د. ساسين عساف يكتب:

التجدّد الحضاري والثنائية الضدّية في منهج الإصلاح العربي

بعد انقطاع أصاب مساره زهاء أربعة قرون كان على الفكر العربي في عصر النهضة، عصر الإصلاح المفقود، أن يرتكز الى قواعد الفكر الغربي أو الى قواعد الفكر السلفي.

الحملة الفرنسية على مصر تركت آثاراً فكرية بارزة. الأثر الأبرز هو الليبرالية التي هي باختصار شديد حرية تفكير وتوجّه في مسائل الفكر العام وحرية ممارسة وتصرّف في مسالك الحياة العامة.

أوروبا الأفكار التنويرية، أوروبا الحرية والعقل، أوروبا الثورة والدستور والديموقراطية لاقت عند بعض المثقّفين العرب قبولاً ووجدوا فيها تجربة نهضوية حضارية من شأنها كما يقول الطهطاوي: " نشر المنافع العمومية واكتساب السبق في ميدان التقدّمية.. " ومن شأنها في حال الأخذ بقواعدها الاصلاحية أن تسهم في بلورة المشروع النهضوي العربي الليبرالي. هؤلاء أسّسوا لمجرى علاقة ايجابية بين الشرق والغرب، بين العرب وأوروبا، فتشكّلت تيّارات فكرية جديدة كالتيّار النشوئي التطوّري الارتقائي المتأثّر بالفلسفة الداروينية ( شبلي الشميّل )  والتيّار الشكّي العقلاني المتأثّر بالفلسفة الديكارتية ( طه حسين )  والتيّار السياسي الليبرالي ( لطفي السيّد )

أوروبا نفسها لاقت عند بعض المثقّفين العرب رفضاً قاطعاً اذ وجد فيها هؤلاء وجهاً بربرياً حاقداً وآلة غزو ديني وحضاري فرفضوا انهزام الفكر العربي الاسلامي أمامها ورفضوا كذلك الانقطاع عن تراثهم والأصول معتبرين أنّ أوروبا المسيحية جاءت هذه المرّة لتنتقم من المسلمين الذين هزموها يوماً بقيادة صلاح الدين.

في حالتي الرّفض والقبول أيقظت أوروبا في الفكر العربي حسّ المقارنة التاريخية بين الأنا والآخر.

فالليبراليون قالوا انّه لا سبيل الى النهضة الاّ الأخذ بالنموذج الحضاري الأوروبي، والسلفيون قالوا انّه لا سبيل الى النهضة الاّ الأخذ بالنموذج الحضاري العربي الاسلامي، أي العودة الى أحوال السّلف الصالح.

نلاحظ هنا تعارضاً فكرياً بين توجّهين داخل المنهج الإصلاحي العربي:

الفكر الليبرالي يركّز على مسألة الاستبداد والتخلّف.

الفكر السلفي يركّز على مسألة الاستعمار والهيمنة.

من مفردات الاتّجاه الأوّل: التحرّر، الحرية، الوطن، الأمة، الدولة، المجتمع، الفرد، الدستور، الحقوق، الديموقراطية.

من مفردات الاتّجاه الثاني: السلف، التراث، القيم، الهوية، العصبية، الوحدة،  الأصول، الاجماع، الشورى، الجماعة.

* الأوّل يعبّر عن موقف سلبي من نظام السلطنة العثمانية وعن ارادة في الاصلاح الدستوري. أصحاب هذا الاتّجاه لم يتنبّهوا الى أخطار الاستعمار الأوروبي الذي شأنه شأن أيّ استعمار آخر لا يقدّم خدمات مجّانية بل وجدوا فيه فقط شرطاً للإصلاح. (فرح أنطون، رفعت الطهطاوي، طه حسين، من هؤلاء ) فرح أنطون مثلاً لا يجد ضيراً في تقليد النموذج الغربي شرطاً للنهوض. والطهطاوي رأى في حملة نابليون على مصر حدثاً تاريخياً لاحتكاك الشرق بالغرب. كذلك طه حسين الذي يقول في تلك الحملة انّها حملة مباركة، وذلك في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر ".

الإصلاحيون الليبراليون، اذاً ، تعايشوا مع الواقع الاستعماري وحاولوا استثمار نتائجه السياسية والفكرية للانقلاب على الوضع العثماني ومخلّفاته .

