حسين حنشي يكتب لـ(اليوم الثامن):

أزمة شرعية وقرار مرتهن.. لماذا فشلت دعوة التعبئة العامة في اليمن؟

أطلق مجلس القيادة الرئاسي المؤقت دعوته إلى التعبئة العامة كما لو أنه يخاطب مجتمعاً ينتظر إشارة منه للالتحاق بالجبهات. لكن الدعوة مرت من دون استجابة شعبية توازي خطورة المرحلة أو حجم التهديد الذي يتحدث عنه المجلس، ولم تتحول إلى موجة تجنيد أو حراك اجتماعي واسع في المناطق الشمالية الخارجة عن سيطرة الحوثيين.

هذا الفشل لا يمكن تفسيره بضعف الخطاب الإعلامي وحده، ولا بالخوف من الحرب أو نقص الحوافز المالية. المشكلة أعمق من ذلك، وتتصل بشرعية الجهة التي أطلقت الدعوة، وبصورة رئيس المجلس رشاد العليمي في الوعي الشعبي، وبطبيعة العلاقة بين السلطة المعترف بها دولياً والسعودية، وبالطريقة التي أُديرت بها الحرب طوال أكثر من عقد.

فالتعبئة العامة ليست بياناً يصدر عن مكتب سياسي، بل علاقة ثقة بين سلطة ومجتمع. ولا يستطيع رئيس يقيم خارج البلاد، ويتحرك تحت مظلة دولة إقليمية، ويُنظر إلى قراراته بوصفها امتداداً لإرادتها، أن يطلب من الناس التضحية بحياتهم من أجل معركة لا يعرفون أهدافها ولا يملكون قرارها.

لم يرفض اليمنيون القتال لأنهم لا يدركون خطر الحوثيين، فقد خبروا سلطتهم في صنعاء والمحافظات الخاضعة لهم، وعاشوا نتائج التعبئة الطائفية والتجنيد والحروب والجبايات والقمع. لكن معرفة الخطر لا تعني تلقائياً الثقة بالطرف المقابل، خصوصاً عندما يبدو هذا الطرف عاجزاً عن تقديم مشروع سياسي أو نموذج حكم يختلف عن سلطة الجماعة التي يدعو الناس إلى مواجهتها.

تكمن المعضلة الأولى في أن رشاد العليمي لا يظهر أمام قطاعات واسعة من اليمنيين بوصفه قائداً فعلياً للحرب أو رئيساً يمتلك القرار. فهو يرأس مجلساً تشكل بتسوية خارجية، ويضم أطرافاً متعارضة المصالح والمشاريع، فيما بقيت أدوات القوة والتمويل والتحرك السياسي مرتبطة بالرياض. ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين الصفة الرسمية التي يحملها العليمي وبين قدرته الواقعية على إصدار قرار وتنفيذه.

يتابع اليمنيون رئيس مجلس القيادة وهو يدير شؤون السلطة من الرياض، ويصدر قراراته وبياناته من خارج البلاد، بينما تتآكل المؤسسات والخدمات في المناطق التي يفترض أن تخضع لحكومته. وعندما يعود في لحظة الخطر ليطالب الناس بالنفير، يصبح السؤال مشروعاً: إلى أي دولة يُطلب منهم الانضمام، وتحت قيادة من سيقاتلون، ومن يقرر مسار الحرب والتفاوض؟

لا تتعلق الأزمة بشخص العليمي وحده، بل ببنية مجلس القيادة نفسه. فقد أُنشئ المجلس لإدارة تناقضات القوى المحلية ورعاتها الإقليميين أكثر مما أُنشئ لبناء سلطة وطنية موحدة. وظلت مكوناته تتحرك وفق مصالحها وشبكاتها ومناطق نفوذها، بينما غاب المركز القادر على جمعها داخل استراتيجية عسكرية وسياسية واضحة.

ولهذا لم تنتج سنوات المجلس جيشاً موحداً أو قيادة عمليات مشتركة أو عقيدة قتالية جامعة. بقيت القوات موزعة بين تشكيلات ترتبط بقيادات محلية وداعمين خارجيين، ولكل منها حساباتها الخاصة. وعندما صدرت دعوة التعبئة العامة، لم يجد المواطن مؤسسة عسكرية وطنية واضحة يمكنه الالتحاق بها، بل وجد خريطة معقدة من المعسكرات والولاءات المتنافسة.

