غارة أمريكية وقلق أمني متصاعد..
مقتل عنصر في القاعدة شرق المكلا وتسليم السجن المركزي لقوات ممولة سعودياً
قتلت غارة أمريكية عنصراً في تنظيم القاعدة وأصابت آخر بجروح بليغة شرق المكلا، بالتزامن مع تسليم السجن المركزي إلى قوات الطوارئ اليمنية الممولة سعودياً، في خطوة أثارت مخاوف محلية من إطلاق معتقلين متورطين في قضايا إرهابية وعودة نشاط التنظيم إلى ساحل حضرموت.
تصاعد دخان كثير عقب الضربة الأمريكية على عنصرين من تنظيم القاعدة الإرهابي - أرشيف
قُتل عنصر في تنظيم القاعدة وأصيب آخر بجروح بليغة، ظهر الخميس، إثر غارة نفذتها طائرة أمريكية من دون طيار واستهدفت المركبة التي كانا يستقلانها في منطقة المعاوص شرق مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت.
وقالت مصادر طبية لـ«اليوم الثامن» إن صاروخاً أصاب المركبة بصورة مباشرة، ما أدى إلى مقتل أحد العنصرين واحتراق جثته داخلها، بينما قذفت شدة الانفجار بالعنصر الآخر إلى الشارع، قبل أن يسعفه عدد من المارة وينقلوه لتلقي العلاج.
وسُمع دوي ثلاثة انفجارات في مناطق متفرقة من المكلا، فيما تحدثت مصادر محلية عن إطلاق الطائرة المسيّرة أكثر من صاروخ باتجاه المركبة. ولم تتضح حتى الآن هوية القتيل والمصاب أو موقعهما داخل الهيكل التنظيمي لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يُعد أحد أشد فروع التنظيم تطرفاً ونشاطاً في المنطقة.
ولم تصدر القيادة المركزية الأمريكية أو السلطات المحلية في حضرموت بياناً رسمياً بشأن العملية، غير أن مصادر «اليوم الثامن» أكدت أن الغارة نُفذت بطائرة أمريكية مسيّرة، وأن المستهدفين مرتبطان بتنظيم القاعدة.
وتزامنت الغارة مع تطور أمني آخر أثار مخاوف داخل السلطة المحلية في حضرموت، بعد تسليم السجن المركزي في مدينة المكلا رسمياً إلى قوات الطوارئ اليمنية، وهي تشكيل مسلح تموله السعودية.
وقالت مصادر في السلطة المحلية لـ«اليوم الثامن» إن السجن يضم عشرات المعتقلين المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم القاعدة، وبينهم متهمون بالتورط في هجمات وجرائم إرهابية ارتُكبت منذ عام 2016، وهو العام الذي انتهت فيه سيطرة التنظيم على مدينة المكلا وساحل حضرموت.
وأبدت المصادر خشيتها من أن يؤدي نقل إدارة السجن إلى الإفراج عن عناصر متهمة بقضايا إرهابية، أو تخفيف الإجراءات المفروضة عليها، في ظل التحولات التي شهدها الملف الأمني في حضرموت منذ الحرب السعودية على الجنوب في الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي.
وقال مسؤول محلي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «تسليم السجن المركزي إلى قوات الطوارئ اليمنية يضع عشرات العناصر المتورطة في قضايا إرهابية أمام احتمال الخروج من المعتقل»، منتقداً ما وصفه بالصمت الدولي، ولا سيما الأمريكي، تجاه تفكيك منظومة مكافحة الإرهاب التي حافظت على أمن ساحل حضرموت خلال السنوات الماضية.
وأضاف المسؤول أن الغارات الأمريكية المنفردة «لن تحقق نتائج دائمة ما دامت البيئة الأمنية في حضرموت أصبحت مهيأة مجدداً لعودة نشاط الجماعات المتطرفة»، معتبراً أن ملاحقة عناصر التنظيم من الجو لا تعوض غياب القوات المحلية المتخصصة في جمع المعلومات وتأمين المدن وملاحقة الخلايا على الأرض.
وكان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي نشأ من اندماج فرعي التنظيم في اليمن والسعودية، قد سيطر على مدينة المكلا في أبريل/نيسان 2015، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة واتساع الحرب التي أعقبت سيطرة الحوثيين على صنعاء.
وحكم التنظيم المكلا وأجزاء واسعة من ساحل حضرموت لنحو عام، وسيطر خلال تلك الفترة على الميناء ومؤسسات حكومية وموارد مالية، قبل أن تطلق قوات النخبة الحضرمية، بإسناد من دولة الإمارات، عملية عسكرية وأمنية انتهت بطرد عناصره من المدينة في أبريل/نيسان 2016.
ومنذ ذلك الحين، لعبت قوات النخبة الحضرمية دوراً محورياً في تأمين المكلا والساحل وملاحقة خلايا التنظيم، وظلت المدينة بعيدة إلى حد كبير عن النشاط العلني للجماعات المتطرفة.
غير أن مصادر محلية تقول إن المشهد بدأ يتغير بعد الحرب التي شنتها السعودية على الجنوب مطلع يناير/كانون الثاني 2026، وما ترتب عليها من تفكيك قوات النخبة الحضرمية وإعادة توزيع المسؤوليات الأمنية على تشكيلات جديدة تفتقر إلى خبرة مماثلة في مكافحة الإرهاب.
وتثير عودة الضربات الأمريكية إلى محيط المكلا أسئلة عن حجم نشاط القاعدة في ساحل حضرموت، وما إذا كان التنظيم قد أعاد بناء شبكاته مستفيداً من الفراغ الذي خلفه تفكيك القوات المحلية التي تولت مواجهته خلال العقد الماضي.
كما يضع تسليم السجن المركزي إلى تشكيل ممول سعودياً ملف المعتقلين المتهمين بالإرهاب أمام اختبار بالغ الحساسية، خصوصاً في غياب إعلان رسمي يوضح آلية التسليم، والضمانات المتعلقة ببقاء المتهمين داخل السجن، والجهة القضائية والأمنية المسؤولة عن ملفاتهم.
وتكشف الغارة، في الوقت نفسه، حدود المعالجة الجوية الأمريكية لخطر التنظيم. فقتل قيادي أو عنصر ميداني قد يعطل خلية أو عملية مؤقتاً، لكنه لا يعيد بناء أجهزة الاستخبارات المحلية، ولا يحمي السجون، ولا يمنع عودة التنظيم إلى المناطق التي تضعف فيها سلطة القوات المتخصصة.
وبينما تستمر واشنطن في استهداف عناصر القاعدة من الجو، تحذر مصادر محلية من أن التفكك الأمني على الأرض قد يمنح التنظيم فرصة لإعادة التموضع في حضرموت. وتبدو المفارقة واضحة: طائرة أمريكية تلاحق عنصرين شرق المكلا، في الوقت الذي تنتقل فيه إدارة سجن يضم عشرات المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم إلى قوة جديدة لا تزال طبيعة ترتيباتها الأمنية والرقابية غير معلنة.



