د. علي الخلاقي يكتب:

كرامة خميس أول رجب

حتى سنوات مضت كان الناس في مناطق بلادنا - وخاصة في يافع- يحتفون بمَقدَم وحلول أول خميس من شهر رجب كل عام وكانوا يغتسلون ويلبسون الجديد من الثياب ويذبحون الذبائح في مَقدَمِهِ ويطلقون على هذه المناسبة (كرامة رجب) أو (مَدْخل رجب) وكانوا يعتبرونها بمثابة مناسبة يتبركون بحلولها وينَعِّمُون على أُسَرِهم بالمأكل والمشرب.. وكان من بركات ذلك اليوم أن الاغتسال فيه، حسب اعتقادهم، سيبعد عنهم أمراضاً خطيرة مثل الحصبة والمُجَعِّرة والجَرَب التي قد تصيب من لم يغتسل فيه. ولذلك كان الناس يحرصون على غسل أجسادهم في المواجل أو الغيول والسدود أو السقايات أو في هجر المساجد، بل ويتسابقون حتى لا يصاب أحدهم بأي من تلك الأمراض الوبائية. وكانوا يرددون عند الاغتسال(يا خميس أول رجب نجني من الحصبة والمجعرة والجَرَب)، والمُجَعِّرة هي الجديعا. وكانت النساء يحرصن صبيحة ذلك اليوم على غسل أولادهن الصغار، وتلقن كل أم ولدها أن يردد بصوت مسموع أثناء صب الماء على جسده (وا كرامة أول رجب خرجني من الحصبة والمجعرة والجرب). ومن الأهازيج التي كانت المرأة ترددها وهي تغسل طفلها في هذه المناسبة قولها(وا صلاة النور.. واحمد المذكور.. والملائكة حضور.. تحت كل اظفور).
ورغم أن رجب بشكل عام مرتبط بدخول اليمنيين الإسلام أفواجاً عند قدوم الصحابي الجليل معاذ بن جبل الأنصاري في العام السادس للهجرة ليعلّم أهل اليمن القرآن الكريم وأحكام الشريعة الإسلامية، فكان مسجده بالجند أول مراكز دعوته لليمنيين إلى الإسلام، وفي هذا الجامع كانت أول صلاة تقام فيه هي صلاة الجمعة في أول أسبوع من شهر رجب حين أتم معاذ بن جبل بناء المسجد ولذا صارت الجمعة الأولى من كل شهر رجب مناسبة خاصة بالنسبة لليمنيين..أما الاحتفاء بخميس أول رجب في مناطق سرو حِمْيَر-يافع وما جاورها فأنه ربما يعود إلى ما قبل الإسلام، وله جذوره الموغلة في القدم، كما يذهب صديقي الباحث فضل الجثام، وهو رأي جدير بالتمعن، ويربط ذلك بذكرى خلاص نبي الله أيوب عليه السلام من مرضه الذي ابتلاه الله به وسلَّطه على جسده كاملا، خلا لسانَه وقلبه وعقله؛ طوال سبع سنوات ونيف ظل خلالها مقبلاً على ربِّه يستغيثه ويتضرّع إليه، فرحمه ربّه ورفع عنه البلاء، في أول خميس من رجب، وقال له: " ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَاْبٌ " فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال. وظهرت بذلك كرامته لقومه الذين نبذوه في كُناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته.
ولعل للاغتسال بهذا اليوم محاكاة واقتداء باغتسال نبي الله أيوب وشفائه من مرضه، وتحوطاً من الإصابة بالأمراض الخطيرة(الحصبة والمجعرة والجرب) كما كانوا يعتقدون. أما في وقتنا الراهن فلم يتبقَّ من هذا الاعتقاد سوى الذكرى في ذاكرة كبار السن، ويمر خميس أول رجب بهدوء كبقية أيام الأشهر والأسابيع دون احتفاء أو مراسيم خاصة ولم يعد أحد يتخوف من تلك الأمراض الوبائية لتحسن الظروف الصحية وأصبح الناس يغتسلون متى يشاؤون..ولم يعد رجب شهر العجب ولا أول خميس فيه ينجِّي من الحصبة والمجعرة والجرب، لأن الشَّافي هو الله، ولا سواه يشفي الأبدانَ من الأمراض والآفات، والصّدورَ من الشُّبه والشُّكوك.

**

من كتابي الصادر مؤخراً (المعتقدات الشعبية في بلاد يافع)