قصف عدن يختبر وعود الحماية..
السعودية أمام اختبار «فجر اليمن» وعدن تدفع كلفة الحرب المفتوحة
نقل استهداف مطار عدن ومحيط معسكر بدر المواجهة إلى المدينة التي تعتمد عليها العمليات والإمدادات. وبين التقدم المعلن قرب باب المندب والتوقف المؤقت نحو المخا، تواجه السعودية أسئلة عن حماية الجنوب وحصيلة تدخلها، فيما يوسع الحوثيون ضرباتهم على المطارات والمنشآت، وتبقى سلامة الملاحة معلقة بنتائج ميدانية غير مستقرة.
معارض سعودي على اساس مذهبي يتقدم تظاهرة للحوثيين في صنعاء - إعلام الجماعة اليمنية المسلحة
دخلت الحرب اليمنية، فجر الأربعاء السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، مرحلة تكشف المسافة بين إعلان العمليات العسكرية والقدرة على حماية المناطق التي تنطلق منها. فقد تعرض مطار عدن الدولي ومحيطه لهجوم صاروخي، بينما كانت القوات المشاركة في عملية «فجر اليمن» تحاول تثبيت مواقع قرب باب المندب واستكمال تقدمها على الساحل الغربي. وبذلك انتقل الاختبار من سؤال استعادة الأراضي إلى سؤال أكثر إلحاحاً: كيف تُدار معركة تستهدف تغيير موازين القوى، بينما تبقى مدينة الإمداد ومرافقها المدنية عرضة للضرب؟
أعلنت إدارة أمن عدن أن صاروخين أطلقهما الحوثيون استهدفا المطار، دون تسجيل خسائر بشرية وفق المعلومات الأولية. وقالت إن الهجوم عرّض المسافرين والعاملين والطواقم الجوية للخطر. وجاء بيان وزارة النقل أكثر تفصيلاً؛ إذ تحدث عن سقوط صاروخ قرب المدرج قبل دقائق من وصول رحلة الخطوط الجوية اليمنية القادمة من القاهرة، وتحويل مسارها إلى جدة، وإخلاء مبنى المطار وإبعاد طائرتين كانتا على أرضه. لم تكن هذه إجراءات تشغيلية معتادة، بل استجابة طارئة لمنع وقوع كارثة محتملة.
في المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين استهداف إمدادات عسكرية سعودية وصلت إلى معسكر بدر المجاور للمطار باستخدام صواريخ باليستية. تقدم هذه الرواية هدفاً عسكرياً للهجوم، بينما تركز الرواية المحلية على تعرض المرفق المدني والمسافرين للخطر. وقد تتصل الروايتان بواقعة واحدة ذات مواقع متجاورة، لكن تحديد نقاط السقوط والأضرار يحتاج إلى معلومات ميدانية أدق. والثابت أن الهجوم وضع المطار ومحيطه داخل دائرة الاستهداف، بصرف النظر عن الاسم الذي اختاره المهاجم لهدفه.
تضع الواقعة الحوثيين أمام مسؤوليتهم عن استخدام الصواريخ في منطقة تضم منشأة مدنية وحركة طيران، وتضع السعودية أيضاً أمام مسؤوليتها السياسية والعسكرية عن مستوى حماية المدينة المرتبطة بالحملة التي تدعمها. فلا يكفي أن تتوافر القدرة على قصف مواقع الجماعة داخل اليمن إذا لم تقترن بتقليل قدرتها على الوصول إلى مناطق الإمداد والتجمعات السكانية. ويكشف وصول الصواريخ إلى محيط المطار أن الردع المعلن لم يمنع الهجوم، وأن الإجراءات اللاحقة اقتصرت، في المعلومات المنشورة، على الإخلاء وتغيير مسار الطائرات.
لا تقدم البيانات المتاحة جرداً لمنظومات الدفاع الجوي الموجودة في عدن أو مستوى جاهزيتها، لكنها لا تتحدث أيضاً عن اعتراض الصاروخين اللذين استهدفا المطار. وهذه نقطة ينبغي أن تبقى في صلب المساءلة. فحماية المدينة لا تُقاس بالانتشار الأمني في الشوارع وحده، ولا بتأمين البوابات بعد وقوع الضربة. المطلوب معرفة ما إذا كانت هناك ترتيبات إنذار واعتراض تناسب التهديد، وكيف جرى تقدير احتمال استهداف المطار قبل بدء العملية، ومن يتحمل مسؤولية معالجة الثغرات التي كشفها الهجوم.
