش الأميركي تلقى أوامر بالاستعداد لتنفيذ هجمات واسعة ضد إيران إذا وقع هجوم من هذا النوع.
وجاء التهديد الأميركي بينما كانت واشنطن وطهران تتبادلان رسائل عسكرية حادة، بالتزامن مع محاولات إقليمية لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومنع العودة إلى حرب شاملة.
وتمنح تصريحات نقدي تلك التهديدات بعداً جديداً، لأنها تصدر عن مسؤول رفيع في الحرس الثوري وترتبط مباشرة بمقتل المرشد السابق، بدلاً من الاقتصار على ملف قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي قُتل في ضربة أميركية قرب مطار بغداد عام 2020.
ومنذ مقتل سليماني، أعلنت إيران مراراً أن الانتقام لم ينته، ووجه مسؤولون فيها تهديدات إلى شخصيات أميركية شاركت في قرار تنفيذ الضربة أو دافعت عنها، وفي مقدمتهم ترامب وعدد من أعضاء إدارته الأولى.
ويستند القلق الأميركي إلى تحقيقات وملفات قضائية سبقت مقتل خامنئي. ففي أغسطس/آب 2024، أعلنت وزارة العدل الأميركية توقيف الباكستاني آصف ميرشانت، واتهمته بالسعي إلى تجنيد أشخاص داخل الولايات المتحدة لتنفيذ عملية اغتيال سياسي.
وقالت الوزارة إن ميرشانت أمضى فترة في إيران قبل وصوله إلى الولايات المتحدة، وإنه تواصل مع أشخاص اعتقد أنهم قادرون على تنفيذ مخططه، لكنهم كانوا مصادر سرية أو عملاء يعملون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلنت وزارة العدل اتهام شخص قالت إنه مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، وأوضحت أن التحقيقات كشفت عن تكليفه بمراقبة ترامب، الذي كان آنذاك رئيساً منتخباً، ووضع خطة لاغتياله.
وربطت السلطات الأميركية القضية بمحاولات إيرانية للانتقام من مسؤولين أميركيين على خلفية مقتل سليماني. وتظل الاتهامات الواردة في الملفات التي لم تصدر فيها أحكام نهائية ادعاءات قضائية تخضع لإجراءات التقاضي والإثبات أمام المحاكم.
لكن تراكم هذه الملفات منح المؤسسات الأمنية الأميركية أساساً للتعامل بجدية مع أي تهديد جديد يصدر عن مسؤولين إيرانيين، خصوصاً مع انتقال خطاب الثأر من مقتل سليماني إلى مقتل المرشد السابق.
وكان نقدي قد تحدث في أغسطس/آب عن ضرورة امتلاك إيران القدرة على نقل عملياتها إلى أراضي خصومها، ضمن تطوير ما وصفه بعقيدة هجومية لا تكتفي بالدفاع داخل الحدود الإيرانية.
وتوحي هذه التصريحات بأن الحرس الثوري يسعى إلى إبقاء خيارات الرد مفتوحة، سواء عبر تنفيذ عمليات مباشرة، أو استخدام شبكات حليفة ووكلاء، أو استهداف المصالح الأميركية خارج الولايات المتحدة.
ويمثل استهداف ترامب، إذا انتقل من الخطاب إلى التخطيط التنفيذي، تجاوزاً لحدود المواجهة التقليدية بين الدولتين. فالهجوم على رئيس أميركي في منصبه سيُعامل باعتباره عملاً حربياً، وقد يطلق رداً عسكرياً واسعاً يصعب احتواء تداعياته.
ولهذا تبدو تهديدات الحرس الثوري سلاحاً سياسياً ذا حدين. فهي تساعد القيادة الإيرانية على إظهار تمسكها بالرد أمام جمهورها الداخلي، لكنها تمنح واشنطن أيضاً مبرراً لرفع جاهزيتها وتعزيز عملياتها الأمنية والعسكرية ضد إيران.
ويتقاطع خطاب الانتقام مع أزمة أوسع في العلاقة بين البلدين، في ظل استمرار الحرب منذ نحو سبعة أشهر، وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني ووقف العمليات العسكرية.
وأفادت تقارير بأن طهران تستعد لتنفيذ رد أوسع إذا استأنفت الولايات المتحدة حملة عسكرية كبيرة ضدها، وأن قائمة الأهداف المحتملة قد تشمل منشآت أميركية ومصالح تابعة لحلفاء واشنطن داخل الشرق الأوسط وخارجه.
ويمكن أن تعتمد إيران في أي تصعيد مقبل على شبكة من الجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة، إلى جانب قدراتها الصاروخية والمسيّرة والبحرية، وهو ما يزيد صعوبة الفصل بين الرد الإيراني المباشر والعمليات التي تنفذها قوى حليفة لطهران.
لكن محاولة إيران النأي بنفسها عن الحوثيين وبعض الفصائل العراقية تتعارض مع استمرار مسؤولين في الحرس الثوري في إطلاق تهديدات عابرة للحدود، وتثير تساؤلات بشأن مدى قدرة القيادة السياسية على ضبط المؤسسة العسكرية وشبكاتها الإقليمية.
كما أن تقديم الثأر باعتباره التزاماً وطنياً يضيّق مساحة التراجع أمام القيادة الإيرانية، لأن أي تسوية مع واشنطن ستواجه اعتراضاً من دوائر تنظر إلى الانتقام بوصفه قضية مرتبطة بهيبة النظام وشرعيته الداخلية.
وفي المقابل، يرفع التهديد الأميركي برد واسع كلفة أي عملية إيرانية محتملة، ويضع الحرس الثوري أمام حسابات تتجاوز أثر الضربة الأولى إلى احتمال تعرض البنية العسكرية والنووية والاقتصادية الإيرانية لهجمات جديدة.
ويجعل استمرار الخطاب المتبادل ملف مقتل خامنئي عاملاً دائماً في مسار العلاقة بين طهران وواشنطن، حتى في الفترات التي تتقدم فيها المفاوضات أو تتراجع حدة العمليات العسكرية.
فالثأر، كما تقدمه المؤسسة العسكرية الإيرانية، التزام طويل الأمد يمكن تنفيذه في الوقت والمكان المناسبين، بينما تعتبر واشنطن أن أي محاولة لاستهداف ترامب أو مسؤولين أميركيين ستفتح الباب أمام رد قد يعيد الحرب إلى أعلى مستوياتها.
وبين هذين الموقفين، تتحرك الوساطات الإقليمية في مساحة ضيقة، إذ تحاول منع تحول التهديدات الشخصية وعمليات الاغتيال إلى مواجهة مفتوحة يصعب حصرها داخل إيران أو السيطرة على امتداداتها الإقليمية.



