حسين حنشي يكتب لـ(اليوم الثامن):
الحوثيون والسعودية.. من يضبط إيقاع الحرب ومن تسبقه روايته الإعلامية؟
أعادت المعارك في الساحل الغربي اليمني والهجمات على السعودية طرح سؤال يتجاوز موازين السلاح: كيف يدير كل طرف الحرب، ومتى تتحول القوة إلى قرار سياسي محسوب؟ تبدو المقارنة مغرية بين إرث الحكم في اليمن ونشأة الدولة السعودية، لكنها تحتاج إلى قراءة السلوك الراهن قبل استدعاء التاريخ للحكم عليه.
في الحرب، قد يملك طرف الطائرات والمال والعلاقات الدولية، ثم يجد نفسه مضطراً إلى ملاحقة مبادرة خصمه. وقد يفتقر الطرف الآخر إلى معظم هذه الموارد، لكنه يعرف أين يضغط، ومتى يصمت، وكيف يترك لمنافسه مهمة شرح ما جرى. هذا التفاوت هو ما أعادته المواجهة الأخيرة بين الحوثيين والسعودية إلى الواجهة، خصوصاً بعد تقدم الجماعة على الساحل الغربي لليمن وتصاعد الهجمات العابرة للحدود.
أثار ذلك التقدم سؤالاً حاداً: هل أظهر الحوثيون في هذه الأزمة سلوك دولة، بينما تصرفت القيادة السعودية في بعض محطاتها بمنطق جماعة تستعين بالاستعراض لتعويض اضطراب القرار؟ السؤال مشروع بوصفه أداة لفحص الأداء، لكن الإجابة لا تستقيم إذا جعلنا المهارة العسكرية شهادةً بالحكم الرشيد، أو جعلنا إخفاقاً عسكرياً دليلاً على غياب الدولة.
نشأت على أرض اليمن ممالك سبأ وقتبان وأوسان وحِمير، ثم تعاقبت عليها صيغ متعددة من الحكم والسلطة. وفي تاريخ أقرب، حكم الأئمة الزيديون مناطق واسعة من شمال البلاد عبر تحالفات وصراعات مع القبائل والقوى المحلية. تمنح هذه التجارب اليمنيين تاريخاً طويلاً في التعامل مع الجغرافيا الصعبة، وشبكات الولاء، وطرق التجارة، والمساومة السياسية. لكنها لا تنتقل عبر «جينات» سياسية من مملكة قديمة إلى قيادة عسكرية معاصرة. ما يمكن اختباره هو قدرة أي طرف اليوم على قراءة الأرض وتنظيم قوته واستخدام التفاوض إلى جانب القتال.
في الساحل الغربي، قدم الحوثيون مثالاً على هذه القدرة العملياتية. فقد حققوا تقدماً قرب باب المندب، ثم كثفوا مساعيهم للسيطرة على مرتفعات استراتيجية بين تعز ولحج؛ وهي مواقع تكتسب قيمتها من إشرافها على طرق الحركة بين الداخل والساحل. ووصفت رويترز الهجوم بأنه كشف إخفاقات استخباراتية وتراجعاً في صفوف القوات اليمنية المدعومة من السعودية. هنا لا تكمن أهمية العملية في مساحة الأرض وحدها، بل في اختيار توقيتها وأهدافها وفي أثرها على حسابات الرياض وشركائها.
ساعد الحوثيين أيضاً انضباط رسالتهم حول هدف محدد. فبينما كانت الأنظار تتجه إلى باب المندب، بات على السعودية أن تفكر في أمن حدودها ومنشآتها النفطية وصادراتها البحرية في وقت واحد. ووسعت الجماعة ضغطها بالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. أكدت السعودية اعتراض صاروخ باليستي استهدف الرياض، في حين أعلنت الجماعة تنفيذ هجمات أخرى لم يتسنَّ التحقق المستقل من جميع نتائجها. يكفي وقوع التهديد، حتى عندما يُحبط الهجوم، لنقل جزء من المعركة إلى الداخل السعودي وإجبار الرياض على توزيع اهتمامها بين جبهات متعددة.
لكن هذا لا يعني أن الحوثيين أحكموا إغلاق باب المندب أو حسموا الحرب. أظهرت بيانات الملاحة التي أوردتها رويترز استمرار عبور السفن المضيق، وإن تراجعت الحركة، كما استمرت المعارك على الأرض. والتمييز بين القدرة على تهديد ممر بحري والسيطرة الكاملة عليه ضروري؛ فالمبالغة في وصف مكاسب الحوثيين تكرر الخلل نفسه الذي يؤخذ على الخطاب السعودي.