* الثاني يعبّر عن موقف ايجابي من السلطنة العثمانية مع توجيه نقد اصلاحي بنّاء لنظامها السياسي. الأفغاني مثلاً كانت له آراء نقدية اصلاحية بنّاءة لتحقيق الوحدة الاسلامية داخل السلطنة على قاعدة النظام اللاّمركزي.

أصحاب هذا الاتّجاه ندّدوا بالاستعمار الأجنبي ودعوا الى مقاومته بالعودة الى الاسلام الأصولي. فالاسلام يحمي الهوية ويجعلها قادرة على صنع ذاتيتها الحضارية وانجاز نهضتها الخاصة. انصبّ همّهم على مسألة الكيان. قضيّة الهوية عندهم تقدّمت على قضيّة الدولة والسلطة والنظام السياسي.

جسّد الإصلاحيون الليبراليون في مسار المنهج الإصلاحي العربي لحظة التماهي بالآخر والاندماج في ثقافته.

جسّد الإصلاحيون السلفيون في مسار المنهج الإصلاحي العربي  لحظة ارتداد الى الذات واحياء ارثها التاريخي.

صيغتان اذاً من التعبير الفكري، الوعي الليبرالي والوعي السلفي، تحتويان الثنائية الضدّية لمنهج الإصلاح العربي.

الليبراليون العرب ( فرح أنطون، شبلي الشميّل، سلامه موسى ) طابقوا بين السلطنة العثمانية والاسلام . موقفهم السلبي من العثمانيين تحوّل الى موقف سلبي من الاسلام. وهكذا أصبح الاسلام في نظرهم يعني الاستبداد والتخلّف. لم ينتبه هؤلاء الى أنّ السلطنة العثمانية هي بعيدة في ممارساتها عن قواعد الاسلام. وعلى قاعدة فهمهم للكنيسة في الدين المسيحي راحوا يماثلون بين الكنيسة والاسلام ما أدّى الى اتّخاذهم مواقف سلبية من الاسلام. "فلسفة الأنوار" في صراعها مع الكنيسة في الغرب والعقل في صراعه مع اللاّهوت شكّلا المرجعية الفكرية لموقف الليبراليين العرب من الاسلام.

السلفيون العرب طابقوا بين الاستعمار والفكر الغربي. موقفهم السلبي من الاستعمار تحوّل الى موقف سلبي من الفكر الغربي. وهكذا أصبح الفكر الغربي في نظرهم يعني القضاء على الاسلام. لم يتنبّه هؤلاء الى أنّ الاستعمار هو بعيد عن مبادئ الفكر الغربي الانساني التنويري. وعلى قاعدة فهمهم للعلاقة بين الفكر والسياسة راحوا يماثلون بين الحضارة الغربية والاستعمار ما أدّى الى اتّخاذهم مواقف سلبية من الغرب بما يمثّل من رغبة أجنبية في استباحة الهوية الحضارية للمسلمين العرب.

فلسفة الاسلام الدينية والسياسية ( الاجتهاد، الشورى ) شكّلت المرجعية الفكرية لموقف هؤلاء من الغرب.

بين هذين التيّارين تشكّل تيّار توفيقي مثّله الأفغاني ومحمّد عبده في بعض كتاباتهما. فهما يمثّلان منهج التوفيق بين الدين والعلم، بين الأنا والآخر، بين الأصالة والمعاصرة، بين أوروبا والاسلام.

المنهج التوفيقي أتاح للفكر العربي النهضوي أن يتطوّر ويغتني، وذلك على قاعدة الحوار مع الذات والآخر في أجواء الحرية الفكرية الرّحبة والواقعية التاريخية.

بعد محمّد عبده عادت المرجعية الى واقعها الانشطاري فنشأ تيّاران متناقضان: تيّار سلفي يعيش على الأصولية الاسلامية مثّله رشيد رضا ومجلّة "المنار" وتيّار حداثي يعيش على الليبرالية الغربية مثّله لطفي السيّد.

من التيّار الأوّل خرج حسن البنّا ( جماعة الأخوان المسلمين )

من التيّار الثاني خرج طه حسين ( التعدّدية الثقافية المتوسطية الاغريقية والأوروبية)

بفعلهما، أي بفعل هذين التيّارين، شهد الفكر العربي النهضوي توتّرات وصدامات واسعة بين الأصالة والحداثة، بين الذات والآخر، بين القديم والجديد، بين الماضوية والمعاصرة، بين الانغلاق والانفتاح.

هذه الصدامات أنتجت نمطين من الخطاب:

خطاب يرى المستقبل العربي في ماضي العرب.