أما المعضلة الثانية فتتصل بصورة السعودية في الشمال. فبعد أكثر من عقد من الحرب، لم تعد قطاعات واسعة من السكان تنظر إلى الرياض باعتبارها حليفاً جاء لإنهاء الانقلاب وإعادة الدولة. فقد خلّفت الغارات والعمليات العسكرية والحصار والانهيار الاقتصادي والنزوح ذاكرة ثقيلة، استثمر الحوثيون فيها لتقديم السعودية باعتبارها عدواً خارجياً.

نجحت الجماعة، عبر خطابها السياسي والإعلامي، في تحويل المواجهة من صراع داخلي على السلطة والدولة إلى حرب ضد تدخل سعودي. وفي المقابل، أخفقت الرياض والسلطة التابعة لها في تقديم رواية مقنعة تفصل بين مقاومة الحوثيين وبين الارتهان للقرار الخارجي.

ولم تفعل السياسات السعودية اللاحقة الكثير لتغيير هذه الصورة. فالمملكة تفاوضت مع الحوثيين مباشرة، وقلّصت العمليات العسكرية، وأعادت ترتيب حلفائها أكثر من مرة، ثم عادت إلى الدعوة للتصعيد عندما تعرضت مصالحها للخطر. هذا التبدل جعل كثيراً من اليمنيين يعتقدون أن الحرب ليست معركتهم الوطنية، بل ورقة تستخدمها الرياض بحسب حاجتها إلى الضغط أو التهدئة.

وحين يعتقد المواطن أن الجهة التي تدعوه إلى القتال قد تعقد غداً اتفاقاً منفرداً مع خصمه، يصبح الامتناع عن الانخراط في الحرب قراراً عقلانياً، لا دليلاً على التعاطف مع الحوثيين. فالناس لا يريدون تقديم أبنائهم وقوداً لمعركة يمكن أن تنتهي بتسوية لا يكونون طرفاً فيها.

وظهرت هذه المعضلة أيضاً في التعبئة السابقة التي جرت باتجاه حضرموت. فقد حاول الخطاب الرسمي تقديم التحرك باعتباره استجابة شعبية لدعوة مجلس القيادة، بينما كانت القوى التي تحركت في الواقع تشكيلات عسكرية منظمة وممولة ومرتبطة بالسعودية. لم يكن المشهد انتفاضة اجتماعية واسعة، بل إعادة توجيه لقوات موجودة أصلاً داخل منظومة النفوذ السعودي.

وهذا هو الفارق بين التعبئة الشعبية وتحريك الوحدات العسكرية. الأولى تنبع من اقتناع المجتمع بشرعية المعركة واستعداده لتحمل كلفتها، أما الثانية فتتم بأوامر وتمويل وترتيبات لوجستية. وما ظهر في حضرموت كان أقرب إلى تحريك تشكيلات عسكرية منه إلى استجابة يمنية عامة.

وفي الدعوة الراهنة، تبدو حدود الخيار أكثر وضوحاً. فالتشكيلات الشمالية الموالية للسعودية موجودة أصلاً في الجبهات أو المعسكرات، وبعضها خسر مواقع أمام الحوثيين أو عجز عن بناء تقدم مستدام. ولذلك لا تضيف دعوة النفير مورداً بشرياً جديداً، بل تعيد مخاطبة القوى نفسها التي تُصدر لها الأوامر عبر قنوات عسكرية وسياسية معروفة.

وإذا كانت القوات القائمة قد أخفقت بسبب ضعف القيادة وتضارب الولاءات وغياب الإسناد والاستراتيجية، فإن زيادة أعداد المقاتلين لن تعالج المشكلة. فالحروب لا تُحسم بالعدد وحده، بل بالقيادة والتخطيط والمعلومات والإمداد والهدف السياسي. ولا يمكن مطالبة المجتمع بسد فجوات صنعتها سنوات من سوء إدارة الحرب.

