أحمد الرمح يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران بعد 3 سبتمبر.. هل يمهّد خطاب خامنئي لمرحلة تفكك جديدة؟

في أعقاب الصراع المسلح مع «الكيان الصهيوني» صيف 2025، دخل نظام الملالي الإيراني مرحلة حاسمة من التوتر الداخلي. يتحدث المحللون عن «وقوف النظام عند مفترق طريقين: إما إعادة قراءة الماضي، وإما مواجهة الهزيمة الحتمية». هذه الصيغة تعكس تقديرًا بأن أزمات النظام تتسارع، وأن الخلافات الحزبية داخل الحكم لم تعد تحت السيطرة. فبدلاً من التركيز على مستقبل البلاد، تصاعدت الاتهامات المتبادلة بين الأجنحة السياسية كما لو أنها «حوار للطرشان»، أي تبادل كلمات فارغة بين أطراف تتجاهل بعضها البعض عمليًا.

تعبيرًا عن حالة الصراع الإعلامي داخل النظام، برزت أحداث بارزة مؤخراً بين المحافظين المتشددين والإصلاحيين:

تحذير رسمي من «الصهاينة»: نقلت صحيفة طهران تايمز عن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي دعوته العلنية للإسراع في ملاحقة «المتعاونين مع الكيان الصهيوني»، معتبرًا أن من يقف مع العدو الخارجي «يُهدِّد أمن الشعب الإيراني».

اتهام الإصلاحيين بـ«أجندة العدو»: في الوقت نفسه، تحدث إيجئي إعلاميًا عن بيان لجماعة إصلاحية واصفًا إياها بأنها «مجموعة تطلق على نفسها اسمًا سياسيًا وتعمل بما يتماشى مع رغبات العدو»، وهدد بتحريك النيابة العامة ضدها.

ردّ «هم‌ميهن»: من جانبها، صدرت صحيفة الإصلاحيين هم‌ميهن في 26 أغسطس 2025 بوحدة افتتاحية تتحدى إيجئي، فتحدثت ضمنيًّا عن عقد «محاكمة علنية» إذا كان يجرؤ، معتبرة أن «الخوف من مواجهة الشعب» يمنع النظام من السماح بالشفافية في القضاء

تحليل «شرق»: وصفت صحيفة شرق الوضع بأنه «لعبة إقصاء متبادلة» بين زمر السلطة والثروة داخل النظام، مشيرة إلى أن هذه الصراعات بلغت مستوى وجوديًا بلا رحمة.

تسلسل هذه الأحداث يظهر أن الاتهامات باتت تحولت لفراغ سياسي: فبدلًا من الحوار السياسي البناء، يتبادل الطرفان لغة التهديد والوشاية.

 

 أثار إبراهيم أصغر زاده (رئيس المكتب السياسي للجبهة الإصلاحية) تصريحًا مثيرًا في صحيفة ستاره صبح بتاريخ 26 أغسطس 2025، حيث حذّر من أن النظام يقف على «شفة الهزيمة» إذا لم يُجرَ «إعادة قراءة الماضي». هذه الجملة – التي تعود أصلاً إلى أقواله – تعكس اعترافًا ضمنيًا بأن أزمة النظام ليست ظرفية فقط، بل هي نتيجة مسار تاريخي كامل. فقد كتب أن الأجنحة الأصولية المتشددة تعاملت مع الحكم على أنه «رواية مقدسة»، واستبعدت جميع العناصر غير الموالية عبر آليات محكمة.

كما أبرز أصغر زاده البعد الاقتصادي والاجتماعي للأزمة. فقد نقل عن إحصائيات مفزعة تظهر أن 48% من الإيرانيين ينفقون أكثر من دخلهم، و42% يكاد دخلهم يغطي مصروفاتهم. أي أن 90% من السكان يعيشون عند الحد الأدنى من الإمكانيات أو أقل، مما يحرمهم من أي مدخرات أو قدرة على التحمل الاقتصادي. وتعكس هذه الأرقام «مجتمعًا متفجّرًا» يخشاه كل طرف في النظام.

الخلاصة: صحيح أن أصغر زاده ينتمي للتيار الإصلاحي، لكن اعترافه بضرورة قراءة الماضي هو إقرار بأن النظام التاريخي فشل في تحقيق أي نجاح سياسي أو اقتصادي. فبدلاً من الابتكار، يتجه كبار الإصلاحيين ذاته إلى «اصطياد» أخطاء الماضي، كما لو كانت الدواء لأزمة راهنة.

