العقل المتعب يبدأ من الجسد..

كيف تحمي التغذية المتوازنة تركيز الطالب وصحته النفسية؟

لا ترتبط صعوبة التركيز خلال الدراسة والامتحانات بالمناهج وضغط الوقت وحدهما؛ فإهمال الوجبات وقلة النوم والجفاف والإفراط في الكافيين والسكريات عوامل تستنزف طاقة الطالب وتؤثر في مزاجه وذاكرته، بينما يمكن لعادات غذائية بسيطة ومنتظمة أن تصنع فارقاً ملموساً.

لا يحتاج الإفطار إلى إعداد وجبة معقدة أو تخصيص وقت طويل - أرشيف

منى الرشيدي
باحثية غير مقيمة لدى مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، اخصائية تغذية
عدن

يدخل بعض الطلاب قاعات المحاضرات وهم يشعرون بأن عقولهم تعمل ببطء، ثم يجلسون أمام الكتب ساعات طويلة من دون قدرة حقيقية على التركيز أو استيعاب ما يقرؤونه. وقد تبدو المشكلة مرتبطة بصعوبة المادة أو ضغط الاختبارات، لكن السبب يكون أحياناً أقرب مما يعتقدون: معدة فارغة، أو نوم غير كافٍ، أو نقص في شرب الماء، أو محاولة مقاومة يوم مرهق بالقهوة والسكريات.

تفرض الحياة الجامعية إيقاعاً سريعاً تتداخل فيه المحاضرات والأبحاث والواجبات والاختبارات مع الضغوط النفسية والاجتماعية. وفي خضم هذا الجدول المزدحم، تتراجع التغذية إلى أسفل قائمة الأولويات، رغم أنها من الأدوات الأساسية التي تساعد الطالب على المحافظة على طاقته وتركيزه واستقراره النفسي.

وتبدأ المشكلة لدى كثير من الطلاب منذ الساعات الأولى للصباح، عندما ينتصر المنبه المتأخر على وجبة الإفطار. فالاستيقاظ قبل المحاضرة بوقت قصير يجعل تناول الطعام يبدو مهمة يمكن الاستغناء عنها، ثم يبدأ اليوم بالقهوة وحدها أو بقطعة حلوى سريعة لا تمنح الجسم طاقة مستقرة.

ولا يحتاج الإفطار إلى إعداد وجبة معقدة أو تخصيص وقت طويل. يمكن للطالب تجهيز مكوناته من الليلة السابقة أو اصطحابه معه إلى الجامعة. والمهم أن يحتوي على مصدر للبروتين، إلى جانب الكربوهيدرات الغنية بالألياف والدهون الصحية.

وقد تكون وجبة بسيطة من البيض وخبز الحبوب الكاملة والخضار كافية لبدء اليوم، كما يمكن اختيار الشوفان مع الزبادي والمكسرات والفواكه، أو ساندويتش من الجبن أو التونة مع ثمرة فاكهة. القيمة الحقيقية لهذه الخيارات لا تكمن في مثاليتها، بل في سهولة إعدادها وإمكانية الالتزام بها.

ويؤدي غياب التخطيط إلى ترك الطالب فريسة للجوع الشديد والخيارات السريعة. فعندما ينتظر حتى تنخفض طاقته، يميل إلى شراء أول طعام متاح، بصرف النظر عن قيمته الغذائية أو أثره في بقية اليوم.

لهذا ينبغي التعامل مع الطعام بالطريقة نفسها التي يُنظم بها الجدول الدراسي. من المفيد أن يعرف الطالب مسبقاً متى سيتناول إفطاره، وما الذي سيحمله معه، وأين يمكنه تناول وجبته الرئيسية، وما الوجبة الخفيفة التي ستساعده على مواصلة يومه من دون هبوط مفاجئ في الطاقة.

لا يتطلب الأمر خطة غذائية صارمة، بل استعداداً بسيطاً يقلل القرارات العشوائية والاعتماد اليومي على الوجبات السريعة. ويمكن لثمرة فاكهة مع حفنة من المكسرات غير المملحة، أو علبة زبادي مع الشوفان، أن تمنع الوصول إلى مرحلة الجوع الحاد التي تدفع إلى تناول كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير.

وتزداد أهمية التنظيم خلال فترة الامتحانات، حين يتحول يوم بعض الطلاب إلى سلسلة من أكواب القهوة وساعات النوم المتقطعة، مع نسيان الطعام أو تأجيله حتى وقت متأخر. وقد يبدو هذا الأسلوب مفيداً مؤقتاً لأنه يوفر وقتاً إضافياً للدراسة، لكنه يضعف قدرة الجسم والدماغ على الاستمرار.