هناك أيضاً عامل الإنهاك الاجتماعي. فقد عاش اليمنيون أكثر من عقد من القتال والفقر والنزوح وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات. استُنزفت الأسر، وتراجعت قدرتها على تحمل مزيد من الخسائر، وأصبح البحث عن الدخل والغذاء والعلاج أولوية تتقدم على الشعارات السياسية.

وعندما تطلب سلطة من مجتمع منهك إرسال أبنائه إلى الجبهات، بينما تعجز عن دفع الرواتب وتوفير الكهرباء والمياه وضبط الأسعار، فإنها تطلب تضحية لا تقابلها مسؤولية. فالسلطة التي تريد من المواطن أن يموت دفاعاً عنها مطالبة أولاً بأن تثبت أنها قادرة على حمايته وهو حي.

كذلك لم يقدم مجلس القيادة تصوراً واضحاً لما بعد الحرب. هل تهدف التعبئة إلى استعادة صنعاء وإسقاط سلطة الحوثيين؟ أم إلى حماية السعودية ومنع الهجمات على أراضيها؟ أم إلى تحسين شروط التفاوض؟ وهل توجد خطة لإدارة المناطق التي قد تُستعاد، أم أن الدعوة تنتهي عند حدود إرسال مزيد من المقاتلين؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلات نظرية. فالمواطن الذي يُطلب منه حمل السلاح يريد أن يعرف الغاية السياسية من الحرب. وإذا كانت القيادة غير قادرة على تحديد الهدف، فإنها لا تستطيع أن تطلب من المجتمع تفويضاً مفتوحاً بالدم.

ويضاف إلى ذلك أن المجلس لم يستطع بناء نموذج حكم جاذب في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحوثيين. فالفساد والانقسامات وتدهور العملة وغياب الخدمات والصراع على الموارد والتعيينات أضعفت صورة السلطة المعترف بها دولياً. وباتت المقارنة بالنسبة إلى كثيرين لا تجري بين دولة ومليشيا، بل بين سلطتين متنافستين، لكل منهما شبكاتها المسلحة ومراكز نفوذها وأدواتها في الجباية والقمع.

كان من المفترض أن تقدم المناطق المحررة نموذجاً سياسياً واقتصادياً يقنع سكان الشمال بوجود بديل أفضل. لكن مجلس القيادة والحكومات المتعاقبة أخفقت في ذلك. وعندما يغيب النموذج، تصبح دعوة الناس إلى الثورة على الحوثيين خطاباً بلا مضمون عملي.

كما أن طريقة تعامل المجلس مع قضية الجنوب أضعفت قدرته على بناء جبهة واسعة. فالقوات الجنوبية خاضت المعارك الأكثر فاعلية ضد الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، لكنها لم تحصل على اعتراف سياسي بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره. وبدلاً من بناء شراكة واضحة معها، حاولت الرياض والسلطة اليمنية استخدامها قوة عسكرية عند الحاجة، ثم تهميش مشروعها السياسي بعد انتهاء المعارك.

وقد خلقت هذه السياسة رفضاً جنوبياً واسعاً لأي محاولة جديدة لجر القوات الجنوبية إلى حرب مفتوحة في الشمال. فالجنوبيون يتساءلون عن سبب مطالبتهم بتحرير صنعاء في وقت تُستخدم فيه مؤسسات السلطة نفسها لمنعهم من استعادة دولتهم وإدارة أرضهم.

أما أبناء الشمال، فلا يرون في مجلس القيادة تمثيلاً سياسياً قادراً على مخاطبتهم أو الدفاع عن مصالحهم. وهكذا خسر المجلس ثقة الجنوبيين بسبب إنكاره قضيتهم، ولم يربح الشماليين بسبب عجزه وارتهانه للقرار السعودي.

تكشف الاستجابة المحدودة لدعوة النفير أن الاعتراف الدولي لا يصنع شرعية داخلية. قد تملك السلطة مقعد اليمن في الأمم المتحدة، والسفارات والقرارات الرسمية، لكنها لا تملك بالضرورة قدرة تعبئة المجتمع. فالشرعية الحقيقية تُقاس بمدى ثقة الناس بالمؤسسات واستعدادهم للدفاع عنها، لا بعدد البيانات الصادرة من العواصم الخارجية.