خطاب يرى المستقبل العربي في حاضر أوروبا.

الأوّل تتحكّم فيه سلطة التراث أي الأصالة.

الثاني تتحكّم فيه سلطة الغرب أي المعاصرة.

بين الأصالة والمعاصرة لا زالت اشكالية المنهج الإصلاحي العربي مطروحة حتى اليوم. انّها اشكالية السلفية والليبرالية. وهي اشكالية بنيوية تكوينية.

ليست السلفية وجهة نظر واحدة. جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده يمثّلان وجهة نظر. شكيب أرسلان ورشيد رضا يمثّلان وجهة نظر أخرى. الاخوان المسلمون لهم وجهة نظرهم، كذلك السلفيون الجدد أمثال مالك بن نبي وعلال الفاسي ومحمّد المبارك وأبو الأعلى المودودي. لقد أنتجت السلفية، من خلال مواقعها الفكرية المتعدّدة، فكراً اصلاحياً تبلور لدى جماعة " العروة الوثقى " ( الأفغاني وعبده ورضا ) وجماعة الاخوان المسلمين ( حسن البنّا ) وجماعة القومية العربية الاسلامية ( عبد الرحمن الكواكبي )

الليبرالية، بدورها، ليست وجهة نظر واحدة. اليازجيون والبساتنة قد تجمعهم وجهة نظر. أمّا شبلي الشميّل وفرح أنطون وأديب اسحق قد تجمعهم وجهة نظر أخرى ( الليبرالية المادية العلمانية )  لطفي السيّد وطه حسين يمتلكان وجهة نظر تختلف عن وجهة نظر هؤلاء وأولئك.

لذلك، انّ منهج الإصلاح العربي، بشقّيه السلفي والليبرالي، ينبغي أن يدرس في مستوياته التاريخية، في بنياته النظرية، وفي أبعاده الايديولوجية.

السلفية عودة الى النصّ الأصلي، الى نصّ الوحي، الى الزمن الأوّل، زمن التنزيل وحافظيه الأوائل، أي زمن الأصول. فالاصلاح شرطه احياء النصّ القديم. سبب الانحطاط هو التخلّي عن هذا النصّ  وهو التشبّث، تالياً، بتشوّهات أو قراءات خاطئة أو مغرضة أو قاصرة ومبتسرة أصابته عبر الزمن. يقول جمال الدين الأفغاني:

" .. لا بدّ من حركة دينية وهي اهتمامنا بقلع ما رسخ في عقول العوامّ ومعظم الخواصّ من فهم بعض العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها الحقيقي .. "

" .. متى ضعف ما كان سببا في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، ومتى زال ما كان سبباً في السقوط يحصل الصعود. "

الاسلام، نصّاً، ليس مسؤولاً عن أخطاء المسلمين.

الاسلام النصّي شيء والاسلام التاريخي، أي المسلمون في ممارسة الاسلام، شيء مختلف. يقول محمّد عبده:

" .. أمّا لو رجع المسلمون الى كتابهم واسترجعوا باتّباعه ما فقدوه من آدابهم لسلمت نفوسهم من العيب .. "

السلفية جاءت ردّاً على " ليبرالية علمانية " تتّهم الاسلام بأنّه مناقض للعلم والعلماء ومعاد للعقل والعقلاء، وتتّهم القرآن الكريم بأنّه السبب الوحيد في تخلّف المسلمين، وتتّهم المسلم، كونه مسلماً محافظاً، بأنّه عاجز عن فهم الأفكار الحديثة.

اسلام السلف الصالح، في رأي السلفيين، هو أساس النهوض في مجالات الحياة كافّة.

الانحطاط ليس في العقيدة. الانحطاط هو في تخلّي المسلمين عن عقيدتهم. فالعقيدة شوّهت عبر التاريخ وأخضعت لممارسات وطقوس وقراءات واجتهادات لا علاقة لها بها. الاسلام الصحيح هو عقيدة الماضي والحاضر والمستقبل. الاسلام الحقيقي ذو صلاحية تاريخية ثابتة ومستمرّة. لذلك نقول:

اسلام القرآن شيء واسلام التاريخ شيء آخر.

السلفية جاءت ردّاً كذلك على الهيمنة الغربية الساعية، عبر الثقافة، الى الغاء الهوية الاسلامية. انّها موقف مواجهة، مواجهة التحدّي الغربي، الهيمنة الملفّعة بالثوب الحضاري. ترتكز هذه المواجهة الى بعث العقيدة الدينية تشبّثاً بالهوية.

