مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران بين استنزاف الخارج وأزمة الداخل
على مدى عقود، تعاملت الدول الغربية مع إيران من خلال معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها أثبتت محدوديتها في التطبيق: الضغط على النظام لدفعه إلى تغيير سلوكه، ثم العودة إلى التفاوض كلما اقتربت المواجهة من حدود يصعب احتواؤها. وبين العقوبات الاقتصادية والمفاوضات والضربات العسكرية المحدودة، ظلت طهران قادرة على إعادة إنتاج أدواتها، فيما بقي السؤال الأهم مؤجلاً: ماذا يحدث داخل إيران نفسها؟
المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة السياسة التي تنتهجها طهران خارج حدودها، وإنما في بنية النظام السياسية والأمنية التي تجعل الصراع الخارجي جزءاً من آلية بقائه في الداخل. فالأزمات الإقليمية تمنح السلطة مبررات إضافية لتوسيع الإجراءات الأمنية، وتقديم الخصوم الخارجيين باعتبارهم تهديداً مباشراً للدولة والمجتمع، بما يتيح تأجيل الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والحريات والتمثيل السياسي.
لهذا تبدو سياسة انتظار «تغيير السلوك» وحدها محدودة النتائج. فالنظام الإيراني لم يتعامل مع الضغوط الدولية باعتبارها سبباً كافياً لإعادة النظر في بنيته السياسية، بل عمل في كثير من الأحيان على امتصاص آثارها وإعادة توزيع تكاليفها على المجتمع، مع الاحتفاظ بالأدوات التي تمنحه قدرة على المناورة في الإقليم.
لكن هذا لا يعني أن الخيار المقابل، أي الحرب الشاملة، يمثل حلاً أكثر واقعية. فالتجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تشير إلى أن المواجهة الخارجية يمكن أن تمنح السلطة فرصة لتعبئة المجتمع خلف خطاب الأمن القومي، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية، وإضعاف الأصوات المعارضة تحت ذريعة مواجهة الخطر الخارجي. ولذلك فإن الحرب، حتى عندما تنجح في إلحاق أضرار مادية بالنظام، لا تعني بالضرورة إضعاف قدرته على السيطرة في الداخل.
المفارقة هنا أن أكثر ما يهدد أي نظام سلطوي ليس بالضرورة الضربة العسكرية، بل فقدان قدرته على إقناع المجتمع بأن بقاءه يمثل الخيار الوحيد الممكن. وفي الحالة الإيرانية، تظهر هذه المسألة بوضوح في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، والتي كشفت عن اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع وبين السلطة، وعن تراكم مطالب اقتصادية وسياسية واجتماعية تتجاوز ملفاً واحداً أو احتجاجاً عابراً.
غير أن الاحتجاجات وحدها لا تكفي لإحداث تحول سياسي. فالتجارب التاريخية تثبت أن الأنظمة شديدة المركزية قادرة على احتواء موجات الغضب الشعبي عندما تظل الاحتجاجات متفرقة، أو تفتقر إلى قيادة سياسية واضحة، أو تواجه جهازاً أمنياً يمتلك تفوقاً تنظيمياً ومعلوماتياً كبيراً. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين وجود حالة رفض شعبي وبين امتلاك القدرة على تحويل هذا الرفض إلى تغيير سياسي مستدام.
وتبدو السلطة الإيرانية أكثر حساسية تجاه هذه النقطة تحديداً. فالمشكلة بالنسبة إليها ليست مجرد خروج مظاهرات في مدينة أو أخرى، وإنما احتمال انتقال الاحتجاج من حالة متقطعة إلى حركة اجتماعية أوسع يصعب احتواؤها. ولذلك لا يمكن فصل القبضة الأمنية عن إدارة النظام للأزمات الخارجية؛ فكلما ارتفع منسوب التوتر الإقليمي، ازدادت قدرة السلطة على تقديم الإجراءات الأمنية باعتبارها جزءاً من معركة أكبر.
