د. عادل عامر يكتب لـ(اليوم الثامن):

القواعد العامة في المقاصة والحجوزات على اجر العامل

تخضع عملية إجراء المقاصة والحجوزات أو الاقتطاع من أجر العامل لقواعد قانونية صارمة تهدف إلى حماية الحد الأدنى لمعيشة العامل وأسرته، حيث لا يجوز في جميع الأحوال الحجز أو النزول عن أو اقتطاع أكثر من 25% من الأجر لأداء الديون العامة أو العادية، وترتفع النقطة المسموح بها كحد أقصى إلى 50% في حالة ديون النفقة الشرعية

حيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان الدستور إذ يعهد إلى السلطة التشريعية بتنظيم موضوع معين، فإن ما تقره من القواعد القانونية في شأن هذا الموضوع، لا يجوز أن ينال من الحقوق التي كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار هذه الحقوق أو تهميشها عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها. ولا يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق اقتحاما لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبرراً.

حيث إن كل تمييز لا يتصل بالشروط الموضوعية التي ينبغي أن يمارس العمل في نطاقها، يعتبر منهياً عنه دستورياً، سواء انعكس هذا التمييز في شكل آثار اقتصادية، أم كان مرهقا لبيئة العمل ذاتها أو ملوثا لها من خلال صور من التعامل تحيطها، وتتباين أبعادها، إذا كان من شأنها في مجموعها - وعلى امتداد حلقاتها - الإضرار بقيمة العمل، أو الإخلال بطبيعة الشروط التي تقتضيها. ومن ثم لا يكون التمييز في مجال العمل مقبولا،

كلما كان حائلا دون قيام العمال بواجباتهم، سواء من خلال صرفهم عن الأداء الأقوم لها، أو بإثنائهم عن متابعتها، أو حملهم على التخلي عنها بتمامها. بما مؤداه أن بيئة العمل لا يجوز إرهاقها بعوامل تنافي طبيعتها، ولو كان أثرها منحصرا في مشاعر العاملين وصحتهم النفسية، ذلك أن التحامل في شروط العمل والأوضاع التي يتصل بها، يعني عدوانية البيئة التي يمارس فيها أو انحرافها.

حيث إن من المقرر أن حقوق الإنسان وحرياته التي كفلها الدستور لا تتدرج فيما بينها ليعلو بعضها على بعض، بل يتعين النظر إليها بوصفها قيما عليا تنتظم حقوقا لا تنقسم، فلا يجوز تجزئتها، بل يكون ضمانها في مجموع عناصرها ومكوناتها، لازما لتطوير الدول لمجتمعاتها وفق قواعد القانون الدولي العام، التي تشكل في التطور الراهن لهذه الحقوق، كثيرا من ملامحها. ولئن جاز القول بأن لبعض هذه الحقوق - كتلك التي تتعلق بالشخصية القانونية لكل إنسان، وألا تفرض عليه عقوبة يكون تطبيقها رجعيا، أو مُهينا، أو كاشفا عن قسوتها،

ولا أن يكون مسخرا لغيره أو مسترقا، خصائص تكفل ضمانها في كل الظروف، فلا يجوز تجريد أحد من محتواها، أو إرهاقها بقيود تنال منها، وأنها بصفتها هذه تعتبر مفترضا أوليا لقيام غيرها من الحقوق، بل ولممارستها في إطار ملائم، إلا أن حقوق الإنسان جميعها، لا يجوز عزلها عن بعض، ولو كان لبعضها دور أكبر لصلتها الوثقى بوجوده وآدميته. بل يتعين أن تتوافق وتتناغم فيما بينها، لتتكامل بها الشخصية الإنسانية في أكثر توجهاتها عمقا ونبلا.

يؤيد ذلك أن إنهاء التمييز على أساس من العنصر أو الجنس أو العرق أو العقيدة، يمكن أن يؤثر بصورة جوهرية في التدابير الاقتصادية والاجتماعية، ويُعِيد بناء القوة السياسية وتوجيهها. كذلك فإن صون حرية التعبير والاجتماع للمواطنين، يعتبر عازلا ضد جنوح السلطة وانحرافها، وضمانا لفرص أفضل لتطوير مجتمعهم، ليكون مدنيا نابضا بالحياة.

