خالد رغدان يكتب لـ(اليوم الثامن):

الزهايمر.. عندما يبدأ العقل في فقدان الطريق

قد تبدأ القصة بنسيان يبدو عابراً: اسم شخص نعرفه جيداً، مكان وضع المفاتيح، أو سؤال يتكرر أكثر من مرة في اليوم. وغالباً ما يُفسَّر ذلك بأنه أثر طبيعي للتقدم في العمر. لكن بعض التغيرات في الذاكرة والتفكير لا تكون مجرد نسيان عابر، وإنما قد تشير إلى اضطراب معرفي يحتاج إلى تقييم طبي.

هنا يظهر مرض الزهايمر، وهو أكثر أسباب الخرف شيوعاً. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 57 مليون شخص كانوا يعيشون مع الخرف حول العالم في عام 2021، مع قرابة 10 ملايين حالة جديدة سنوياً، فيما يُعتقد أن مرض الزهايمر يسهم في نحو 60 إلى 70% من حالات الخرف.

لكن الخرف ليس مرادفاً للشيخوخة، والزهايمر ليس مجرد نسيان عادي. الشخص السليم قد ينسى مكان هاتفه ثم يتذكره لاحقاً، بينما قد ينسى المصاب بالزهايمر المعلومة نفسها ويكرر السؤال رغم حصوله على الإجابة، أو يضل طريقه في مكان اعتاد الذهاب إليه، أو يجد صعوبة في أداء مهمة مارسها طوال سنوات.

وغالباً ما تتطور التغيرات تدريجياً، فتطال الذاكرة والتفكير واللغة والقدرة على اتخاذ القرار، ثم تمتد إلى أداء الأنشطة اليومية. ولا يبدأ المرض بالضرورة بفقدان الذاكرة بصورة واضحة؛ فقد تظهر لدى بعض الأشخاص تغيرات في الشخصية أو المزاج أو السلوك قبل أن تصبح المشكلات المعرفية أكثر وضوحاً.

الزهايمر مرض عصبي تنكسي يتطور تدريجياً نتيجة تغيرات مرضية تؤثر في الخلايا العصبية والروابط التي تصل بينها. ومن أبرز السمات البيولوجية المرتبطة بالمرض تراكم بروتين «بيتا أميلويد» وتكوّن تشابكات من بروتين «تاو» داخل الدماغ، بما يرتبط باضطراب وظائف الخلايا العصبية وفقدان الاتصال بينها وموت بعضها مع تقدم المرض.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الزهايمر في عامل واحد. فالعمر هو أبرز عوامل الخطر المعروفة، لكن العوامل الوراثية وصحة القلب والأوعية الدموية والنشاط البدني والتدخين وبعض العوامل البيئية وإصابات الدماغ وغيرها يمكن أن تتداخل في تحديد مستوى الخطر.

ليس كل نسيان علامة على الزهايمر، لكن هناك تغيرات تستحق التقييم، خصوصاً عندما تصبح متكررة وتؤثر في الحياة اليومية، ومنها:

  • نسيان الأحداث والمعلومات الحديثة بصورة متكررة.
  • إعادة السؤال أو القصة نفسها خلال فترة قصيرة.
  • فقدان الأشياء ووضعها في أماكن غير معتادة مع صعوبة تتبعها.
  • صعوبة العثور على الكلمات أو متابعة الحوار.
  • صعوبة حل المشكلات أو اتخاذ القرارات المعتادة.
  • الارتباك في أماكن مألوفة.
  • صعوبة أداء مهام كان الشخص يجيدها سابقاً.
  • تغيرات ملحوظة في الشخصية أو السلوك.
  • الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية.
  • تراجع القدرة على إدارة المال أو الأدوية أو شؤون الحياة اليومية.

والفارق الأهم ليس وجود النسيان في حد ذاته، وإنما التغير في مستوى الأداء مقارنة بما كان عليه الشخص سابقاً.

