عبدالرحمن كوركي مهابادي يكتب لـ(اليوم الثامن):

الاستراتيجية الأفضل في التعامل مع إيران.. بين الحرب الخارجية وإصلاح النظام وخيار التغيير

تشهد القضية الإيرانية تحولات متسارعة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الحاكم في طهران، والخيارات المتاحة أمام المجتمع الدولي للتعامل معه. فبعد عقود من السياسات المترددة بين الاحتواء والاسترضاء، باتت إيران في قلب نقاش استراتيجي يتجاوز حدودها ليطال أمن الشرق الأوسط وتوازناته.

في هذا السياق، تعكس التصريحات الصادرة عن مسؤولين غربيين خلال الفترة الأخيرة تحولاً ملحوظاً في الخطاب السياسي تجاه طهران. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن “عقوداً من التسامح مع أكبر راعٍ لإرهاب الدولة قد انتهت”، في إشارة إلى تغير محتمل في المقاربة الغربية تجاه النظام الإيراني.

ورغم ذلك، يقر كثير من المراقبين بأن السياسات الغربية السابقة، القائمة على الاسترضاء أو إدارة الأزمات بدلاً من حلها، ساهمت في إطالة عمر النظام الإيراني وتعزيز قدرته على توسيع نفوذه الإقليمي. واليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تبرز تساؤلات حول المسار الذي يمكن أن تتخذه إيران في حال حدوث تغيير سياسي جذري داخلها.

النقاش حول مستقبل إيران يتقاطع مع عدد من السيناريوهات المحتملة. فهناك من يراهن على الضغط العسكري أو المواجهة الخارجية لإضعاف النظام، بينما يرى آخرون أن الحل يكمن في إصلاحات تدريجية داخل بنية النظام نفسه. في المقابل، تطرح أطراف في المعارضة الإيرانية خياراً ثالثاً يقوم على التغيير الداخلي عبر قوى المعارضة المنظمة.

هذا الجدل يعكس ما يمكن وصفه بـ"حرب الاستراتيجيات" حول كيفية التعامل مع النظام الإيراني، خاصة مع تصاعد التوقعات بإمكانية حدوث تحولات سياسية في البلاد خلال السنوات المقبلة.

من بين الخيارات المطروحة، يبرز خيار المواجهة العسكرية أو الضغط الخارجي بوصفه أحد السيناريوهات التي يجري تداولها في بعض الأوساط السياسية. غير أن هذا الخيار يواجه انتقادات واسعة، خصوصاً من قبل قوى معارضة إيرانية ترى أن التدخل الخارجي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء عبر تعزيز النزعة القومية داخل إيران أو دفع البلاد إلى حالة من الفوضى.

كما أن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية أظهرت أن الحروب الخارجية لا تؤدي بالضرورة إلى بناء نظم سياسية مستقرة، بل قد تفتح الباب أمام صراعات داخلية طويلة الأمد.

في المقابل، يراهن بعض المحللين على إمكانية إصلاح النظام الإيراني من الداخل، عبر إدخال تعديلات تدريجية على بنيته السياسية. غير أن هذا الرهان يواجه أيضاً تشكيكاً واسعاً، في ظل طبيعة النظام القائم على ولاية الفقيه، والذي يتركز فيه القرار السياسي والأمني في يد المؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى.

ويشير منتقدو هذا الطرح إلى أن التجارب السابقة للإصلاح داخل النظام الإيراني لم تؤد إلى تغييرات جوهرية في بنية السلطة، بل غالباً ما انتهت بإعادة إنتاج النظام نفسه.

في مقابل هذين المسارين، تطرح قوى معارضة إيرانية ما تسميه “الخيار الثالث”، الذي يقوم على دعم قوى المعارضة الداخلية لإحداث تغيير سياسي يقود إلى نظام جمهوري ديمقراطي.

ويستند هذا الطرح إلى فكرة أن التغيير في إيران يجب أن يأتي من الداخل، عبر القوى الاجتماعية والسياسية الإيرانية، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية ورفض العودة إلى أي شكل من أشكال الحكم الملكي أو الديني.

كما تؤكد هذه الرؤية أن المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام يمكن أن تقاد عبر حكومة مؤقتة تتولى تنظيم عملية انتقال سياسي نحو نظام جمهوري قائم على التعددية السياسية والانتخابات الحرة.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن مستقبل إيران سيظل مرتبطاً بتفاعل عدة عوامل، من بينها طبيعة الضغوط الدولية، وقدرة المعارضة الإيرانية على تنظيم صفوفها، إضافة إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل البلاد.

وبين سيناريوهات الحرب، والإصلاح التدريجي، والتغيير الداخلي، يبقى السؤال المركزي مطروحاً: أي طريق يمكن أن يقود إيران إلى مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، ويخفف في الوقت نفسه من حدة التوترات التي انعكست على المنطقة طوال العقود الماضية.

في نهاية المطاف، فإن أي تحول سياسي مستقبلي في إيران لن يكون حدثاً محلياً فحسب، بل تطوراً استراتيجياً ستكون له انعكاسات عميقة على معادلات القوة في الشرق الأوسط.