د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):
انتفاضة الشارع الإيراني في مواجهة كلفة المغامرات الإقليمية
تشهد المدن الإيرانية موجات متلاحقة من الاحتجاجات الميدانية التي باتت تضرب مفاصل الدولة الحيوية بعمق. فخلال شهور صيف عام 2026، وتحديداً في محطات الخامس والثامن من أغسطس، تحولت الساحات العامة في طهران، وأصفهان، وسيرجان، وشوشتر، وبندر ماهشهر، ومحافظتي آذربيجان الشرقية وهرمزغان، إلى مسارح غضب شعبي عارم. ولم تعد هذه الاحتجاجات مجرد ردود فعل فئوية ضيقة، بل تجسيداً حياً لانفجار مجتمعي شامل يطال العمال، والمتقاعدين، والمرضى، والصيادلة، والشباب العاطلين عن العمل، في مؤشر قاطع على بلوغ الاحتقان الداخلي ذروته.
انهيار المنظومة الصحية ومعاناة المرضى
تتجلى أبعاد الأزمة الإنسانية في العاصمة طهران، حيث نظمت عائلات المرضى المصابين بمرض التليف الكيسي وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الصحة. تعكس هذه الوقفة انهيار شبكات الأمان الصحي نتيجة النقص الحاد في الأدوية الحيوية والارتفاع الجنوني لتكاليف العلاج. وتؤكد التقارير الميدانية المستقلة أن عجز المؤسسات الرسمية وفساد قطاع الدواء بات يهدد أرواح مئات المرضى بشكل مباشر، في وقت تنزف فيه مقدرات الدولة في مسارات بعيدة كل البعد عن الاحتياجات الإنسانية الملحة للمواطنين.
جحيم التضخم وتآكل الرواتب التقاعدية
على الصعيد الاقتصادي، يعاني ملايين المتقاعدين من كارثة معيشية غير مسبوقة مع قفز معدل التضخم السنوي إلى نحو 84 %. وفي أصفهان، واصل متقاعدو قطاع الصلب ومصنع صهر الحديد وشركة الاتصالات احتجاجاتهم للمطالبة بتطبيق قانون معادلة الرواتب وصرف المستحقات المتأخرة. وتُظهر المؤشرات الاجتماعية أن نسبة الفقر المطلق تتجه لتجاوز45 % من إجمالي السكان، بينما تعيش ست شرائح دخل من أصل عشر تحت خط الفقر؛ الأمر الذي أجبر نحو10 ملايين مواطن على العمل كسائقين عبر التطبيقات الرقمية في وظائف ثانية وثالثة لمجابهة الغلاء الفادح.
أزمات الإسكان والبطالة وتهميش الأرياف
وفي إقليم خوزستان، لجأت الأجهزة الأمنية في مدينة شوشتر إلى استخدام سيارات الإطفاء لفض تجمعات الشباب الباحثين عن فرص عمل أمام بوابة شركة كارون للصناعات الزراعية. بالتزامن مع ذلك، يعاني أكثر من ألف مواطن في مدينة سيرجان من تجميد أموالهم المدفوعة في مشروع مارال بيشرو السكني منذ أكثر من عقد. أما في الأرياف، فتؤكد البيانات الميدانية أن أكثر من52 % من سكان القرى يعانون الفقر المدقع، مع قفز التضخم الشهري للأغذية إلى أكثر من 108% في المناطق النائية مثل كهورستان بمحافظة هرمزغان، نتيجة للجفاف وغياب التخطيط التنموي.
البنية الاقتصادية للسياسات الإيرانية
إن هذا التآكل المتبادل في القدرة الشرائية وانهيار الخدمات الأساسية ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية لخيارات نظام الولي الفقيه الاقتصادية والجيوسياسية. فبدلاً من توجيه العوائد الوطنية نحو دعم صناديق التقاعد المفلسة، وإنقاذ المنظومة الصحية، وتوفير فرص العمل الحقيقية، تواصل السلطة الحاكمة استنزاف الثروات في تمويل الصراعات الإقليمية، ورعاية الجماعات المسلحة، وضخ أموال طائلة في المشاريع النووية العبثية.
آفاق المواجهة المجتمعية واستنتاجات الاستقرار
تؤكد التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الحقوقية المستقلة أن التقاء هذه الشرائح المتنوعة في شوارع المدن الإيرانية يعكس سقوط كل رهانات الإصلاح من داخل المنظومة الحاكمة. وبات المواطن الإيراني يدرك أن كلفة البقاء المعيشي تتطلب مواجهة ميدانية مستمرة لانتزاع الحقوق الأساسية، مما يضع النظام أمام مأزق استراتيجي متصاعد يعجز فيه القمع الأمني عن احتواء طوفان الغضب الاجتماعي المترتب على سياساته المدمرة.


