عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

ارتداد السحر على الساحر: كيف تحول الاتفاق النووي إلى حبل مشنقة؟

 نرى أن ما يحدث اليوم هو أحد أكثر الانعطافات إثارة للسخرية في التاريخ الدبلوماسي الحديث؛ فالاتفاق النووي، الذي احتفل به نظام الملالي في عام 2015 باعتباره أعظم انتصاراته السياسية، والذي كان من المفترض أن يمنحه الشرعية الدولية ويفتح له أبواب الاقتصاد العالمي، قد تحول اليوم إلى حبل المشنقة الذي يلتف ببطء حول عنقه. 

إن تفعيل آلية "الزناد" من قبل القوى الأوروبية ليس مجرد إجراء عقابي بل هو تجسيد لمبدأ "ارتداد السحر على الساحر". لقد استخدم النظام هذا الاتفاق كغطاء لتوسيع نفوذه الإرهابي وللمضي قدماً في مشروعه النووي السري معتقداً أنه يستطيع خداع العالم إلى الأبد، واليوم فإن نفس الآلية التي كانت جزءاً من هذا الاتفاق هي التي تستخدم لإعادة فرض العزلة الكاملة عليه.. هذه اللحظة لم تكن مفاجئة للمقاومة الإيرانية التي رأت منذ اليوم الأول أن هذا الاتفاق لم يكن سوى قنبلة موقوتة، وأن طبيعة النظام الإجرامية لا يمكن أن تتغير بالمعاهدات والوعود.

لقد كانت نبوءة المقاومة الإيرانية واضحة وصريحة منذ البداية في 14 يوليو 2015، وفي الوقت الذي كانت فيه القوى العالمية تحتفل.. حذرت السيدة مريم رجوي الرئيسة المنتخبة للمقاومة من أن النظام سيستغل أي تساهل لمواصلة الخداع والتضليل والسعي نحو إنتاج القنبلة النووية، والأهم من ذلك أنها دقت ناقوس الخطر بشأن الأموال التي سيتم الإفراج عنها مؤكدة أنها لن تُنفق على الشعب الإيراني القابع تحت خط الفقر بل ستتحول إلى وقود لآلة الحرب والإرهاب التابعة للنظام في المنطقة، واليوم وبعد عقد من الزمن نرى بأم أعيننا كيف تحققت هذه النبوءة بحذافيرها وقد تحولت تلك المليارات التي كان من الممكن أن تبني مستشفيات ومدارس إلى صواريخ باليستية فتاكة في أيدي الحوثيين، وإلى دعم مالي ولوجستي لحزب الله الذي دمر لبنان، وإلى تمويل للميليشيات الطائفية التي تواصل قتل الأبرياء في سوريا والعراق.. لقد أثبت التاريخ أن الاستثمار في هذا النظام هو استثمار مباشر في الإرهاب والفوضى.

والآن ومع عودة شبح العقوبات الدولية الكاملة بدأت تتكشف حالة من الانهيار الداخلي والهلع غير المسبوق في صفوف النظام، حيث لم تعد أصوات القلق مقتصرة على المحللين المستقلين بل أصبحت تخرج من ألسنة كبار المسؤولين.. فعندما يحذر خبير حكومي على التلفزيون الرسمي من أن "آلية الزناد ليست مزحة" وأنها "تهديد خطير للبنية الاجتماعية والسياسية" فهو لا يقدم تحليلاً بل يطلق صرخة استغاثة؛ لكن الاعتراف الأكثر ترويعاً جاء من محمد صدر عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي استخدم تشبيهاً قاتلاً لوصف مصير البلاد قائلاً إنها ستصبح "موبوءة" كـ"الطاعون" الذي يهرب منه الجميع.. هذا ليس مجرد تشبيه بلاغي بل هو إقرار بفقدان الأهلية الدولية بالكامل، والتحول إلى دولة منبوذة لا يمكن التعامل معها على أي مستوى.. إنه اعتراف بأن النظام قد قاد البلاد إلى حافة الهاوية.

في خضم هذا الانهيار المتسارع يصبح من الواضح أن الحل لا يمكن أن يأتِي من داخل هذه المنظومة الفاسدة، ولا يمكن أن يقتصر على العقوبات وحدها؛ فالعقوبات على ضرورتها القصوى لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب والبرنامج النووي تظل أداة لكبح جماح النظام وليست أداة لإزالته.. لكن الحل الحقيقي والجذري يكمن في إرادة الشعب الإيراني الذي يمثل الضحية الأولى لهذا النظام، وهذا الحل هو ما سيتم تقديمه للعالم بشكل عملي ومنظم في *بروكسل في السادس من سبتمبر*. 

إن المظاهرة الحاشدة التي ستنظمها المقاومة الإيرانية هناك لن تكون مجرد تعبير عن الغضب.. بل ستكون عرضاً للقوة السياسية والشعبية للبديل الديمقراطي.. حيث ستكون هذه المظاهرة تجسيداً للخيار الثالث الذي طالما نادت به المقاومة: لا استرضاء للنظام ولا تدخل عسكري خارجي، بل دعم نضال الشعب الإيراني لتغيير النظام بنفسه.. سيجتمع الآلاف من الإيرانيين وأنصارهم من جميع أنحاء العالم ليعلنوا دعمهم *لخطة السيدة مريم رجوي ذات العشر نقاط* وهي خارطة طريق مفصلة لإيران ديمقراطية، علمانية، غير نووية، تحترم حقوق الإنسان وتعيش بسلام مع جيرانها.. الرسالة التي ستنطلق من بروكسل ستكون بمثابة إنذار أخير للمجتمع الدولي؛ لقد انتهى وقت الرهان على نظام يحتضر، وحان وقت الاستثمار في مستقبل إيران الحرة، وهو المستقبل الذي يمثله الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.

المحامي/ عبد الرزاق الزرزور - ناشط حقوقي وسياسي سوري