هذه السلفية عبّرت عن نفسها في قيام " الجامعة الاسلامية " والحركة الوهابية " و"الحركة السنوسية ". وترتكز هذه المواجهة كذلك الى احياء الخلافة الاسلامية،  الى جعل السلطة السياسية في يد السلطة الدينية، الى رفض العلمنة رفضاً جازماً عبّر عنه أفضل تعبير محمّد عبده في كتابه  "الاسلام والنصرانية ".

مواقف عبده من مسألة الديني والزمني أو السياسي شكّلت عناصر مواجهة فكرية مع فرح أنطون  صاحب مجلّة " الجامعة " التي صدرت عام ( 1897 ) الذي كتب:

" .. لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا الفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدّم في الداخل الاّ بفصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية ولا سلامة للدول ولا تقدّم في الخارج الاّ بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية .. "

مسوّغات دعوته حدّدها بالآتي:

 تناقض أغراض الدين وأغراض السياسة.

المساواة بين البشر.

 الاختلاف بين مجال الدين ومجال السياسة.

النتيجة من الفصل هي التمدّن.

استحالة الوحدة الدينية.

المواجهة بين عبده وأنطون هي شكل من أشكال المواجهة بين السلفية والليبرالية.

وهي مواجهة ترتكز، أخيراً، الى فتح باب الاجتهاد لتجديد الاسلام واحيائه وذلك في ضوء منجزات العصر العلمية. فاجتهادات محمّد عبده مثلاً توفّق بين العلم والدين، بين العقل والايمان، بين مناهج التفكير الغربي ومحتوى الوحي.

بيان الحركة السلفية المواجهة لقيم الحضارة الغربية كتبه جمال الدين الأفغاني في  "رسالة الردّ على الدهريين ". هذه الرسالة تتضمّن نقداً للمادية وللفكر الاشتراكي والداروينية التطوّرية. وهذه الرسالة تقدّم تفسيراً للتاريخ العامّ من وجهة نظر دينية وهي تحدّد لرقيّ الأمم أربعة شروط:

تصفية العقل من الأوهام والخرافات.

 الأمم بأخلاقها. فالأخلاق تبلغ بها الكمال.

التحرّر من التقليد والأخذ بالأدلّة والاحتكام الى العقل.

تهذيب النفس بالمعارف والفضائل.

نفهم من هذه الرسالة أنّ الاسلام قادر على تقديم الأجوبة عن كلّ الأسئلة التي يطرحها أيّ منهج إصلاحي.

الليبرالية جاءت بتأثير الثقافة الأوروبية في الثقافة العربية. هذا التأثير عبّر عن نفسه في اتّجاهات الفكر السياسي الليبرالي والفكر الفلسفي الوضعي والدارويني والفكر الاجتماعي الاشتراكي.

هذه الاتّجاهات وفّرت لمنهج الإصلاح العربي عناصره التغريبية. فالإصلاح وفق تعليمه لا يمكن أن يتحقّق الاّ عن طريق الأخذ بمنجزات الغرب الفكرية وقيمه الحضارية. من هذه المنجزات والقيم: العقلانية، الاختبارية، التجريبية، العلمانية، الديموقراطية، الحريات، الفردانية. وهي مجتمعة تشكّل الفلسفة أو النظرية الليبرالية.

عبّرت الليبرالية عن نفسها في مجلاّت مثل " المقتطف "، " الجامعة " و "الهلال".

 

يقول فرح أنطون في مجلّته " الجامعة ":

 

" .. انّ القول بأنّ الالتفاف حول الدين يمكّن الأمم الاسلامية من احراز مستوى الغرب الحضاري ذاته، وهو المستوى الذي توصّل اليه بالتقدّم العلمي، هو، في بساطة، تجاهل طريقة تطوّر الحضارات وفشل في فهم الطبيعة الانسانية. انّ الفهم السليم للتاريخ ولما يحرّك عمل الانسان هو وحده القادر على الوصول الى نظرية شرعية للمجتمع ولأساليب اصلاحه. فهم كهذا لا يمكنه أن يستمدّ الاّ من العلم. أمّا الفكر الديني فانّه لا يجلب للمسألة الاّ التشويش. "

شبلي الشميّل، بدوره، نشر في المقتطف كتابات " بوخنر " في النشوء والارتقاء ناقلاً المنهج العلمي الى منهج الإصلاح العربي. والمنهج العلمي يساعد على الخروج من حاكميّة المطلقات والبدائه والمسلّمات.