المقرر: " مادة ٤٤ : لا يجوز الاستقطاع أو الحجز أو النزول عن الأجر

المستحق للعامل لأداء أي دين إلا في حدود ٢٥ % من هذا الأجر ويجوز رفع نسبة الخصم إلى ٥٠ % في حالة دين النفقة. وعند التزاحم يقدم دين النفقة ثم ما يكون مطلوبًا لصاحب العمل بسبب ما أتلفه العامل من أدوات أو مهمات أو استردادًا لما صرف إليه بغير وجه حق، أو ما وقع على العامل من جزاءات.

 ويشترط لصحة النزول عن الأجر أن تصدر به موافقة مكتوبة من العامل. وتحسب النسبة المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة بعد استقطاع ضريبة الدخل على الأجر، وقيمة المبالغ المستحقة وفقاً لقوانين التأمين الاجتماعي، وما يكون صاحب العمل قد اقرضه للعامل في حدود النسبة المنصوص عليها في المادة السابقة".

اقتطاع الشركة من أجر العامل نسبة لا تتجاوز الربع الجائز الحجز عليه مقابل إلغاء تسوية لا يستحقها. لا مخالفة في ذلك لأحكام قانون العمل الذي حدد حالتين لإجراء المقاصة  القانونية بين دين رب العمل الناشئ عن قرض أو تعويض أو الإتلاف وبين أجر العامل. علة ذلك.

1 – من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الدفع بعدم دستورية القوانين غير متعلق بالنظام العام، ولا يجوز للمحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها، وإذ كان يبين من الأوراق أن الطاعن لم يثر هذا الدفع أمام محكمة الموضوع فإنه لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض.

2 – أراد الشارع بنص المادة الأولى والمادة الثانية من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 51 لسنة 1968 بعبارة صريحة أن يحظر الاستناد إلى الحدود الدنيا للمرتبات التي عينها بالجدول المرافق – للائحة نظام وعمال الشركات الصادرة بقرار رئيس الجمهورية 1598 لسنة 1961 – لرفع مرتبات العاملين أو إعادة تسوية حالاتهم أو صرف فروق عن الماضي وأن يرتد بحكم القانون إلى تاريخ العمل بهذه اللائحة، فألغى بذلك مالها من آثار في هذا الخصوص بالنسبة للعاملين سواء من سويت حالاتهم تسوية تلقائية، أو من لم تسو حالاتهم على هذا النحو،

 ولم يستثن من هذا الحكم سوى العاملين الذين سبق أن صدرت لهم أحكام قضائية نهائية، ومتى كان النص صريحاً قاطعاً في الدلالة على المراد منه، فلا محل للخروج عليه أو تأويله بدعوى الاستهداء بهدف التشريع وقصد المشرع منه، لأن البحث في ذلك إنما يكون عند غموض النص أو وجود لبس فيه، كما أنه لا وجه لتحدي الطاعن بأن إعمال حكم ذلك القانون على التسويات التي تمت وفقاً للائحة سالفة الذكر يمس الحقوق المكتسبة للعاملين،

لأن هؤلاء العاملين لا يستمدون حقوقهم في الحدود الدنيا للمرتبات من هذه اللائحة مباشرة بل كان يتعين لنشوء هذه الحقوق وضع جداول الوظائف المنصوص عليها في المادتين الثانية والثالثة منها وهو ما لم يتم حتى ألغيت بقرار رئيس الجمهورية رقم 3546 لسنة 1962 بإصدار لائحة العاملين بالشركات التابعة للمؤسسات العامة.

لئن كان الشارع قد نص في المادتين 51، 54 من قانون العمل على حالتين تقع فيهما المقاصة القانونية بين أجر العامل وبين دين رب العمل الناشئ عن قرض أو تعويض الإتلاف وجعل لكل منهما حكماً خاصاً، إلا أنه فيما عدا هاتين الحالتين تظل تلك المقاصة ووفقاً للقاعدة العامة المقررة بالمادة 364 من القانون المدني جائزة بين ديون رب العمل الأخرى وبين أجر العامل بالقدر القابل للحجز عليه من هذا الأجر، وإذ كان الثابت في الدعوى أن ما تقتطعه الشركة المطعون ضدها من مرتب الطاعن – استيفاء لدينها المترتب على إلغاء تلك التسوية – لا يجاوز الريع الجائز الحجز عليه طبقاً للمادة 52 من قانون العمل المشار إليه فإن النعي على الحكم يكون في غير محله.