وقد يكون الخطأ الأكبر في خطاب مجلس القيادة أنه افترض استمرار اليمنيين في التعامل مع الحرب وفق معادلات عام 2015. لكن المجتمع تغير، والتحالفات تبدلت، والأهداف المعلنة فقدت صدقيتها. فمن أعلن قبل أكثر من عقد عزمه استعادة صنعاء انتقل لاحقاً إلى التفاوض المباشر مع الحوثيين، ومن تحدث عن بناء الدولة ساهم في تكريس سلطات متعددة ومناطق نفوذ متصارعة.

ولذلك لا يستطيع العليمي استعادة الحماس بخطاب تعبوي قصير. فالمشكلة ليست في الصياغة، وإنما في غياب الثقة بالمصدر والهدف والنتيجة. وكلما تكررت الدعوات من دون مراجعة سياسية شاملة، ازداد انكشاف ضعف المجلس وعجزه عن التأثير خارج الدوائر العسكرية الممولة من السعودية.

إذا أراد مجلس القيادة استجابة مختلفة، فعليه أن يبدأ من الاعتراف بأن التعبئة ليست أمراً إدارياً. يحتاج الأمر إلى قيادة موجودة داخل البلاد، وقرار مستقل، ومؤسسات تعمل، ورواتب تُدفع، وخدمات تُقدَّم، وجيش موحد، وخطة سياسية معلنة، وعلاقة واضحة مع السعودية لا تجعل المجلس واجهة لقرار خارجي.

كما يحتاج إلى تسوية حقيقية مع الجنوب تعترف بحق شعبه في تقرير مستقبله، وإلى مخاطبة سكان الشمال بلغة المواطنة والمصلحة، لا عبر استدعاء الخوف أو إصدار أوامر لا يملك المجلس وسائل تنفيذها.

إن فشل دعوة التعبئة العامة لا يعني أن الحوثيين اكتسبوا قبولاً شعبياً واسعاً، ولا أن اليمنيين تخلوا عن رفض سلطتهم. لكنه يعني أن خصوم الجماعة لم ينجحوا في بناء بديل يستحق أن يقاتل الناس من أجله. وهذه هي الخلاصة الأكثر خطورة على مجلس القيادة وعلى السعودية معاً.

فالحوثيون يستفيدون من ضعف خصومهم بقدر استفادتهم من قوتهم الذاتية. وكلما ظهر المجلس عاجزاً عن تحريك المجتمع، تعززت رواية الجماعة بأنها الطرف الوحيد الذي يمتلك قيادة وقراراً وقوة منظمة على الأرض.

لهذا لم يرفض اليمنيون دعوة رشاد العليمي لأنهم اختاروا الحوثيين، بل لأن الدعوة صدرت عن سلطة لا يرونها مستقلة، ولا يثقون بقدرتها على إدارة الحرب أو الوفاء بنتائجها. رفضوا أن يتحولوا مرة أخرى إلى وقود لقرار يصدر من الخارج، ولمعركة تتغير أهدافها وفق الحسابات السعودية.

لقد كشفت الدعوة أن مجلس القيادة يمتلك صفة رسمية، لكنه لا يمتلك قاعدة اجتماعية قادرة على تحويل بياناته إلى فعل. وكشفت، في الوقت نفسه، أن المعضلة اليمنية لم تعد نقصاً في المقاتلين، بل أزمة قيادة وشرعية ومشروع سياسي.

وقبل أن يطالب رشاد العليمي اليمنيين بالنفير، عليه أن يجيب عن السؤال الذي يسبق كل تعبئة: من يملك قرار الحرب، ولأي غاية سيقاتل الناس؟ ما دام الجواب العملي يشير إلى أن القرار في الرياض، وأن الهدف يتبدل بحسب مصالحها، فستبقى الدعوات بلا جمهور، وسيظل المقاتلون الذين يستجيبون لها هم أنفسهم المنضوين مسبقاً داخل التشكيلات الممولة والمرتبطة بالسعودية.