أحمد الجعشاني يكتب لـ(اليوم الثامن):

الاستقلال المزيف

لم اكن اريد الحديث عن هذا الامر .. كنت اعتقد اننا يجب ان نتوقف عن كتابة الماضي ، لأننا سوف نلمس الجراح ، ونوجع انفسنا اكثر مما نشفى منها ، لان الماضي فيه جبال من الحقد والكراهية ، لان من صنعو الثورة والاستقلال من الاستعمار الأجنبي ، قتلو  وسجنوا  عشية الاستقلال بعد التحرر من المستعمر الاجنبي  ، تحررنا من مستعمر اجنبي الى مستعمر وطني  .. او  كما قال البردوني ..
           ( خطئ أكتوبر انقلبت ** حزيرانية الكفن
             ترقئ العار من بيع  ** الى بيع بلا ثمن 
          ومن مستعمر غاز ** الى مستعمر وطني)
و لازلت عند قولي .. وسأظل عند قولي هذا انه لا يجوز الاحتفال بالاستقلال الوطني .. لانه استقلال مزيف .. سرق ودفن بعد الثلاثين من نوفمبر ١٩٦٧م بعد عشية الاستقلال ، رحمة الله على  النعمان حيث قال .. ثورة الامس ماتت بعد مولدها .. ومثلها مات من ضحوا ومن رسموا .. حكامنا اليوم طغيان كسالفهم ... ضعف ما جاروا وما ظلموا ...
 
اذا هل يجوز ان نقول عنه استقلال  .. ان من يعدم ويقتل وينفي  ويعتقل ابناء الوطن بعد الاستقلال،   مباشرة بتهم الخيانه والتأمر ، ماهو الا  استقلال مزيف ولو قيمنا الأمر منذو بداية الاستقلال ، لوجدنا أنه استقلال مزيف ، ليس شرط ان يكون الاستعمار اجنبيا ، هناك استعمار  اخر  ، من الطغاة والمستبدين والظلمه وهم من ابناء الوطن .. ان ماحدث بعد الاستقلال في الجنوب لايمكن ان يوصف بأنه استقلال ، بل استعمار اخر  من  صانعو الثورة ، او من ادعو انهم ثوار ، او من افرطو في النرجسية الثوريه ، وتملكتهم السلطه والنفوذ ، فاصبحو طغاة جدد صنعتها الثورة ، كل من خالفهم الرائ او الفكر ، تمت تصفيتهم  من أبناء الوطن ، ومن قادة الثورة ورموزها ايضا ،  بتهمة الخيانه والعماله للخارج ، قال الزعيم الصيني ماو .. الثورة مثل القطه عندما تشعر بالجوع .. تأكل اولادها ..
 ان  الإشكالية بين الاخوة المناضلين ، والرفقاء اليسارين في الجبهة القوميه ، هي تداعيات من العنجهية الثوريه ، و رفض للحوار مع الاخر وانعدام  الشفافيه ، لايمكن ان تخلق حوار من طرف واحد ، دون مشاركة فعالة في اتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقه ، ان التباين والاختلاف الفكري والعقائدي ، كان جليا واضحا بعد الاستقلال ، بين رفقاء السلاح وصناع الثورة ، والاختلافات الطبقيه بين عامة الشعب ، ماهي الا ضاهرة  طبيعة وانسانيه  في المجتمع ، التباين في الفكر واللون والمستوى الطبقي ، ان تغير البنى الطبقيه  والاجتماعيه داخل الوطن ، بأساليب ريديكاليه ، وادات  ثوريه وقمعيه ، ادت الى تصفية كوادر الخبرة الوطنيه في الجهاز الاداري في الدوله ، وابعاد  جبهة التحرير وبعض القوى الوطنيه من المشهد السياسي ، وتصفيه كل الخبرات  القياديه في الجهاز المدني والعسكري ، بتهمة الخيانة والعماله للخارج ، بل ان تصفية قيادة التنظيم السياسي للجبهة القوميه ، بتهمة الخيانة والعماله للخارج ، غباء سياسي ، قال فرعون لقومه .. ماأريكم الا ما أرى .. دليل واضح  ، ينضج عن فكر احادي متسلط ، فوض نفسه عن الشعب وما  يعتقده ويراه انه الصواب  ، وكل من يخالفه  يهلك او يسجن ، ولهذا نقول ان الاستقلال الوطني لم يكتمل ، ولم تشرق له شمس الحريه ، في عدن و الجنوب عامة .
  ليس التحرر من الاستعمار الاجنبي ، هو الاستقلال الحقيقي ، انما الاستقلال الحقيقي ، هو ان يمنح الشعب الحريه ، ويكون له الحق في الحكم واختيار من يمثله في الحكم ، لكن ضيق الفكر والافق والتحيز في الراى وانعدام الشفافيه  ، هو من  سجن الحريه ،  ان الاستقلال الوطني ، الذي تناضل من أجله الشعوب ، هو الحريه وان يكون لها الحق في الحكم ، والمشاركة في صياغة الدستور واختيار من يمثلها ، ان صيغة  التخوين والتأمر والعماله للخارج ، والتهم التى كان يطلقها فصائل الجبهة القوميه ، على رفقاء دربه في النضال والكفاح ، وعلى أصحاب الرائ ، عند كل خلاف في  التوجه او الفكر ، تسلط فكري مشوش ومغلوط الفهم ، أن حجب حرية الرؤيه الواضحه ، وعدم الشفافيه ، مع بقية المكونات السياسيه ، والطبقيه في المشاركة في صنع القرار ، ما هي الا حرية مجزئها   (ان الحريه لايمكن ان تعطي جرعات .. اما ان تكون حرا .. او لا تكون حرا .) قالها  نيلسون مانديلا وهو في السجن  .. و لايمكن ان تلجم الافواه ، وان تعتقل الثوار في وطن تحرر من الاستعمار ، لاجل الحريه والاستقلال ، لايمكن ان تتصور  أو  تشهد  معاناة هولاء  المناضلين ، في السجون قبل اعدامهم ، حيث كتب  الشهيد المناضل ، عضو اللجنه التنفيذيه لتنظيم الجبهة القوميه ، وله تاريخ طويل من النضال والكفاح المسلح ، لاجل الاستقلال ، علي عبد العليم ، وهو في السجن عن معاناة وقهر السجن ، حيث وصف زنزانته ، بزنزانة الرعب ..  حيث قال (جئت بالامس ارهابيا .. واليوم اعود اليك متأمرا عميلا امريكيا .. تبا لهم وتبا لبانيك .. لا يا بلادي انا لست متامرا .. بل بروحي ودمي سافديك )... قالها وكتبها على جدران السجن .. قبل ان يعدم ، ويلقى عليه تهمة الخيانه والعماله ، وطابور طويل من قادة الثورة امثال قحطان الشعبي ، وفيصل عبداللطيف ، والكثير من القادة الذين اعدمو ، بتهم الخيانه والعماله ، وكان اخرهم  مطيع وسالمين ، وهناك الكثير ايضا ممن غادرو قبل ان تصلهم ايادي الاعتقال  والتصفيه ، ان أبناء عدن والجنوب عامة ليس فيهم من عميل او خائن .. بل هي  تهمة  وتلفيق كاذب ، لمواطنين احرار ، ولكل من يقول لهم   لا  او يخالف لهم رائ ..