لا يوجد سبب واحد يفسر جميع حالات الزهايمر. هناك عوامل لا يمكن تغييرها، في مقدمتها العمر وبعض العوامل الوراثية، وأخرى يمكن التأثير فيها.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى عوامل مرتبطة بارتفاع خطر الخرف، بينها ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة وقلة النشاط البدني والتدخين والعزلة الاجتماعية وضعف السمع والتعرض لتلوث الهواء، إضافة إلى عوامل صحية وبيئية أخرى. كما تؤكد أن الخرف ليس جزءاً طبيعياً وحتمياً من الشيخوخة، حتى وإن كان العمر أقوى عوامل الخطر المعروفة.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن الاعتقاد بأن تراجع الذاكرة أمر طبيعي مع التقدم في السن قد يؤدي إلى تأخير التشخيص، وربما تفويت فرصة التعامل المبكر مع أسباب قابلة للعلاج أو عوامل يمكن تعديلها.

لا توجد وسيلة تضمن منع الزهايمر بصورة كاملة، لكن الأدلة العلمية أصبحت أوضح بشأن مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تساعد في خفض خطر التدهور المعرفي والخرف.

وفي يوليو 2026، أصدرت منظمة الصحة العالمية مبادئ توجيهية محدثة قالت فيها إن ما يصل إلى 45% من مخاطر الخرف يمكن الوقاية منها أو تأخيرها من خلال التعامل مع عوامل قابلة للتعديل. ولا تعني هذه النسبة أن الشخص يستطيع ضمان عدم إصابته بالزهايمر، وإنما تشير إلى أن صحة الدماغ تتأثر بعوامل تتراكم عبر مراحل الحياة.

وتشمل الإجراءات التي توصي بها الأدلة المتاحة الحفاظ على النشاط البدني، وعدم التدخين، واتباع نظام غذائي متوازن، والحفاظ على وزن صحي، وضبط ضغط الدم والكوليسترول وسكر الدم، والبقاء نشطاً اجتماعياً وذهنياً، ومعالجة ضعف السمع عند الحاجة، وتقليل التعرض لتلوث الهواء.

ولا يتعلق الأمر بحبة واحدة أو تمرين واحد يحمي الدماغ، بل بمجموعة من العادات الصحية التي تبدأ آثارها بالتراكم على المدى الطويل.

حتى الآن، لا يوجد علاج يشفي مرض الزهايمر نهائياً، لكن الطب يستطيع تخفيف بعض الأعراض والمساعدة في الحفاظ على بعض الوظائف المعرفية لفترة لدى بعض المرضى. ومن الأدوية المستخدمة لهذا الغرض، بحسب الحالة وتحت إشراف الطبيب، أدوية مثل Donepezil وMemantine.

وفي السنوات الأخيرة حدث تحول مهم مع ظهور علاجات تستهدف بروتين «بيتا أميلويد»، من بينها Lecanemab وDonanemab. وهذه العلاجات لا تناسب جميع المصابين بالزهايمر، وإنما تستهدف فئات محددة من المرضى في المراحل المبكرة، مثل حالات الضعف الإدراكي البسيط أو الخرف الخفيف المرتبط بالزهايمر. كما أن استخدامها يتطلب تشخيصاً مناسباً وتقييماً دقيقاً للمنافع والمخاطر.

وهذه العلاجات ليست «دواءً سحرياً». فهي تستهدف أحد المسارات البيولوجية المرتبطة بالمرض ويمكنها إبطاء التدهور لدى بعض المرضى، لكنها لا تعيد الدماغ إلى حالته السابقة ولا توقف المرض بصورة نهائية.

كما ترتبط الأجسام المضادة الموجهة ضد الأميلويد بمضاعفات تعرف باسم ARIA، أي التغيرات التصويرية المرتبطة بالأميلويد، وقد تشمل تورماً أو نزفاً دقيقاً في الدماغ. ولهذا تتطلب هذه العلاجات متابعة دقيقة، تشمل فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي وفق البروتوكول المعتمد. وقد عززت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في 2025 متطلبات المراقبة بالرنين المغناطيسي مع علاج ليكانيماب بعد ظهور مخاوف تتعلق بحدوث حالات خطرة من ARIA في وقت مبكر من العلاج.

شهد تشخيص الزهايمر أيضاً تطوراً مهماً. ففي مايو 2025، سمحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية FDA بتسويق أول جهاز تشخيصي يعتمد على تحليل الدم للمساعدة في الكشف عن اللويحات المرتبطة بالزهايمر لدى فئة محددة من المرضى الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر وتظهر لديهم علامات وأعراض للمرض.