عند التعرض للضغط، يفرز الجسم هرمونات تساعده على التعامل مع الموقف، ومن أبرزها الكورتيزول المعروف بهرمون التوتر. ويُعد إفراز هذا الهرمون لفترات قصيرة استجابة طبيعية، لكن استمرار الضغط بالتزامن مع قلة النوم وسوء التغذية يمكن أن يؤثر في الشهية والمزاج وجودة النوم والقدرة على التركيز وتذكر المعلومات.

ولا يستطيع الغذاء إلغاء التوتر أو معالجة القلق بمفرده، لكنه يمنح الجسم والجهاز العصبي دعماً أفضل في مواجهة الضغط. فالوجبات المنتظمة وشرب الماء والحركة الخفيفة والنوم قدر الإمكان أكثر فاعلية من محاولة مقاومة الإرهاق بالمنبهات والحلويات.

ولا يوجد طعام سحري يجعل الطالب يحفظ منهجاً كاملاً في ليلة واحدة، كما لا توجد مكملات تستطيع تعويض نمط حياة مضطرب. لكن الجسم يحتاج إلى مجموعة من العناصر الغذائية التي تدعم صحة الدماغ والأعصاب وإنتاج الطاقة.

وتُعد أحماض «أوميغا 3» من العناصر المهمة لصحة الدماغ، ويمكن الحصول عليها من السلمون والسردين والتونة والجوز وبذور الكتان والشيا. كما يوجد فيتامين «د» في الأسماك الدهنية وصفار البيض وبعض الأطعمة المدعمة، ويساعد التعرض الآمن لأشعة الشمس الجسم على إنتاجه.

أما فيتامينات مجموعة «ب»، فتوجد في الحبوب الكاملة والبقوليات والبيض ومنتجات الألبان واللحوم والخضروات الورقية، وتؤدي دوراً مهماً في إنتاج الطاقة ووظائف الجهاز العصبي.

ويمثل الحديد عنصراً آخر يستحق الانتباه، خصوصاً أن نقصه قد يرتبط بالتعب وضعف التركيز. ويمكن الحصول عليه من اللحوم والبقوليات والعدس والسبانخ، لكن تناول مكملاته من دون فحص أو استشارة مختص قد يكون ضاراً، ولذلك لا ينبغي التعامل معه بوصفه منشطاً يمكن استخدامه عشوائياً.

وتوفر المكسرات والبذور والبقوليات والحبوب الكاملة المغنيسيوم والزنك، فيما تمنح الفواكه والخضروات الملونة الجسم مضادات الأكسدة التي تدعم صحة الخلايا. ويبقى الماء واحداً من أبسط العناصر وأكثرها تعرضاً للإهمال؛ فالجفاف قد يؤدي إلى الصداع والإرهاق وضعف الانتباه، حتى قبل أن يشعر الطالب بالعطش الشديد.

وتظهر خلال فترة الامتحانات مشكلة أخرى تتمثل في اللجوء إلى الحميات القاسية. فقد يعتقد بعض الطلاب أن تقليل الطعام بدرجة كبيرة سيجعلهم أخف وأكثر قدرة على التركيز، لكن الحرمان يمكن أن يؤدي إلى الصداع وتقلب المزاج والإرهاق وضعف الأداء الدراسي، ثم يدفع إلى تناول كميات كبيرة لاحقاً.

لهذا لا تُعد أسابيع الاختبارات وقتاً مناسباً لتجربة حمية صارمة أو برنامج سريع لإنقاص الوزن. يحتاج الجسم خلال هذه الفترة إلى وجبات منتظمة ومتوازنة، لا إلى معركة جديدة مع الجوع. ويبقى الاعتدال أكثر قابلية للاستمرار من الحرمان، كما أن تناول طعام محبوب أحياناً لا يفسد النظام الصحي كله.

ولا يعني الاهتمام بالتغذية الامتناع الكامل عن الأطعمة المصنعة أو الوجبات السريعة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الخيارات إلى أساس النظام اليومي. فمعظم الغذاء ينبغي أن يأتي من الحبوب الكاملة والبقوليات والخضروات والفواكه والبيض والأسماك والدجاج والمكسرات والبذور.

يمكن تناول وجبة سريعة من وقت إلى آخر، لكن جعلها الخيار اليومي يرفع استهلاك الدهون والملح والسكريات، من دون تزويد الجسم بالتنوع الغذائي الذي يحتاجه. والتوازن هنا لا يعني فرض قائمة من الممنوعات، بل جعل الخيارات الداعمة للصحة هي الغالبة.