شبلي الشميّل وفرح أنطون، بتأثير من الفكر العلماني الغربي، تصوّرا أنّ الدين هو عنصر اعاقة أمام العرب في مسيرة الإصلاح. لذلك، لانقاذ هذه المسيرة، من الواجب، في رأيهما، انقاذ العرب من سلطة الدين.

اسماعيل مظهر بعد الشميّل ترجم كتاب داروين " أصل الأنواع ". المثقّفون الليبراليون اهتمّوا بالداروينية لأنّها شكّلت في تلك المرحلة نقطة الجذب العلمي لأنّ الفكر في الفلسفة الداروينية، فلسفة النشوء والارتقاء، فكر ديناميكي متحوّل وغير مسند الى نصّ ثابت يكبّله أو الى نظرية اعتقادية أو ايمانية ثابتة ونهائية تحدّ من اندفاعه، وهو فكر نقدي للفكر الديني المتسلّط على الثقافة العربية.

الليبرالية تضع الحرية في مواجهة التسلّط والعقل في مواجهة الوحي. يقول اسماعيل مظهر في " رسالة الفكر الحرّ ":

" .. يشارك الانسان كلّ الأحياء في صفة الحياة، ولكنّه يمتاز عليها بأنّه عاقل.. "

وهو، تالياً، يضع العلم في مواجهة الأسطورة واللاّهوت.

 من أعلام الفكر الليبرالي طه حسين الذي طبّق المنهج الديكارتي، أنطون والشميّل اللّذان طبّقا المنهج العلمي، لطفي السيّد وقاسم أمين اللّذان طبّقا منهج التفكير الحرّ، علي عبد الرازق الذي طبّق المنهج التاريخي الوصفي، جميع هؤلاء تجمعهم العقلانية النقدية الهادفة الى ازاحة التسلّط الديني عن الثقافة العربية.

 

خلاصة الكلام في هذه الثنائية الضدّية:

 

عرف منهج الإصلاح العربي اتّجاهين، الاتّجاه الليبرالي المؤمن بالانفتاح الكلّي على الوافد التنويري والتخلّي عن الموروث التقليدي، والاتّجاه السلفي المؤمن بأنّ تحقيق إصلاح عربي أصيل ينطلق من التراث العربي/الاسلامي في عصور ازدهاره.

نشأت الليبرالية لدى أوّل احتكاك فعلي مع الغرب في عهد محمّد علي. هذا الاحتكاك أيقظ العرب على مدى تخلّفهم الاجتماعي/السياسي/الثقافي/العلمي، فكانت ردّة الفعل الطبيعية لدى محمّد علي ارسال بعثات طلاّبية الى أوروبا للدراسة واستجلاب الفكر التحديثي ومناهجه وأساليبه لاحداث النهضة.

السلفية رأت الماضي نموذجاً كاملاً يتضمّن كلّ العوامل المساعدة لاحداث النهضة على نمط النهضة العربية/الاسلامية في عهودها الأولى.

الاتّجاه الأوّل علاقته بالتاريخ العربي علاقة سلبية، وهو لم يكن قادراً على استيعاب الخلفية التاريخية لتحريك عناصر الواقع الراهن.

الاتّجاه الثاني علاقته بالتاريخ العربي علاقة ايجابية وهو لم يكن قادراً على فهم دينامية التاريخ حين تتحوّل الى سلطة اكراه واعاقة وضغط على انفتاح الثابت في اتّجاه المتغيّر، الحاضر في اتّجاه الآتي.

الثنائية الضدّية في منهج الإصلاح العربي  بين هذين الاتجاهين هي في عدم تحوّلها الى حركة في واقع الحياة العربية لأنّ الواقع آنذاك كان يدعو الى الأخذ بالجوهر الحيّ من التراث والى الالتصاق في العمق التاريخي العربي من جهة والى استيعاب الحضارة الأوروبية (الاستيعاب غير التقليد) والى الالتصاق في عمق حركة الحداثة أو التطوّر العام من جهة أخرى. هذا هو الأمر الذي لم يحصل  فتعطّلت مفاعيل كلّ من الاتّجاهين واقتصر الاتّجاه الأوّل، في مستوى حركة الواقع، على التجاوز الشكلي، واقتصر الاتّجاه الثاني على الاحياء الطقوسي.

 

ساسين عساف: كاتب لبناني وعميد سابق لكلية الآداب والعلوم الانسانية في الجامعة اللبنانية