أما الحديث عن سقوط مدن إيرانية بصورة مؤقتة خلال الاحتجاجات، ومنها مشهد، فيحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق قبل اعتماده كدليل على انهيار المنظومة الأمنية. فقد شهدت إيران بالفعل احتجاجات واسعة ومواجهات في مدن متعددة، لكن وصف مدينة كبيرة بأنها «خرجت بالكامل من سيطرة الأجهزة الأمنية» يتطلب أدلة مستقلة وقابلة للتحقق، لا مجرد روايات متداولة أو تقارير صادرة عن أطراف سياسية ذات مصلحة في تضخيم الحدث. ومع ذلك، فإن اتساع رقعة الاحتجاجات وقدرتها على الوصول إلى مدن رئيسية يظل مؤشراً مهماً على حجم التوتر الاجتماعي الذي يواجهه النظام.
من هنا يمكن التفكير في مسار ثالث يتجاوز الثنائية التقليدية بين الاسترضاء والحرب. يقوم هذا المسار على الفصل بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، مع ممارسة ضغط محسوب على أدوات السلطة الخارجية والداخلية في آن واحد. فلا يكون الهدف إسقاط الدولة الإيرانية أو معاقبة المجتمع، بل زيادة كلفة القمع على السلطة، وتقليص قدرتها على استخدام الملفات الإقليمية لتغطية أزمتها الداخلية.
ويعني ذلك أن أي انفتاح اقتصادي أو تخفيف للعقوبات يمكن ربطه بمؤشرات محددة في مجال حقوق الإنسان، مثل تحسين أوضاع المعتقلين السياسيين، وضمان حقوق الاحتجاج والتعبير، ووقف الإجراءات التي تستهدف المجتمع المدني، إضافة إلى ضمان وصول الإيرانيين إلى وسائل الاتصال والمعلومات. وفي المقابل، يمكن للمجتمع الدولي أن يركز على منع إيران من استخدام وكلائها وأدواتها الإقليمية لزعزعة أمن دول الجوار والممرات البحرية.
هذه المقاربة لا تعني تبني كل القوى المعارضة للنظام أو منحها تفويضاً سياسياً مفتوحاً. فالمعارضة الإيرانية نفسها ليست كتلة واحدة، كما أن المجتمع الإيراني يضم تيارات واتجاهات سياسية واجتماعية مختلفة. ولذلك فإن أي سياسة خارجية جادة تحتاج إلى التعامل مع الإيرانيين باعتبارهم مجتمعاً متنوعاً، لا مجرد كتلة سياسية تنتظر بديلاً جاهزاً.
وتبرز قضية عقوبة الإعدام باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق. فإيران من الدول التي تسجل معدلات مرتفعة جداً من تنفيذ أحكام الإعدام، وفق تقارير حقوقية دولية. لكن التعامل مع هذه المسألة ينبغي أن يكون قائماً على توثيق مستقل للحالات وظروف المحاكمات، بعيداً عن التعميم السياسي الذي قد يفقد الخطاب الحقوقي مصداقيته.
في نهاية المطاف، تبدو الأزمة الإيرانية أعمق من الخلاف حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي أو العقوبات الاقتصادية. إنها أزمة تتعلق بعلاقة الدولة بالمجتمع، وبقدرة نظام سياسي نشأ على فكرة الثورة والتعبئة المستمرة على الاستمرار في إدارة مجتمع تتغير مطالبه وأولوياته.
ولهذا فإن الرهان على الحرب وحدها قد يكون قصير النظر، كما أن الرهان على الدبلوماسية وحدها أثبت أنه غير كافٍ. الخيار الأكثر واقعية هو بناء سياسة متعددة المسارات: ردع واضح للسلوك الإقليمي المزعزع للاستقرار، وضغط اقتصادي وسياسي مدروس، ودعم جاد للحقوق والحريات، وفتح المجال أمام المجتمع الإيراني ليقرر مستقبله بنفسه.
المسألة في النهاية ليست كيف يمكن للخارج أن يختار بديلاً للنظام الإيراني، وإنما كيف يمكن منع النظام من استخدام الخارج ذريعة لإغلاق المجال أمام التغيير في الداخل. وهذا الفارق هو الذي يحدد ما إذا كانت السياسة الدولية ستسهم في إضعاف أسباب الأزمة، أم ستعيد إنتاجها في دورة جديدة من التصعيد والمواجهة.


