هجمات عدن تكشف خيارات الجماعة البديلة..
باكستان تتجاوز «خطوط الدعم».. مقاتلات إسلام آباد تدخل الحرب الجوية ضد الحوثيين
«كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مشاركة مقاتلات باكستانية في عمليات هجومية ضد مواقع الحوثيين، بالتزامن مع انتشار عسكري يقدّر بنحو ثمانية آلاف جندي داخل السعودية. ويتركز الدور على إضعاف الصواريخ والمسيّرات وحماية منشآت الطاقة، مع استبعاد انخراط القوات الباكستانية في حرب برية داخل اليمن.»
مقاتلات باكستانية تضرب أهدافاً للحوثيين لصالح الرياض
دخلت باكستان مرحلة أعمق من المشاركة العسكرية في الحرب ضد جماعة الحوثيين، بعد انتقال دورها من الدعم الاستخباراتي واللوجستي والدفاعي إلى تنفيذ عمليات جوية هجومية داخل اليمن، وفق ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول عسكري باكستاني.
وقال المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية المعلومات العملياتية، إن مقاتلات تابعة لسلاح الجو الباكستاني تشارك في نشاط هجومي يستهدف مواقع وقدرات عسكرية للحوثيين.
ويمثل هذا التطور تحولاً في طبيعة الدور الباكستاني، الذي ظل خلال المراحل السابقة مرتبطاً بتدريب القوات السعودية وتقديم الخبرات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية والمشاركة في حماية منشآت المملكة.
وتشير المشاركة الجوية إلى أن إسلام آباد قررت الانتقال من مساندة الرياض في إدارة التهديد إلى المساهمة المباشرة في ضرب مصادره داخل اليمن، مع إبقاء تدخلها دون مستوى الحرب البرية.
وفي السياق نفسه، أفادت قناة «الحدث» السعودية بتنفيذ ضربات جديدة استهدفت مواقع للحوثيين، نقلاً عن مصادر محلية في الحديدة وصنعاء.
وقالت مصادر في صنعاء إن ضربات دقيقة استهدفت معسكراً للجماعة في منطقة بني مطر، الواقعة غرب العاصمة، إلى جانب مواقع في سلسلة جبلية بمنطقة مكيراس في محافظة البيضاء.
ولم تكشف التقارير عن هوية جميع الطائرات التي نفذت الضربات أو طبيعة الأهداف التي جرى تدميرها، غير أن تزامن العمليات مع الكشف عن المشاركة الباكستانية يضع سلاح الجو الباكستاني ضمن القوة الجوية العاملة ضد الحوثيين.
ونقلت الصحيفة الأميركية عن العقيد ديفيد أو. سميث، الملحق العسكري الأميركي السابق في باكستان والمسؤول السابق في وكالة استخبارات الدفاع، أن تقديرات متداولة بين محللين وجهات أمنية تشير إلى نشر نحو ثمانية آلاف جندي باكستاني في السعودية.
وأوضح سميث أن الرقم لا يستند إلى معلومات سرية يمتلكها شخصياً، لكنه يمثل تقديراً متداولاً لحجم الانتشار الباكستاني في المملكة.
ويضم الانتشار أفراداً من سلاح الجو ووحدات متخصصة في الدفاع الجوي، في وقت تواجه فيه السعودية هجمات متزايدة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة القادمة من مناطق سيطرة الحوثيين.
وتتمثل إحدى المهام الأساسية للقوات الباكستانية في حماية منشآت النفط والطاقة والمطارات والقواعد العسكرية السعودية، بعدما أظهرت الهجمات الحوثية قدرة على الوصول إلى أهداف تقع بعيداً عن الحدود اليمنية.
ويمنح وجود وحدات الدفاع الجوي الباكستانية الرياض قوة إضافية لتشغيل أنظمة الرصد والاعتراض، وتخفيف الضغط على منظومات الدفاع السعودية التي تواجه هجمات متكررة ومتزامنة من اتجاهات مختلفة.
كما يوفر سلاح الجو الباكستاني خبرة عملياتية في تنفيذ الضربات بعيدة المدى والتعامل مع الأهداف المتحركة والمواقع الصاروخية، وهي قدرات تحتاج إليها السعودية لملاحقة منصات الحوثيين قبل إطلاقها الصواريخ والمسيّرات.