تزداد أهمية هذه الأسئلة لأن التهديد الحوثي للمطارات والمنشآت لم يظهر للمرة الأولى صباح الأربعاء. فالضربات السابقة على المنشآت السعودية، والتطور الذي شهدته قدرات الجماعة على الوصول إلى أهداف بعيدة، كانا كافيين لجعل حماية المرافق الخلفية جزءاً أساسياً من التخطيط. وإذا كانت عدن تستقبل إمدادات مرتبطة بالمعركة، فإن ذلك يرفع الحاجة إلى حمايتها، وإبعاد المخاطر عن المنشآت المدنية، وتوفير إجراءات واضحة لاستمرار الخدمات. ولا تستطيع بيانات الإدانة، مهما كانت حازمة، سد فجوة عملياتية في هذا المستوى.
بالنسبة إلى سكان عدن، لا تختزل القضية في النجاة من ضربة واحدة. فالمطار منفذ للسفر والعلاج والدراسة والعمل، وتعطيله ولو مؤقتاً يفرض أعباء على أشخاص لا يملكون بديلاً سهلاً. والمسافر الذي تتحول رحلته إلى مدينة أخرى يتحمل التأخير والكلفة والقلق، بينما تواجه شركات الطيران قراراً أصعب بشأن استمرار التشغيل. وقد تستأنف الحركة سريعاً، لكن استعادتها لا تمحو أثر الاستهداف في الثقة، ولا تقدم ضمانة بأن الرحلات التالية ستكون بمنأى عن الخطر.
جاء الهجوم بعد انتقال التحضيرات العسكرية إلى عملية معلنة باسم «فجر اليمن». وسبق الإعلان الرسمي خطاب لرشاد العليمي عن بدء العمليات لاستعادة الأراضي ومؤسسات الدولة، ثم توالت الأخبار عن تحركات على الساحل والجبهات الداخلية. لم تعد المسألة، كما كانت في النسخة السابقة من هذا التقرير، استعداداً لعملية محتملة. أصبحت هناك حملة قائمة يمكن فحصها على أساس ما حققته، وما تعثرت فيه، ومدى قدرتها على حماية المناطق التي تعتمد عليها، بعيداً عن السقف المرتفع الذي رافق إعلانها.
لكن الأخبار لا تقدم حتى الآن حصيلة تسمح باعتبار العملية حسماً عسكرياً، كما لا تكفي وحدها للحكم بانتهاء فرصها. هناك تقدم معلن في مواقع ساحلية، يقابله خبر عن توقف مؤقت للزحف نحو المخا، ومعارك مستمرة وضربات حوثية على مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك. والأدق أن العملية تواجه اختباراً مبكراً بين الاحتفاظ بالمكاسب وتوسيعها. فالتقدم الذي لا تصحبه قدرة على تأمين الطرق والإمداد يمكن أن يتحول إلى انتشار مكلف، بدلاً من أن يكون بداية لاستعادة مستقرة.
نقلت «عدن الغد»، صباح الأربعاء، عن الصحافي فارس الحميري معلومات عن سيطرة القوات المشتركة على مطار ذوباب العسكري ومعسكر العمري ومناطق أخرى، مع وقف مؤقت للتقدم المباشر نحو المخا بسبب كثافة الألغام والحواجز. وأوردت أن التوقف يستهدف تثبيت السيطرة واستمرار التمشيط. هذه رواية ميدانية محددة ينبغي نسبتها إلى صاحبها؛ فهي لا تعني توقف جميع العمليات، ولا تثبت بمفردها اكتمال السيطرة على كامل المنطقة الساحلية أو انتهاء قدرة الحوثيين على القتال فيها.
وفي تغطيتها يوم الأربعاء، قالت رويترز إن إعلان الوصول إلى المخا يوم الاثنين كان مبكراً، وفق مسؤولين عسكريين ميدانيين ومحللين. وهذه ملاحظة جوهرية في تقييم الخطاب الذي صاحب العملية. فالفرق بين الاقتراب من مدينة والوصول إليها والسيطرة عليها ليس تفصيلاً لغوياً. لكل وضع متطلبات ونتائج مختلفة، وقد يؤدي تجاوز هذه الفروق إلى بناء توقعات سياسية وإعلامية لا تسندها الوقائع، ثم إلى تراجع الثقة حين يتبين أن المعركة لم تصل إلى المرحلة المعلنة.