لكن أهمية هذا التطور لا تعني أن تحليل الدم أصبح بديلاً عن الطبيب أو عن التقييم الطبي الشامل. فالتشخيص يعتمد على السياق السريري، وقد يتطلب تقييم القدرات المعرفية والفحوص المخبرية والتصوير أو اختبارات حيوية متقدمة وفق حالة كل مريض.

ربما تكون هذه المرحلة الأكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسرة. فالمشكلة لا تقتصر على شخص ينسى بعض التفاصيل، وإنما قد يتحول الأمر تدريجياً إلى فقدان القدرة على إدارة الحياة اليومية.

قد يسأل الأب عن ابنه الذي يقف أمامه، أو تنسى الأم طريق المنزل الذي عاشت فيه سنوات طويلة، أو يصبح الشخص الذي اعتاد إدارة شؤون الأسرة بحاجة إلى من يساعده في إدارة أمواله وأدويته ومواعيده.

في هذه المرحلة، يحتاج المريض إلى الرعاية لا إلى التوبيخ. قول «لقد أخبرتك بهذا عشر مرات» لن يعيد المعلومة إلى ذاكرته، وإحراجه أمام الآخرين لن يحل المشكلة. الأفضل هو استخدام جمل قصيرة وواضحة، وتقديم المعلومات بهدوء، والحفاظ على روتين يومي يمكن توقعه، وتأمين البيئة المحيطة، وتشجيعه على النشاط البدني والاجتماعي والذهني بما يتناسب مع قدرته.

لكن الرعاية لا تتعلق بالمريض وحده. فمقدم الرعاية نفسه قد يتعرض لضغط نفسي وجسدي واقتصادي كبير. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أفراد الأسرة والأصدقاء يتحملون جزءاً كبيراً من عبء الرعاية عالمياً؛ وفي عام 2019 بلغت التكلفة الاقتصادية العالمية للخرف نحو 1.3 تريليون دولار، وكان قرابة نصف هذه التكلفة مرتبطاً بالرعاية غير الرسمية.

عندما يصبح النسيان متكرراً، أو يبدأ الشخص في فقدان القدرة على إدارة شؤونه المعتادة، أو تظهر تغيرات واضحة في اللغة أو الشخصية أو القدرة على التوجه في الزمان والمكان، لا ينبغي الانتظار حتى تصبح المشكلة أكثر حدة.

ولا يعني طلب المساعدة أن التشخيص سيكون بالضرورة مرض الزهايمر. فهناك أسباب أخرى لمشكلات الذاكرة والتفكير، وبعضها يمكن علاجه أو التعامل معه.

ولهذا تبدأ الخطوة الصحيحة بزيارة الطبيب وإجراء تقييم مناسب، قد يشمل التاريخ المرضي والفحص العصبي والاختبارات المعرفية والتحاليل الطبية، وربما التصوير أو اختبارات حيوية أكثر تقدماً عندما تستدعي الحالة ذلك.

الزهايمر لا يؤثر في الذاكرة وحدها. ومع تقدم المرض يمكن أن تتأثر قدرة الإنسان على اتخاذ القرار والحركة والتواصل وإدارة شؤونه اليومية، وقد يفقد تدريجياً جزءاً من استقلاله وأمانه.

لكن التشخيص لا يعني أن الحياة انتهت. فمعرفة السبب تتيح استبعاد الحالات القابلة للعلاج، والتعامل مع عوامل الخطر، وبدء التدخل المناسب، والاستفادة من الخيارات العلاجية المتاحة، والتخطيط للمراحل المقبلة بصورة أكثر وعياً.

الأهم أن صحة الدماغ لا تبدأ عند ظهور أول علامة للنسيان. النشاط البدني، وضبط ضغط الدم والسكري والكوليسترول، وعدم التدخين، والنوم الجيد، والتفاعل الاجتماعي والنشاط الذهني، وحماية الرأس، كلها أجزاء من صورة أكبر لصحة الدماغ عبر مراحل الحياة.

ولهذا فإن التغير الواضح في الذاكرة ليس شيئاً ينبغي تجاهله أو اعتباره حكماً طبيعياً للعمر. التشخيص المبكر لا يغيّر اسم المرض فقط؛ بل قد يغير طريقة التعامل معه، ويمنح المريض وأسرته وقتاً أطول للفهم والاستعداد واتخاذ القرارات، ويحافظ قدر الإمكان على الاستقلال وجودة الحياة.