وقال مسؤول باكستاني آخر لـ«نيويورك تايمز» إن دور بلاده يركز على إضعاف القدرات الصاروخية والجوية غير المأهولة للحوثيين، من خلال العمليات الجوية، وليس المشاركة في اجتياح بري أو نشر وحدات قتالية داخل اليمن.
ويكشف هذا التحديد محاولة باكستان رسم حدود واضحة لمشاركتها، بحيث تقدم دعماً عسكرياً مؤثراً للسعودية من دون الانجرار إلى حرب برية طويلة في الجغرافيا اليمنية المعقدة.
ورجح سميث أن تتجنب القوات الباكستانية العمليات البرية المباشرة، بالنظر إلى كلفتها العسكرية والسياسية، وإلى رغبة إسلام آباد في الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفها الاستراتيجي مع السعودية وعلاقتها بإيران.
وترتبط باكستان بحدود طويلة وحساسة مع إيران، وتواجه الدولتان مشكلات أمنية مشتركة تتصل بالجماعات المسلحة والتهريب في المناطق الحدودية، ما يجعل المواجهة المفتوحة مع حليف إيراني خياراً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى إسلام آباد.
ولهذا يبدو أن القيادة الباكستانية اختارت نموذجاً يقوم على حماية السعودية وضرب القدرات الحوثية التي تهددها، مع تجنب إرسال قوات إلى جبهات القتال البرية أو الظهور طرفاً في محاولة السيطرة على مناطق يمنية.
غير أن العمليات الجوية، حتى من دون قوات برية، تجعل باكستان طرفاً مباشراً في الصراع، وتضع قواعدها وطائراتها ومصالحها ضمن حسابات الحوثيين وحلفائهم الإقليميين.
ويأتي الكشف عن المشاركة الباكستانية بينما يواصل الحوثيون توسيع نطاق عملياتهم. فقد أطلقت الجماعة، الأربعاء، صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مطار عدن وقاعدة بدر العسكرية، في هجوم استهدف مناطق خاضعة لسيطرة حكومة المنفى اليمنية.
وفي الوقت نفسه، أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ آخر شمال الرياض، ما يعكس اتساع خريطة الاستهداف الحوثي من عدن جنوباً إلى عمق الأراضي السعودية شمالاً.
ويبرز التزامن بين الهجومين تفاوتاً واضحاً في منظومة الحماية؛ فبينما تتجه وحدات دفاع جوي باكستانية إلى حماية منشآت النفط والمطارات السعودية، بقيت عدن من دون منظومة دفاع صاروخي قادرة على اعتراض الهجمات الحوثية قبل وصولها إلى القاعدة العسكرية والمطار المدني.
وتتحمل السعودية، بصفتها الدولة المسيطرة على القرار العسكري والأمني داخل مناطق حكومة المنفى، مسؤولية ترك عدن مكشوفة أمام الصواريخ والمسيّرات، رغم وجود قوات سعودية وباكستانية في قاعدة بدر ومحيط المطار.
كما يكشف الهجوم على عدن أن توسيع العمليات الجوية ضد الحوثيين لا يمنع الجماعة من الرد على مناطق بعيدة، وقد يدفعها إلى استهداف مدن ومنشآت تفتقر إلى أنظمة الاعتراض، بدلاً من الاقتصار على ضرب المواقع السعودية المحمية.
وتأتي المشاركة الباكستانية بالتزامن مع تفعيل التحالف العسكري الجديد الذي يجمع السعودية وباكستان وتركيا بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تعتبر أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الأطراف جميعاً.
وكانت الدول الثلاث قد بدأت بناء لجان سياسية وعسكرية وأمانة عامة دائمة في السعودية، بالتوازي مع اجتماعات لرؤساء الأركان هدفت إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية وتكامل القدرات الدفاعية.
وتشير العمليات الجديدة إلى أن الاتفاقية بدأت تنتقل من مرحلة إنشاء المؤسسات وإعلان التضامن إلى التطبيق الميداني، عبر مشاركة سلاح الجو الباكستاني ووحدات الدفاع الجوي في مواجهة التهديد الحوثي.
ولا تزال طبيعة المشاركة التركية غير واضحة، لكن أنقرة تمتلك قدرات مهمة في الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية والصناعات الدفاعية، وقد تقدم للسعودية دعماً تقنياً أو عملياتياً إذا استمر التصعيد.