تحتاج السعودية، بصفتها الداعم الرئيسي للحملة، إلى التعامل مع هذه الفجوة باعتبارها مشكلة في إدارة الحرب، لا مجرد مبالغة إعلامية يمكن تجاوزها. فإعلان أهداف واسعة ثم تقديم مكاسب محدودة على أنها تحول حاسم يرفع سقف التوقعات، ويجعل أي توقف يبدو انتكاسة أكبر مما هو عليه. وفي المقابل، لا يجوز استخدام الألغام والتضاريس ذريعة عامة تعفي القيادة من تفسير استعداداتها. هذه عقبات متوقعة في الساحل، وكان يفترض أن تدخل في حساب الموارد والوقت ومراحل التنفيذ.
تفرض جغرافية ذوباب والمناطق المرتفعة شرق الساحل شروطها على الحركة. فالسيطرة على السهل الساحلي لا تكفي إذا بقيت المرتفعات المطلة عليه مصدر تهديد، كما أن استعادة طريق لا تضمن استمرار استخدامه إذا ظلت مداخله معرضة للنيران. ولهذا تتوقف قيمة المكاسب على تأمين عمقها، لا على ظهورها في خريطة ملونة. وتبدو معركة تثبيت المواقع، وإزالة الألغام، وتنظيم الإمداد والإخلاء الطبي، أقل حضوراً في العناوين، لكنها قد تحدد مصير العملية أكثر من الاندفاع الأول.
يظهر اسم قوات العمالقة في الأخبار عن قيادة الهجوم الساحلي وعمليات التمشيط. وهذا يعيد طرح موقع القوات الجنوبية في حملة تُقدم بأهداف وطنية وإقليمية واسعة. فالمشاركة العسكرية تحمل كلفة بشرية ومادية، وتحتاج إلى وضوح بشأن القيادة والغاية والحقوق السياسية للمجتمع الذي يقدم المقاتلين. ولا تستطيع الدعوة إلى توحيد الصف تأجيل هذه الأسئلة إلى ما بعد المعركة، لأن طريقة توزيع الأعباء والمكاسب جزء من شروط استمرار التحالف، وليست قضية منفصلة عن أدائه.
تواجه الرياض هنا مشكلة سياسية تتجاوز توافر القوات. فالتحالف القادر على القتال لا يُبنى بالتمويل والتسليح وحدهما، بل بعلاقة تتيح للشركاء معرفة ما الذي يقاتلون من أجله، وما الذي سيترتب على نجاحهم. وإذا عوملت القوى المحلية باعتبارها أدوات لتنفيذ هدف سعودي، دون ضمانات واضحة بشأن مصالحها وأمن مناطقها، فإن الانضباط المؤقت لا يتحول بالضرورة إلى شراكة مستقرة. وتصبح كل جولة جديدة فرصة لعودة الخلافات التي جرى تأجيلها باسم أولوية الحرب.
يضيف قصف عدن سبباً مباشراً لهذه المخاوف. فالقوات التي تتحرك بعيداً عن مناطقها تحتاج إلى الاطمئنان إلى أن أسرها ومرافق مدنها لا تُترك مكشوفة. ومن الصعب مطالبة المجتمع بتقبل كلفة التقدم على الساحل بينما يشاهد مطاره يتعرض للاستهداف، ثم يسمع تفسيراً يقتصر على إدانة الحوثيين. المسؤولية المباشرة عن إطلاق الصواريخ لا تلغي مسؤولية من يدير الحملة عن الاستعداد للرد المتوقع، وحماية المناطق التي تستخدم لإسنادها، وتقديم تفسير علني لمستوى الحماية المتاح.
على الجبهات الداخلية، أورد «يمن مونيتور» خريطة للقتال تمتد من ريف تعز وباب المندب إلى مأرب والجوف وحرض وميدي. تعكس هذه الصورة تعدد مناطق الاشتباك، لكنها لا تعني أن جميع المحاور تعمل بإيقاع واحد أو تحت مستوى متساوٍ من التنسيق. وقد يساعد الضغط المتزامن في تشتيت قوات الحوثيين، لكنه يفرض في المقابل عبئاً على القيادة والإمداد. لذلك لا يمكن تحويل عدد الجبهات المفتوحة إلى دليل تلقائي على قوة الحملة أو اقتراب نهايتها.