ويمكن للطالب المشغول الاعتماد على وجبات سهلة لا تحتاج إلى إعداد طويل. فطبق من الأرز أو الحبوب الكاملة مع العدس أو الفاصوليا أو الدجاج أو السمك، وإلى جانبه الخضار، يوفر وجبة رئيسية متوازنة. كما يمثل ساندويتش التونة أو الدجاج بخبز الحبوب الكاملة، مع الخضار أو الفاكهة، خياراً سريعاً لأيام المحاضرات الطويلة.

ويساعد إعداد بعض المكونات مسبقاً في توفير الوقت وتقليل اللجوء إلى الطعام الجاهز. ويمكن تقسيم الوجبات وحفظها، وغسل الخضروات والفواكه، وتجهيز الساندويتشات أو الشوفان من الليلة السابقة، بحيث يصبح تناول الطعام الصحي أسهل من البحث عن بديل سريع عند الجوع.

أما القهوة، فليست عدواً للطالب إذا استُخدمت باعتدال. قد يساعد الكافيين على زيادة اليقظة مؤقتاً، لكنه لا يعوض النوم ولا يستطيع إصلاح أثر وجبات مهملة. ويؤدي الإفراط فيه إلى زيادة التوتر والخفقان، وقد يضعف جودة النوم، خصوصاً عند تناوله في ساعات متأخرة.

وتزداد المشكلة مع مشروبات الطاقة التي قد تحتوي على كميات مرتفعة من الكافيين والسكر. فهي تمنح يقظة قصيرة يعقبها أحياناً هبوط في النشاط، كما قد تزيد القلق وتسارع ضربات القلب لدى بعض الأشخاص.

لذلك يُفضل تناول القهوة في وقت مبكر وبكمية معتدلة، والانتباه إلى مصادر الكافيين الأخرى، مثل الشاي والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة. وإذا اعتاد الطالب تناول كميات كبيرة، فإن تقليلها تدريجياً يكون أفضل من التوقف المفاجئ.

ويظل النوم العامل الذي لا تستطيع القهوة تعويضه. فخلال النوم يعيد الدماغ تنظيم المعلومات وتثبيت ما جرى تعلمه واستعادة قدرته على التركيز. وقد تسمح ليلة من السهر بقراءة صفحات إضافية، لكنها لا تضمن الاحتفاظ بما تمت قراءته أو استدعاءه بكفاءة خلال الاختبار.

وترتبط التغذية بالصحة النفسية في مسار متبادل. فالضغط وقلة النوم يؤثران في الشهية واختيارات الطعام، فيما ينعكس اضطراب الوجبات والجفاف والإفراط في السكر والكافيين على الطاقة والمزاج والصحة العامة.

ولا يعني ذلك أن الطعام يعالج القلق أو الاكتئاب، لكن الوجبات التي تحتوي على البروتين والألياف والدهون الصحية والخضروات والفواكه تمنح الجسم قدرة أفضل على مواجهة الضغوط اليومية. وعندما يكون التوتر شديداً أو مستمراً ويؤثر في النوم أو الدراسة أو الحياة الاجتماعية، يصبح طلب مساعدة مختص نفسي أو طبيب خطوة ضرورية، لا علامة على الضعف.

وتبقى الاستمرارية أهم من البحث عن أسبوع غذائي مثالي. قد يمر الطالب بيوم مزدحم، أو يتناول وجبة سريعة، أو ينسى شرب الماء، لكن ذلك لا يعني أن الخطة فشلت. المهم هو العودة إلى العادات المتوازنة في الوجبة التالية، لا انتظار بداية أسبوع جديد.

وتقول الدكتورة منى الراشدي، انطلاقاً من تجربتها طالبة قبل عملها في مجال التغذية، إن المشكلة لا تكمن دائماً في عدم معرفة الطعام الصحي، بل في ضيق الوقت وضغط الدراسة وغياب الاستعداد المسبق.

وتضيف أن تجهيز الطعام وحفظ بعض الوجبات وتنظيم مواعيد الأكل يجعل الالتزام أسهل، ولا سيما في مواسم الاختبارات. فالطالب لا يحتاج إلى نظام مثالي، وإنما إلى خطوات واقعية يستطيع تكرارها وسط يومه الدراسي.

وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الاهتمام بالصحة باعتباره مهمة إضافية يمكن تأجيلها حتى انتهاء الجامعة. فالطعام والنوم والماء والحركة عناصر تدخل مباشرة في قدرة الطالب على الاستيعاب والتركيز والإنجاز والاستمرار.

والعناية بالعقل لا تبدأ من الكتاب وحده، بل من الجسد الذي يحمله، ومن الوجبة التي تمنحه الطاقة، ومن النوم الذي يعيد إليه توازنه قبل يوم دراسي جديد.