رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):

أوجاعٌ لا لغة لها… حين تتحوّل الأمومة إلى انتظار مفتوح

للمرة الأولى، تبدو الكتابة هنا وكأنها محاولة لالتقاط ما لا يُقال. ليست مقالة سياسية، ولا موقفًا عامًا، بل مساحة إنسانية يضيق بها القلب قبل الورق. ثمة حكايات لا تُروى بل تُحمل بصمت، لأن الكلمات تعجز أحيانًا عن احتواء ثقلها. قصة رجوان ليست مجرد واقعة قانونية أو نزاع عائلي؛ إنها مرآة لوجع طويل يتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية ويعيد تشكيل معنى الأمومة نفسها.

حين يُخطف طفل، لا يُسرق جسد صغير فحسب، بل يُنتزع جزء من روح الأم. يصبح البيت مكانًا ناقصًا، وتتحول الأشياء العادية إلى شواهد صامتة على الغياب. سرير بلا حركة، ألعاب بلا ضحكة، وصور لا تعرف كيف تواسي أصحابها. رجوان، مثل كثيرات، لم تستيقظ على حادثة مفاجئة فقط، بل على فراغ مستمر، فراغ يتسلل إلى الوقت ويحوّل الأيام إلى انتظار ثقيل.

العنف الذي سبق الخطف لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل مسارًا متراكمًا من الإيذاء الجسدي والنفسي والاقتصادي، قبل أن يصل إلى أقصى درجاته حين تحوّلت الأبوة إلى أداة سيطرة. هنا تنكشف واحدة من أكثر المفارقات قسوة: حين يستخدم القانون أو النفوذ أو الأعراف الاجتماعية لتبرير حرمان أم من طفلها، يصبح الألم مضاعفًا، لأن الظلم لا يأتي من خصم واضح بل من منظومة كاملة تُصعّب رؤية الحقيقة.

ما تعيشه رجوان ليس استثناءً. خلف اسمها تقف وجوه أخرى: سُهى، سوزان، عبير… وأمهات لا يعرفن كيف يسمّين ما حدث لهن. هل هو خطف؟ أم نزاع حضانة؟ أم عقاب اجتماعي مُقنَّع بلغة القانون؟ هذه الأسئلة تكشف أن القضية أوسع من حكاية فردية؛ إنها اختبار يومي لقدرة النساء على البقاء مرئيات في مجتمعات تميل أحيانًا إلى تجاهل الألم حين يصبح مألوفًا.

في مثل هذه القصص، لا يكون الزمن عادلاً. تمر السنوات كأنها لحظة معلّقة، بينما يستمر العالم في حركته المعتادة. الأم تبقى هناك، في نقطة البداية، تعيش على أمل مؤجّل وعلى ذاكرة تخشى أن تتآكل. السؤال الذي يلاحق رجوان كل ليلة – هل يتذكرني كما أتذكره؟ – ليس مجرد جملة عاطفية، بل تلخيص لعلاقة قُطعت قسرًا بين قلبين كان يفترض أن يكملا بعضهما.

تجربة الخطف، سواء حدثت داخل العائلة أو خارجها، تغيّر معنى الأمومة. تتحول من حضور يومي إلى حالة من القلق الدائم، ومن رعاية طبيعية إلى مقاومة صامتة للبقاء قوية. الأم تتعلم أن تعيش بنصف قلب، وأن تُظهر صلابة لا يراها أحد، بينما تتآكل الأسئلة في الداخل بلا إجابات.

إن قراءة قصة رجوان من زاوية إنسانية تفرض إعادة التفكير في مفاهيم العدالة والحماية. فالقوانين التي لا ترى الجانب الإنساني، والأعراف التي تمنح السلطة لطرف واحد، قد تتحول إلى أدوات قاسية تُطيل أمد الفقد. المسألة هنا ليست نزاعًا بين بالغين فقط، بل مصير أطفال يكبرون بعيدًا عن جزء أساسي من هويتهم العاطفية.

هذه ليست حكاية حزن خالص، بل دعوة للنظر بعمق إلى وجوه الأمهات اللواتي يعشن أمومة معلّقة. فالألم حين يُروى لا يختفي، لكنه يصبح مرئيًا، ويمنح الآخرين فرصة للفهم بدل الحكم. وربما يكون الاعتراف بوجود هذا الوجع هو الخطوة الأولى نحو تغييره.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأبسط والأصعب معًا: هؤلاء الأمهات لا يطلبن معجزات، بل عودة ما لا يمكن تعويضه. لأن أقسى أنواع الفقد ليست تلك التي يعلنها الموت، بل تلك التي تبقي الحياة مستمرة… بينما القلب ينتظر.