وفي تعز، استمر سقوط المدنيين وسط المواجهات. نقل «المصدر أونلاين» يوم الأربعاء إصابة خمسة أشخاص بقصف حوثي على أحد الأحياء السكنية، واستقبالهم في مستشفى الثورة. ويضاف هذا الخبر إلى وقائع سابقة تناولها التقرير الأول عن ضحايا في مناطق مختلفة من المحافظة. لا ينبغي جمع هذه الحصائل دون سجل زمني واضح، لكن تكرر الأخبار يبين أن القتال يضغط على السكان والخدمات الصحية، وأن قدرة المؤسسات على استقبال المصابين تصبح جزءاً من قدرة المجتمع على تحمل استمرار الحرب.
تزداد خطورة الوضع حين تتداخل طرق الإمداد العسكري مع الطرق التي يعتمد عليها المدنيون. فتعطيل الحركة بين التجمعات السكانية يرفع أسعار النقل ويؤخر وصول السلع، ويجعل الوصول إلى المستشفى قراراً محفوفاً بالمخاطر. ولا تظهر هذه النتائج دائماً في التقارير اليومية، التي تركز على السيطرة والخسائر القتالية. غير أنها تتراكم بسرعة، ويمكن أن تضعف البيئة الاجتماعية المحيطة بالقوات حتى عندما تحتفظ الأخيرة بمواقعها، لأن السكان يقيسون الأمن بقدرتهم على مواصلة الحياة.
في السعودية، أعلن التحالف الأربعاء اعتراض صاروخ باليستي شمال الرياض وآخر باتجاه خميس مشيط، وفق ما نقلته المصادر المحلية عن المتحدث تركي المالكي. وفي المقابل، أعلن الحوثيون استهداف مطارات ومواقع سعودية بصواريخ ومسيّرات. ينبغي إبقاء إعلان الاستهداف منفصلاً عن إثبات الإصابة أو الأضرار. لكن استمرار الإطلاق نفسه يوضح أن بدء الحملة البرية لم يوقف فوراً قدرة الجماعة على الرد، وأن السعودية تواجه معركة اعتراض وحماية بالتوازي مع دعم العمليات داخل اليمن.
تكشف مقارنة هذه الأخبار بقصف عدن اختلافاً في المعلومات المنشورة عن الحماية. ففي السعودية توجد بيانات محددة عن اعتراض صواريخ، بينما تتحدث بيانات عدن عن وصول الصواريخ وإجراءات الإخلاء. لا تكفي المقارنة لإحصاء قدرات البلدين، لكنها تفرض سؤالاً عن ترتيب الأولويات: كيف تُحمى المدن والمنشآت التي ترتبط مباشرة بالحملة؟ وما مقدار الدعم المخصص لذلك؟ لا تتعلق القضية بالمساواة في الإمكانات، بل بوجود خطة تناسب المخاطر، وتمنع تحويل الجنوب إلى مجال يتحمل نتائج التصعيد دون حماية كافية.
اقتصادياً، لا تعني الهجمات أن تدفق النفط توقف أو أن السوق فقد جميع البدائل. فقد نقلت رويترز الأربعاء عن وزير الطاقة السعودي ارتفاع تدفقات خط الشرق والغرب إلى 5.8 مليون برميل يومياً، وأوردت بقاء خام برنت فوق مئة دولار للبرميل مع موازنة المستثمرين بين تحسن الإمدادات ومخاطر التعطل. تقدم هذه البيانات صورة مركبة: قدرة على استعادة التدفق، يقابلها استمرار القلق بشأن استدامته. ومن الخطأ اختزال الوضع في انهيار كامل أو عودة مكتملة إلى الاستقرار.
يزيد الاعتماد على منافذ البحر الأحمر أهمية أمن الساحل والموانئ وطرق الوصول إليها. فاستعادة ضخ النفط عبر خط بري لا تنهي المشكلة إذا بقي التحميل والإبحار عرضة للتهديد. وتحتاج سلسلة التصدير إلى انتظام في مراحلها المختلفة، من المنشأة إلى الناقلة ثم الممر البحري. وفي هذا السياق، يصبح باب المندب جزءاً من حساب الاقتصاد السعودي، ويصبح استمرار قدرة الحوثيين على تهديد السفن ورقة ضغط تتجاوز المكاسب المحلية التي حققتها الجماعة على الأرض.