وتمنح مشاركة باكستان الرياض قدرة على توزيع عبء العمليات بين أكثر من حليف، بعدما امتنعت الولايات المتحدة عن العودة إلى حملة عسكرية شاملة ضد الحوثيين، واكتفت بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم دعم محدود للمملكة.
لكن الاعتماد على الطائرات الباكستانية لا يعالج وحده الخلل الذي أصاب المعسكر المناهض للحوثيين داخل اليمن، ولا يعوض تفكك القوى التي كانت تسيطر على الساحل الغربي وتشارك في حماية باب المندب.
فالضربات الجوية تستطيع تدمير مخازن ومنصات إطلاق ومعسكرات، لكنها لا تستطيع استعادة الأراضي أو بناء خطوط دفاع محلية مستقرة من دون قوة برية متماسكة تمتلك قيادة موحدة وهدفاً سياسياً واضحاً.
وفي هذا السياق، تثار تساؤلات بشأن الجهة التي ستوفر المعلومات اللازمة لاختيار الأهداف، والقواعد التي تنطلق منها المقاتلات الباكستانية، وهوية القيادة التي تصدر أوامر الضرب، ومدى ارتباط العمليات الجديدة بخطط التحالف الذي تقوده السعودية.
كما أن دخول طرف خارجي جديد إلى الحرب قد يزيد تعقيدها إذا لم يقترن بمسار سياسي واضح، خصوصاً أن الحوثيين سيستخدمون المشاركة الباكستانية لتقديم الصراع باعتباره مواجهة مع تحالف دولي أوسع.
وبالتوازي مع الدور الباكستاني، تحدثت تقارير عن اتصالات بين السعودية وسوريا بشأن إرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في العمليات ضد الحوثيين.
وقالت التقارير إن الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم أحمد الجولاني، يدرس طلباً سعودياً لإرسال عشرات الآلاف من الجنود السوريين، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً حتى الآن.
ويختلف المقترح السوري عن الدور الباكستاني من حيث طبيعته وكلفته. فبينما تركز إسلام آباد على الدفاع الجوي والضربات من الجو، سيعني إرسال قوات سورية استخدامها في عمليات برية داخل اليمن، بما يفتح أسئلة أمنية وسياسية واسعة بشأن طبيعة هذه القوات ومناطق انتشارها ومصيرها بعد انتهاء القتال.
وقد يؤدي إدخال مقاتلين سوريين إلى تحويل الجنوب إلى نقطة استقبال وتمركز لقوات أجنبية، في وقت يعاني فيه من تدهور أمني وعودة نشاط تنظيم القاعدة وتفكيك وحدات مكافحة الإرهاب المحلية.
كما أن نشر قوات أجنبية في عدن أو محافظات الجنوب من دون موافقة سياسية ومجتمعية محلية يمكن أن يخلق تهديدات طويلة الأمد تتجاوز الهدف المعلن المتمثل في قتال الحوثيين.
وتكشف المقارنة بين الحالتين أن السعودية تبحث عن تحالف عسكري متعدد المستويات: طائرات ووحدات دفاع جوي باكستانية، وقدرات عسكرية وتقنية تركية، وقوات برية سورية محتملة.
غير أن توسيع قائمة المشاركين لا يضمن نجاح الحملة، ما لم يُعالج غياب الاستراتيجية السياسية وتشتت القوات اليمنية المحلية وتناقض أهداف الأطراف التي تخوض الحرب.
ويمثل دخول المقاتلات الباكستانية تحولاً عملياتياً مهماً، لكنه يضع إسلام آباد أمام اختبار صعب بين حماية حليفها السعودي ومنع انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة مع إيران وشبكة حلفائها.
كما يضع الرياض أمام سؤال يتعلق بالهدف النهائي للحملة: هل تقتصر على حماية أراضي المملكة ومنشآتها، أم تهدف إلى إعادة بناء قوة عسكرية قادرة على إضعاف الحوثيين واستعادة المواقع التي خسرتها القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية؟
وفي غياب إجابة واضحة، قد تنجح المقاتلات الباكستانية في تقليص بعض القدرات الحوثية، لكنها لن تحسم حرباً أصبحت أزمتها الأساسية سياسية واستراتيجية بقدر ما هي عسكرية.



