منصور رخشانی يكتب لـ(اليوم الثامن):

20 يونيو في باريس: صرخة عالمية من أجل «نعم لجمهورية ديمقراطية» في إيران

في لحظة تاريخية تتراكم فيها أزمات نظام ولاية الفقيه، ويحاول فيها إخفاء ضعفه البنيوي خلف موجات الإعدام السياسي والقمع الداخلي والتوترات الإقليمية، تستعد باريس في 20 يونيو 2026 لأن تتحول إلى منصة عالمية لصوت إيران الحرة. ففي هذا اليوم، يتجمع أكثر من مئة ألف من الإيرانيين الأحرار وأنصارهم الدوليين ليؤكدوا أن الشعب الإيراني لا يريد استبداداً دينياً، ولا عودة إلى دكتاتورية موروثة، بل يسعى إلى جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة الشعب والحرية والمساواة وفصل الدين عن الدولة.

ليست تظاهرة 20 يونيو مجرد تجمع سياسي عابر، بل لحظة مكثفة تختصر مساراً طويلاً من التضحيات والمقاومة. ففي الوقت الذي يصعّد فيه النظام إعداماته السياسية لإرهاب المجتمع وكسر إرادة الشباب والنساء ووحدات المقاومة، يتبلور في الداخل والخارج موقف واضح يقول إن الصمت أمام جرائم الملالي لم يعد ممكناً. فكل مشنقة تُرفع في إيران ليست سوى دليل جديد على خوف السلطة من شعب يقترب أكثر فأكثر من لحظة التغيير.

وفي هذا السياق جاءت الرسالة المفتوحة التي وقّعها 78 من الحائزين جائزة نوبل، والموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لتعطي هذه اللحظة بعداً دولياً بالغ الأهمية. فقد عبّر الموقعون عن قلقهم العميق من الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في إيران، ولا سيما الإعدامات السياسية، وأشاروا بوضوح إلى تظاهرة 20 يونيو في باريس وإلى دعم الحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. كما اعتبروا أن الصمت الدولي أمام جرائم النظام يمثل عملياً «ضوءاً أخضر للقمع».

هذا الموقف، بما يحمله من رمزية علمية وأخلاقية وإنسانية، يعكس عزلة النظام المتزايدة، ويؤكد في المقابل تنامي شرعية المقاومة المنظمة للشعب الإيراني. فالدعم الدولي لم يعد محصوراً في بيانات تضامن محدودة، بل بات يكشف أن البديل الديمقراطي الذي تمثله المقاومة الإيرانية لم يعد صوتاً هامشياً، بل خياراً جدياً يحظى باهتمام متصاعد في المجتمع الدولي. ومن هنا، لم تعد الحكومات الغربية قادرة على تبرير سياسة المساومة مع الفاشية الدينية كما فعلت لعقود.

إن رمزية 20 يونيو لا تنفصل عن تاريخ المقاومة الإيرانية. ففي 20 يونيو 1981 رُسم خط فاصل واضح بين الشعب الإيراني وفاشية الملالي الدينية. ومنذ ذلك اليوم، دفعت المقاومة ثمناً باهظاً؛ من الإعدامات الجماعية إلى مجزرة 30 ألف سجين سياسي في صيف 1988، وصولاً إلى إعدام أبطال بارزين مثل وحيد بني عامريان في عام 2026، واعتقال وتعذيب نخب شابة مثل علي يونسي وأمير حسين مرادي ومحمد جواد وفائي ثاني. ومع ذلك، لم تتراجع هذه المقاومة يوماً عن مطلب الحرية والاستقلال وسيادة الشعب.

«لا شاه ولا ملا»: نهاية دورة الاستبداد

اليوم، ومع وصول النظام إلى واحدة من أضعف مراحله، تظهر محاولات لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغتين مختلفتين: عمامة دينية أو تاج موروث. غير أن الشعب الإيراني، في انتفاضاته المتعاقبة، رفض بوضوح هذين النموذجين. لذلك فإن شعار «لا شاه ولا ملا» ليس مجرد عبارة احتجاجية، بل تعبير عن استراتيجية تاريخية للخروج من دائرة الاستبداد التي حكمت إيران طوال قرن كامل. إنه رفض للديكتاتورية بكل أشكالها، ودعوة إلى مستقبل يقوم على الإرادة الحرة للمواطنين.

من هنا تكتسب تظاهرة باريس معناها الأعمق. فهي ليست فقط إدانة للقمع والإرهاب وتصدير الحروب، بل إعلان سياسي بأن هناك بديلاً منظماً وواضحاً. وهي في الوقت نفسه دعوة إلى المجتمع الدولي لإنهاء سياسة الصمت والمساومة؛ لأن الصمت في مواجهة نظام كهذا لا يعني الحياد، بل يعني عملياً تشجيع آلة الإرهاب والحرب والقمع، وترك سيف الملالي مسلطاً على رقاب الشعب الإيراني ومقاومته.

ويمثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ومعه خطة مريم رجوي ذات النقاط العشر، خريطة طريق عملية لعبور إيران من الاستبداد إلى حكم الشعب. فهذه الخطة تطرح جمهورية ديمقراطية غير نووية تقوم على الانتخابات الحرة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، والاقتصاد الحر، والسلام مع العالم. إنها رؤية لإيران مستقبلية تكون فيها السلطة نابعة من إرادة الشعب ومؤسساته الديمقراطية، لا من أجهزة القمع أو منطق الوراثة أو الفتاوى.

لذلك، فإن 20 يونيو في باريس هو أكثر من موعد سياسي. إنه يوم لتكريم الشهداء والسجناء السياسيين، ودعم الحكومة المؤقتة للمقاومة في مهمة نقل السلطة إلى الشعب، وإبلاغ العالم بأن زمن التساهل مع الفاشية الدينية قد انتهى. وفي هذا العام المصيري، يصبح واجب الإيرانيين الأحرار وأصدقاء الحرية في العالم أن يرفعوا هذا الصوت عالياً.

نعم، ستكون باريس في 20 يونيو مركزاً نابضاً لحركة اجتماعية وسياسية كبرى، تمتزج فيها الذاكرة بالتطلع، والتضحية بالأمل، وصوت إيران الحرة بنداء الجمهورية الديمقراطية. ومن قلب هذه التظاهرة، ستصل الرسالة إلى العالم بوضوح: لا شاه ولا ملا؛ نعم لإيران حرة، جمهورية، ديمقراطية، مسالمة، ومتصالحة مع شعبها والمنطقة والعالم.