 

 تُظهر التصريحات أن قادة النظام – رغم خلافاتهم السياسية – يشتركون في قلق مشترك: خوف متبادل من انفجار الشارع. فقد حذّر المراقبون أنه مع تزايد الأزمات الاقتصادية، كل طرف في السلطة يسعى حاليًا لإيجاد مخارج خاصة به لحماية مصالحه الشخصية والفئوية. في ظل هذا الجوّ، لم يعد النقاش السياسي ممكنًا؛ فالتهديدات الإعلامية تحلّ محل الحوار، والأنظمة الحية تقوم بالتخطيط للمستقبل، أما هذا النظام فيبدو أنه لا يملك إلا ترديد أخطاء الماضي وخوفه منها

 

على النقيض من الحوار العقيم في طهران، تنظم المعارضة الإيرانية مظاهرة كبرى في 6 سبتمبر 2025 تحت شعار “إيران حرة” في بروكسل. يأتي هذا التجمع العالمي في الذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وقد شهد دعمًا دوليًا واسعًا. فقد أدان قيادات وسياسيون سابقون في أوروبا وأميركا موجة الإعدامات التي ينفذها النظام ودعوا إلى تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، كما عبّروا عن تأييدهم لخطة النقاط العشر التي وضعتها مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لإقامة «جمهورية ديمقراطية، غير نووية، تقوم على العدالة والمساواة والسلام».

إن رسالة المتظاهرين في بروكسل تركز على كتابة المستقبل بدلاً من قراءة الماضي. فمثلاً:

لورد ستيف ماكايب (بريطانيا) وصف النظام الإيراني بـ«التكاثر على الإرهاب والإعدامات» ودعا العالم للوقوف مع الشعب الإيراني ومقاومته المُنظمة.

لارس رايز (نائب أوروبي سابق) أشار إلى «ستين عامًا من مقاومة الشعب الإيراني ضد الديكتاتورية»، ورأى أن المظاهرة في 6 سبتمبر ستكون «وقفة ضخمة من أجل الديمقراطية والكرامة».

مارك سيريديجن (عضو برلمان ويلزي سابق) لفت إلى أن أكثر من 1,560 إعدامًا نفذها النظام تحت وزير الداخلية الحالي، مطالبًا أوروبا بوقف الإعدامات وإدراج الحرس الثوري على القوائم السوداء ودعم المستقبل الديمقراطي لإيران.

هذه التأييدات الدولية تعكس اعترافًا بنموِّ حركة المعارضة الإيرانية باعتبارها الصوت الحاسم القادم من الشارع الإيراني والمنظمات الحقوقية حول العالم.

 

 تقدّم خطة مريم رجوي ذات النقاط العشر منظومةً رؤية بديلة لمستقبل إيران. تكتسب هذه الخطة رمزيتها من تأكيدها على مبادئ أساسية واسعة انتقد النظام تجاهلها: ديمقراطية تعددية فعلية تلغي سلطة الولي الفقيه وتُعلي من حكم الشعب بأصوات حرة، وضمان الحريات الفردية والاجتماعية كما هي مُعترفة عالميًا، وفصل الدين عن الدولة مع احترام حرية الأديان والمذاهب. تضع الخطة أيضًا حقوق المرأة والمساواة التامة في مقدمة أولوياتها، وتُلغي جميع أشكال التمييز ضدها. من ناحية أخرى، تدعو الخطة إلى كفّ المسلح النووي بالكامل: فتعتبر إيران «غير نووية» خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتسعى لتحقيق السلام والتعايش الإقليمي

باختصار، تتحول رؤية رجوي إلى نموذج مُضاد للرؤية الدينية للنظام الحالي: فهي تُعلي علمانية الحكم والديمقراطية، وتُلغي أجهزة القمع (تفكيك الحرس الثوري والباسيج وقوات المخابرات والثقافة الثورية)، وتُلزم الدولة بإحقاق العدالة والمساواة بين كل الإيرانيين بغض النظر عن الجنس أو العرق أو المعتقد.

الحوار الجاري في طهران اليوم يبدو لمن يراقبه كمسرحية استنزاف داخلي: السلطة تتقاذف الاتهامات والوعود بالقضاء ولا تنتج برنامجًا سياسيًا أو اقتصاديًا عمليًا. في المقابل، صدى صوت المعارضة المنظّمة ينتقل إلى ميادين العالم حيث تُعدّ مطالب بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وإدانة النظام الراهن. إن فعالية «إيران حرة» في بروكسل لا ترمي فقط إلى التسويق الرمزي، بل إلى إعلان ولادة بديل سياسي يروج لمستقبل غير قابل لاستنساخ الماضي الفاشل. في ضوء هذه التطورات، يتصاعد الاعتقاد بأن الموازين السياسية بدأت في التحرك: لقد انتقل مركز الجاذبية السياسية من دوائر الحكم المغلقة إلى إرادة الشعب الإيراني المتنامية في الخارج والداخل، بما تحمل من طموح لتأسيس فصل جديد في تاريخ إيران بعيدًا عن حكم الملالي القدية.