برز وجه آخر من إدارة الجماعة للصراع في اتصالها غير المباشر بالولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان. قال مسؤول حوثي لوكالة أسوشيتد برس إن جماعته لا تعتزم استهداف السفن الأمريكية، في سياق تفاهمات أعقبت وقف الضربات الأمريكية عام 2025. من وجهة نظر الحوثيين، يتيح هذا التفريق بين الخصوم إبقاء الضغط على السعودية مع تقليل احتمال فتح مواجهة أمريكية مباشرة. إنه حساب سياسي واضح، سواء اتفق المرء مع الجماعة أم عارضها.
في الجانب السعودي، بدت المشكلة أعمق من صياغة بيان عسكري أو اختيار مفرداته. فإذا استطاع الحوثيون حشد قوة كبيرة والتقدم في مواقع حساسة قبل احتواء هجومهم، فإن السؤال يتجه إلى الاستخبارات، وتماسك الحلفاء المحليين، وسرعة القرار. كثافة الغارات الجوية لا تجيب وحدها عن سؤال: من يثبت على الأرض بعد انتهاء القصف؟ وقد نقلت رويترز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتعهد بتقديم دعم عسكري مباشر في اتصال مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. وهكذا وجدت الرياض نفسها أمام حاجة ملحة إلى وقف التقدم الحوثي، من دون ضمان أن يتحمل حلفاؤها الخارجيون عبء المعركة عنها.
في مثل هذه اللحظة، يصبح الإعلام جزءاً من الأزمة إذا سبق التثبت الميداني. الإعلان المتكرر عن «عمليات نوعية» أو عن نتائج لم تتضح شواهدها قد يمنح الجمهور شعوراً عابراً بأن زمام المبادرة قد عاد، لكنه يرفع كلفة التراجع حين تكشف الأرض صورة مختلفة. وإذا ظلت هوية بعض القادة الميدانيين الحوثيين وتفاصيل عملياتهم بعيدة عن التداول، فإن هذا الصمت يمنح الجماعة مساحة للمناورة. مع ذلك، لا ينبغي اعتبار السرية فضيلة في ذاتها؛ فقد تحمي عملية عسكرية، وقد تحجب أيضاً المسؤولية عن أخطائها وضحاياها.
استدعاء نشأة الدولة السعودية مفيد هنا بشرط الدقة. فقد بدأت الدولة السعودية الأولى بتحالف سياسي وديني في الدرعية في القرن الثامن عشر، أما «إخوان من أطاع الله» فارتبطوا بمرحلة توحيد المملكة في أوائل القرن العشرين، وليسوا جماعة محمد بن سعود. وبعد ذلك التاريخ نشأت مؤسسات دولة سعودية واسعة، لها إدارة واقتصاد ودبلوماسية وقدرات عسكرية. لا تمحو معركة مرتبكة وجود تلك المؤسسات؛ لكنها تكشف الفارق بين امتلاكها واستخدامها بقرار متماسك.
وعلى المنوال نفسه، لا يصبح الحوثيون دولةً عادلة لأنهم أتقنوا المناورة على الساحل أو تفاوضوا ببراغماتية عبر عُمان. تُقاس الدولة أيضاً بطريقة حكم الناس، وحماية المدنيين، وإتاحة المساءلة، ومنع تحويل طرق التجارة إلى رهائن للصراع. وقد دفعت المجتمعات اليمنية ثمناً كبيراً لتجدد القتال والنزوح. إن قدرة جماعة على إحراج خصمها القوي تقول شيئاً عن كفاءتها في الحرب، لكنها لا تجيب وحدها عن حق السكان في الأمن والتمثيل والحياة خارج التعبئة الدائمة.
هذا هو التناقض الذي كشفت عنه الأزمة. تحرك الحوثيون، في محطات منها، بحسابات عسكرية وسياسية مترابطة: ضغط ميداني قرب الممر البحري، وتهديد للعمق السعودي، وقناة تفاوض تقلل خطر تدخل أمريكي مباشر. وفي المقابل، كشفت التطورات صعوبة سعودية في حماية ترتيبها العسكري على الأرض وفي تحويل علاقاتها الواسعة إلى استجابة حاسمة. تلك قراءة للأداء في هذه المرحلة، وليست حكماً أبدياً على قدرة أي من الطرفين أو على هوية شعبين.
إذا كان لإرث الدول اليمنية حضور في هذه الحرب، فلا يظهر في نسبٍ مباشر بين سبأ والحوثيين، بل في سؤال قديم تفرضه أرض اليمن على من يحاول حكمها أو القتال فيها: هل يعرف كيف يجمع بين الجبل والساحل، وبين القوة والتفاوض، وبين الحليف المحلي والقرار المركزي؟ أثبت الحوثيون أنهم قادرون على استثمار بعض هذه المعادلات ضد السعودية. أما الامتحان الأصعب لهم ولخصومهم معاً، فهو ما إذا كان أحدهم يستطيع نقل هذه القدرة من إدارة الحرب إلى بناء سلام يملك اليمنيون فيه قرارهم.


