نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):

من المساومة إلى الحزم.. استراتيجية جديدة تجاه البرنامج النووي الإيراني

لقد كشفت التطورات المتسارعة حول البرنامج النووي الإيراني عن حقيقة راسخة: الأزمة الراهنة ليست مجرد مسألة فنية يمكن حلها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية، بل هي قضية سياسية-أمنية عميقة الجذور في صميم بنية السلطة الحاكمة في طهران. فعلى مدى عقدين من المفاوضات الشاقة والاتفاقيات المتتالية، أثبت النظام الإيراني بقيادة خامنئي أنه لم يكن جاداً في التخلي عن طموحاته النووية، بل اعتبر كل تسوية فرصة لكسب الوقت وتعزيز قدراته. هذا المسار المضلل أفضى إلى قناعة متزايدة بأن تفعيل "آلية الزناد" (سناب باك) وإعادة فرض قرارات مجلس الأمن الدولي، رغم تأخرها، باتت ضرورة حتمية لوقف هذا التصعيد المقلق.

طريق الدبلوماسية مع طهران قد وصل إلى نهايته، إذ لم تحقق سياسة الاسترضاء سوى تكرار لدورة مفرغة من التنازلات الغربية مقابل مزيد من التقدم النووي الإيراني. فاللقاءات الدبلوماسية غير المثمرة، كتلك التي جمعت وزراء الخارجية الأوروبيين ونظيرهم الإيراني، تبرهن على أن النظام لا يملك نية حقيقية في التخلي عن مشروعه لصنع القنبلة. تجارب الماضي، بدءاً من اتفاق جنيف عام 2013 وصولاً إلى الاتفاق النووي في 2015، أظهرت بوضوح أن كل خطوة نحو تقديم التنازلات الغربية لم تزد النظام إلا قرباً من هدفه النهائي المتمثل في امتلاك القدرة النووية العسكرية. هذا النهج، الذي طالما دافع عنه البعض كوسيلة لتجنب الصراع، لم يفعل شيئاً سوى تمهيد الطريق لتوترات أكبر، وكما حذرت المقاومة الإيرانية مراراً، فإن سياسة التغاضي عن انتهاكات النظام لم تؤدِ إلا إلى تفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها.

إن كبح جماح البرنامج النووي الإيراني يتطلب شروطاً واضحة وحازمة لا تقبل التأويل. على رأس هذه الشروط يأتي الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وإغلاق المواقع الحيوية مثل منشأة أراك للمياه الثقيلة، والقبول بالبروتوكول الإضافي الذي يضمن للوكالة الدولية للطاقة الذرية وصولاً غير مقيد إلى كافة المراكز والخبراء النوويين. إن تجاهل هذه الشروط من قبل القوى العالمية سمح للنظام الإيراني بتعزيز بنيته التحتية النووية، لا سيما في ظل الاتفاق النووي الذي أتاح له الاستفادة اقتصادياً من رفع العقوبات. النتيجة المباشرة لهذا التراخي هي ما يعترف به الغرب اليوم صراحة من "مخزون من اليورانيوم يتجاوز الحد المسموح به بتسع مرات"، ما يؤكد أن الحل الحقيقي يكمن في التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن وفرض رقابة صارمة كضمان وحيد لوقف مشروع صنع القنبلة.

القرار الأوروبي الأخير ببدء عملية "سناب باك" يمثل تحولاً ملموساً نحو مقاربة أكثر واقعية تجاه طهران. هذا القرار، الذي يراه خبراء النظام الإيراني تهديداً خطيراً "للبنية الاجتماعية والسياسية" للنظام، سيعيد فرض العقوبات الدولية، ويدفع النظام إلى عزلة تامة، ليتحول إلى ما وصفه عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام بأنه "طاعون" يخشى الجميع الاقتراب منه. هذه الضغوط ليست اقتصادية فحسب، بل هي ذات طبيعة سياسية قادرة على زعزعة التماسك الهش داخل هيكل السلطة، مما يجعل "آلية الزناد" أداة فعالة لنزع الشرعية عن النظام على المستوى الدولي. كما أن الأبعاد الإنسانية والإقليمية للقضية لا يمكن تجاهلها، فالأموال التي أُفرج عنها بموجب الاتفاق النووي لم تستخدم لتحسين معيشة الشعب، بل لتمويل الحرس الثوري ومشاريعه التوسعية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مما يربط القضية النووية بالقمع الداخلي وتصدير الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان.

مع تفعيل "آلية الزناد"، يواجه المجتمع الدولي اختباراً تاريخياً جديداً: هل ستحل الحزيمة هذه المرة محل الاسترضاء؟ الحل الحقيقي لا يكمن في الحرب أو في استمرار سياسة الاسترضاء، بل في تغيير النظام على يد الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. هذا النهج الشامل لا يقتصر على معالجة الأزمة النووية، بل يمتد ليشمل الأزمات الأعمق التي يسببها النظام، مثل انتهاك حقوق الإنسان وتصدير عدم الاستقرار إلى المنطقة. لقد فرض التأخير في اتخاذ سياسات حازمة تكاليف باهظة على الشعب الإيراني والمجتمع الدولي. ومع ذلك، فإن تفعيل "آلية الزناد"، رغم تأخره، يمكن أن يكون نقطة البداية لتغيير المعادلة، تغيير لن يكتمل إلا بربط الضغط الدولي بالإرادة الحرة للشعب الإيراني. في هذا السياق، كانت التظاهرات الكبرى التي شهدتها بروكسل في السادس من سبتمبر، والتي جمعت الآلاف من الإيرانيين ومؤيديهم للمطالبة بتغيير حقيقي في إيران، بمثابة صرخة مدوية تؤكد أن إرادة الشعب هي القوة الدافعة الحقيقية للتغيير، وأن الضغط الدولي عندما يقترن بهذه الإرادة، يمكن أن يمهد الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً للمنطقة والعالم.