حسين حنشي يكتب لـ(اليوم الثامن):
التعبئة الحوثية والسخرية السعودية.. قراءة تحليلية في ديناميات القوة وإعادة تشكيل التوازنات
في اليمن، لا يمكن التعامل مع الخطاب السياسي بوصفه انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتباره أداة ضمن منظومة أوسع من إدارة الصراع. كل تصريح، كل تهديد، وكل نبرة إعلامية، هي جزء من بنية تفاوضية مركبة تتداخل فيها الحسابات المحلية بالإقليمية، والرمزية بالعملية. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة الحوثية الأخيرة إلى التعبئة العامة، وما رافقها من تهديدات صريحة للسعودية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في اليمن والمنطقة.
المشهد الراهن لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح المجال أمام تفكيك طبقات متعددة من التفاعلات السياسية والعسكرية.
كيف يمكن تفسير إعلان الحوثيين التعبئة العامة في لحظة يفترض أنها تشهد مسار تفاهمات مع السعودية؟ وكيف يمكن قراءة الرد السعودي الذي اتسم بسخرية غير معهودة في سياق العلاقات بين الطرفين؟ هل نحن أمام تصدع فعلي في مسار التفاهمات، أم أمام إعادة تموضع تكتيكية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض؟ أم أن ما يجري يعكس نمطًا مستقرًا من إدارة الصراع، حيث يتم توظيف التصعيد الإعلامي كأداة ضغط ضمن عملية تفاوض مستمرة؟
لفهم ذلك، لا بد من تحليل موقع كل طرف ضمن معادلة القوة الحالية.
الحوثي، رغم خطابه التصعيدي، لا يتحرك من موقع اندفاع نحو حرب شاملة، بل من موقع يسعى إلى تثبيت مكاسب سياسية وعسكرية تحققت خلال سنوات الصراع. الجماعة تتبنى خطابًا يعكس ثقة ظاهرية، لكنها في العمق تواجه بيئة إقليمية متغيرة، خاصة في ظل الضغوط التي تعرض لها المحور الإيراني. ومع ذلك، فإن استمرار رفع سقف الخطاب تجاه السعودية يشير إلى محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وليس بالضرورة إلى نية الانخراط في مواجهة مفتوحة.
هذه الاستراتيجية تنسجم مع نمط سلوك الحوثيين، حيث يتم استخدام التهديد كأداة تفاوضية تهدف إلى منع أي تغيير في التوازنات القائمة. التعبئة العامة، في هذا السياق، يمكن فهمها كإشارة استباقية موجهة إلى الرياض، مفادها أن أي محاولة لإعادة صياغة المشهد اليمني دون مراعاة مصالح الجماعة ستقابل بتصعيد.
في المقابل، يعكس الخطاب السعودي تحولًا في إدراك التهديد. السخرية التي طغت على الردود الإعلامية ليست مجرد موقف دعائي، بل قد تعكس تقييمًا استراتيجيًا مفاده أن الحوثيين، في المرحلة الحالية، غير قادرين أو غير راغبين في تنفيذ تهديداتهم. هذا التحول في الإدراك له دلالات مهمة، إذ يشير إلى تراجع مستوى الردع الذي كانت تمثله الهجمات الحوثية في السابق.
غير أن هذا الاستخفاف الظاهري لا يعني بالضرورة غياب القلق. فالسعودية، التي تسعى منذ سنوات إلى الخروج من مستنقع الحرب اليمنية، تدرك أن أي تصعيد غير محسوب قد يعيدها إلى نقطة الصفر. وبالتالي، فإن السخرية قد تكون أيضًا أداة لإدارة التوتر، ومحاولة لاحتواء التصعيد دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
على المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل هذه التطورات عن التحولات التي شهدتها المنطقة مؤخرًا. المواجهات بين إيران وخصومها أعادت تشكيل أولويات الفاعلين الإقليميين، ودفعت نحو إعادة تموضع استراتيجي. في هذا السياق، تبدو السعودية أكثر ميلًا إلى تثبيت حالة من الاستقرار النسبي، حتى وإن تطلب ذلك تقديم تنازلات ضمن مسار تفاوضي مع الحوثيين.
لكن هذا المسار يطرح إشكاليات معقدة، خاصة فيما يتعلق بالبعد الاقتصادي والسياسي للصراع. التحول في الخطاب الحوثي نحو التركيز على “ثروات اليمن” يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الموارد في بناء سلطة مستدامة. السيطرة العسكرية على الشمال لم تعد كافية، والجماعة تسعى إلى توسيع نفوذها ليشمل الموارد الحيوية في الجنوب.
هذا الطموح يضع الجنوب في قلب معادلة التفاوض، ويثير تساؤلات حول طبيعة الترتيبات المحتملة ضمن أي تسوية قادمة. إذا كانت التفاهمات بين الرياض وصنعاء تتضمن آليات لتقاسم الموارد، فإن ذلك قد يتم على حساب تمثيل الجنوب كفاعل مستقل، وهو ما يفسر تصاعد القلق في الأوساط الجنوبية.
في هذا السياق، تواجه السعودية تحديًا مزدوجًا: من جهة، تسعى إلى إنهاء الحرب عبر تفاهمات مع الحوثيين، ومن جهة أخرى، تفتقر إلى أدوات التأثير الكافية في الجنوب لفرض ترتيبات تتماشى مع رؤيتها. هذا الفراغ يخلق مساحة للمناورة الحوثية، ويعزز من قدرة الجماعة على استخدام التهديد كوسيلة لانتزاع تنازلات إضافية.
مع ذلك، لا تشير المعطيات الحالية إلى اقتراب اندلاع حرب شاملة. ما نشهده أقرب إلى تصعيد تفاوضي، حيث يسعى كل طرف إلى إعادة ضبط شروط التفاعل بما يخدم مصالحه. الحوثيون يرفعون سقف مطالبهم، والسعودية تحاول احتواء هذا التصعيد دون تقديم تنازلات كبيرة.
غير أن هذا التوازن الهش يحمل في طياته مخاطر كامنة. فالتاريخ اليمني يظهر أن لحظات التصعيد المحسوب قد تنزلق بسرعة إلى مواجهات غير متوقعة، خاصة عندما يخطئ أحد الأطراف في تقدير نوايا الآخر أو قدراته.
في النهاية، يمكن القول إن المرحلة الحالية تمثل لحظة انتقالية في مسار الصراع اليمني. لا هي مرحلة حرب مفتوحة، ولا هي مرحلة سلام مستقر، بل حالة بينية تتسم بتداخل التفاوض مع التصعيد، والرسائل الضمنية مع الخطاب العلني. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح فهم ما وراء الخطاب أكثر أهمية من متابعة الخطاب ذاته.