لكن وصف هذه الورقة يحتاج إلى دقة. فوجود الحوثيين في مواقع قريبة من المضيق، والقدرة على مراقبة الحركة أو إطلاق مقذوفات، لا يساويان إدارة جميع السفن العابرة أو إغلاق الممر بصورة كاملة. وقد يستمر العبور مع ارتفاع الخطر، وقد تغير بعض الشركات مساراتها بينما تواصل أخرى العمل. ولذلك يجب تقييم سلامة الملاحة من خلال بيانات الحركة والتنبيهات وقرارات التشغيل، إلى جانب نتائج المعارك. فالسيطرة البرية عنصر مؤثر، لكنها ليست المؤشر الوحيد.
وبالمثل، فإن استعادة مناطق قرب باب المندب لا تعني وحدها انتهاء التهديد البحري. قد تنخفض قدرة الجماعة على الرصد أو المناورة في موقع معين، بينما تبقى لديها وسائل إطلاق من مواقع أخرى. والمطلوب من الحملة، إذا كانت تستهدف تأمين الممر، هو أثر قابل للقياس في مستوى المخاطر، لا مجرد إعلان الوصول إلى الساحل. هذا يضع القيادة أمام ضرورة ربط المكاسب العسكرية بخطة حماية مستمرة، تستطيع شركات النقل والطواقم أن تستند إليها في قراراتها.
لا يثبت الرصد الحالي وقوع هجوم جديد على سفينة داخل خليج عدن خلال الساعات الأخيرة، ولذلك لا يصح تقديم قصف المطار باعتباره حادثاً بحرياً. إلا أن عدن تجمع وظائف جوية وبحرية ولوجستية تجعل استقرارها مؤثراً في البيئة المحيطة بالملاحة. فاضطراب حركة السفر والإمداد يزيد تعقيد إدارة المنطقة، ويكشف أن أمن الممرات لا يمكن فصله تماماً عن أمن المدن التي تخدمها. وهنا تتسع مسؤولية الحملة من الجبهة الساحلية إلى مرافق خلفية تحتاج إلى حماية وتنظيم.
يبقى الموقف الأمريكي عاملاً أساسياً في حدود هذه المسؤولية. فقد أظهرت التقارير السابقة تحفظاً على المشاركة القتالية المباشرة، مع استمرار الدعم في مجالات أخرى. ولا يقدم الرصد الجديد أساساً كافياً لإعلان تحول واشنطن إلى شريك مباشر في الضربات. لذلك يتعين على السعودية بناء خطتها على الموارد والالتزامات المعلنة، لا على افتراض أن الولايات المتحدة ستتدخل تلقائياً إذا تعثرت العمليات أو ازدادت الهجمات. فالاعتماد على احتمال غير محسوم يترك فجوة في حساب الكلفة.
قد تتشارك واشنطن والرياض الرغبة في خفض الخطر على الملاحة، لكن ذلك لا يضمن تطابق أهدافهما داخل اليمن. يمكن أن تركز الولايات المتحدة على استمرار المرور ومنع اتساع المواجهة، بينما ترى السعودية أن تحسين وضعها الميداني ضروري لخفض التهديدات. وتختلف القوى المحلية بدورها في تصور النتيجة السياسية. هذه الفروق ليست تفصيلاً يمكن محوه بالشعارات؛ إنها تحدد مدى استعداد كل طرف لتحمل حرب طويلة، ونوعية الترتيبات التي قد يقبلها عندما تبدأ كلفتها بالارتفاع.
تسعى الجماعة الحوثية، من خلال ضرب المطارات والمنشآت والإمدادات، إلى نقل الضغط بعيداً عن المواقع التي تتعرض للهجوم. وهذا تفسير لاتجاه العمليات المعلنة، لا إثبات لنجاح جميع أهدافها. فإجبار الخصم على توزيع موارده بين الجبهة والدفاع عن منشآته يمكن أن يبطئ الحملة أو يزيد كلفتها، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى تصعيد أكبر. لذلك لا تعطي القدرة على إطلاق الصواريخ جواباً نهائياً عن نتيجة الحرب، وإن كانت تمنع تصويرها بوصفها تقدماً برياً لا يواجه رداً.
وفي المقابل، لا تستطيع السعودية معالجة هذا التحدي بالغارات وحدها. تحتاج الحملة إلى معلومات دقيقة عن مصادر التهديد، وقدرات دفاعية، وقوات أرضية قادرة على الاحتفاظ بالمواقع، وشراكة سياسية تمنع تفكك الإسناد المحلي. وإذا ضعف أحد هذه العناصر، قد تستمر العمليات دون تحقيق الهدف المعلن. وهذا هو موضع النقد الأهم لإدارة الملف: الفجوة بين حجم التدخل وطول مدته، وبين القدرة على إنتاج ترتيبات أمنية وسياسية مستقرة، تحمي السكان وتقلل الحاجة إلى جولات جديدة.
الحكومة اليمنية مطالبة بدورها بتقديم معلومات تتجاوز بيانات الإدانة والتأكيد على استمرار العمل. أوردت الجزيرة اجتماعاً لرئيس الوزراء في عدن مع وزراء لبحث تطورات العملية والهجوم على المطار. لكن الجمهور يحتاج إلى نتائج عملية: وضع الرحلات، وحجم الأضرار، وإجراءات الحماية، وخطط التعامل مع تكرار الهجمات. فوجود السلطة في موقع الأزمة يحمل مسؤولية مباشرة عن إدارة الخدمات والإفصاح، ولا يعفيها الاعتماد العسكري على السعودية من تقديم إجابات تخص حياة المواطنين.
وتحتاج هذه الإجابات إلى وضوح في الحدود بين الأمن والمعلومات العامة. حماية التفاصيل العملياتية لا تستوجب حجب وضع المرافق المدنية أو منع السؤال عن تجهيزاتها. كما أن مكافحة الشائعات لا تتحقق بتكرار الرواية الرسمية وحدها، بل بنشر معلومات يمكن فحصها وتصحيحها. وفي حادث قريب من كارثة جوية، يصبح الإعلان الدقيق عن الإجراءات والنتائج وسيلة لخفض الخوف، بينما يترك الغموض مساحة لروايات متضاربة قد تزيد الارتباك لدى المسافرين والسكان.
لم تُتح في هذا التحديث مواد حديثة من وكالة أنباء حضرموت يمكن التحقق من تواريخها ونصوصها، ولذلك لم تُنسب إليها أخبار استناداً إلى نتائج قديمة. يستند الرصد المحلي إلى مواد متاحة من عدن الغد والمصدر أونلاين ويمن مونيتور، مع مقارنة الروايات الحوثية والتغطية الدولية. وهذه الحدود مهمة لفهم نطاق التقرير؛ فهو يقدم قراءة للتطورات العسكرية والأمنية والاقتصادية البارزة، ولا يدعي الإحاطة بجميع أخبار المحافظات أو جميع ما نشرته المنصات خلال اليوم.
أما المؤشرات التي ستحدد اتجاه المرحلة المقبلة، فتبدأ بقدرة القوات على تثبيت ما أعلنته من سيطرة، واستئناف التقدم بعد معالجة الألغام، وحماية طرق الإمداد. ويأتي معها خفض قدرة الحوثيين على استهداف عدن والمنشآت السعودية، وانتظام الرحلات والتصدير والملاحة. إذا بقيت هذه المؤشرات ضعيفة، فلن تعوضها كثافة البيانات العسكرية. وإذا تحسنت، سيكون ذلك أساساً أكثر جدية لتقييم العملية من العناوين التي تعلن انتصاراً واسعاً قبل استكمال شروطه على الأرض.
لا تمنح حصيلة الأيام الأولى الرياض فرصة لتقديم «فجر اليمن» بوصفها نهاية للأزمة. فهي تظهر مكاسب معلنة وتوقفاً في مسار التقدم، وقدرة حوثية مستمرة على نقل التهديد إلى الخلف، ومرافق مدنية تبحث عن الحماية. ويستدعي ذلك مراجعة لما تستطيع الحملة تحقيقه فعلاً، وكيف يرتبط هدفها العسكري بترتيب سياسي يحمي الشركاء المحليين. فاستعادة موقع دون معالجة العلاقة مع المجتمع الذي يسنده قد تؤجل المشكلة، لكنها لا تقدم حلاً قابلاً للاستمرار.
يقف قصف عدن في نهاية هذه الصورة بوصفه اختباراً لصدقية وعود الحماية. فقد تحولت المدينة، في ليلة واحدة، من قاعدة لإسناد العمليات إلى مكان تُخلى فيه صالات السفر وتُحوّل عنه رحلة مدنية خشية الصواريخ. المسؤولية عن إطلاقها تقع على الحوثيين، والمسؤولية عن تقليل فرص وصولها تقع على الجهات التي تدير الحرب وتملك قرار الإسناد والحماية. وما لم تجب السعودية والسلطة اليمنية عن هذا الجانب، سيظل الجنوب يدفع كلفة حملة تتجاوز جبهاته، بينما ينتظر ضمانات لأمنه لم تتحول بعد إلى واقع يطمئن إليه السكان.



