د. عادل عامر يكتب لـ(اليوم الثامن):
منتدى مصر للتعدين.. من ثروات باطن الأرض إلى قاطرة جديدة للاقتصاد المصري
لم يعد التعدين في مصر مجرد نشاط لاستخراج الذهب أو الفوسفات أو غيرهما من الخامات، وإنما أصبح أحد الملفات الاستراتيجية التي ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد الوطني، وقدرته على جذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتعظيم القيمة المضافة للثروات الطبيعية. ومن هنا تكتسب منتدى مصر للتعدين أهمية خاصة، باعتباره منصة تجمع الدولة والمستثمرين والخبراء والشركات العالمية حول هدف يتجاوز مجرد البحث عن الخامات واستخراجها، إلى بناء صناعة تعدين متكاملة تبدأ من الاستكشاف ولا تنتهي عند استخراج الخام، وإنما تمتد إلى عمليات المعالجة والتصنيع وإنتاج منتجات ذات قيمة اقتصادية أعلى.
التعدين.. ثروة كامنة تحتاج إلى استثمار
تمتلك مصر مقومات جيولوجية وتعدينية مهمة، خاصة في الصحراء الشرقية، التي تقع ضمن نطاق الدرع العربي النوبي، وهي منطقة تتمتع بإمكانات كبيرة في الذهب والمعادن والخامات المختلفة.
غير أن وجود الثروة الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق التنمية الاقتصادية؛ فالثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الخامات الموجودة في باطن الأرض إلى مشروعات واستثمارات وإنتاج وصادرات وفرص عمل.
وهنا تظهر أهمية السياسة الجديدة التي تستهدف تطوير قطاع التعدين، من خلال تحسين بيئة الاستثمار، وتيسير إجراءات البحث والاستكشاف، وطرح مناطق جديدة أمام المستثمرين، وتوفير إطار أكثر جذبًا للشركات المحلية والدولية.
من استخراج الخام إلى تعظيم القيمة المضافة
أهم تحول مطلوب في قطاع التعدين المصري هو الانتقال من مفهوم استخراج الخام وبيعه إلى مفهوم التصنيع والتكامل في سلسلة القيمة. فإذا كانت مصر تمتلك الذهب، فلا ينبغي أن تتوقف الاستفادة عند مرحلة استخراجه، وإنما تمتد إلى عمليات التكرير والتصنيع والصناعات المرتبطة به.
والأمر نفسه ينطبق على الفوسفات والكاولين والتلك وغيرها من الخامات التعدينية، حيث إن تصنيعها محليًا يمكن أن يخلق قيمة اقتصادية أكبر بكثير من تصديرها في صورتها الأولية. وهذا التحول يعني أن التعدين يمكن أن يصبح مدخلًا لتطوير صناعات أخرى، وأن تتحول المناجم والمحاجر إلى مراكز جذب لسلاسل صناعية متكاملة، بما يزيد من مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي ويعزز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري.
جذب الاستثمارات الأجنبية.. الثقة هي كلمة السر
نجاح استراتيجية تطوير التعدين يرتبط بصورة كبيرة بقدرة مصر على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية طويلة الأجل. وشركات التعدين العالمية لا تبحث فقط عن وجود خامات واعدة، وإنما تبحث كذلك عن بيئة تشريعية مستقرة، وإجراءات واضحة، وشفافية في طرح المناطق، وسرعة في إصدار التراخيص، وضمانات قانونية للاستثمار، ووضوح في قواعد تقاسم العوائد والالتزامات.
ومن ثم فإن تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي لقطاع التعدين يجب أن يسير بالتوازي مع عمليات الترويج للثروة التعدينية المصرية.
فالاستثمار في التعدين بطبيعته استثمار طويل الأجل وعالي التكلفة، ويحتاج إلى سنوات من البحث والاستكشاف قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري؛ ولذلك فإن المستثمر يحتاج إلى قدر كبير من الاستقرار التشريعي والمؤسسي حتى يستطيع اتخاذ قراراته الاستثمارية.
التعدين ودعم العملة الصعبة
يمثل التعدين كذلك فرصة مهمة لتعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي. فالذهب والمعادن والخامات التي يمكن تصديرها بعد تصنيعها تمثل مصدرًا محتملًا لزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات التعدينية والصناعية، وتحسين الميزان التجاري. لكن تعظيم العائد من التعدين لا يتحقق بمجرد زيادة كميات الإنتاج، وإنما من خلال زيادة القيمة الاقتصادية لكل طن من الخام. فكلما ارتفعت درجة التصنيع المحلي، ارتفعت القيمة المضافة، وزادت فرص العمل، واتسعت قاعدة الصناعات المرتبطة بالقطاع، وتحسن العائد الاقتصادي للدولة والمستثمر والمجتمع.
الصحراء الشرقية.. مركز استراتيجي للثروة المعدنية
تمثل الصحراء الشرقية إحدى أهم المناطق الواعدة في الخريطة التعدينية المصرية، خصوصًا في مجال الذهب والمعادن المرتبطة بالتكوينات الجيولوجية للدرع العربي النوبي. وهذا الموقع يمنح مصر فرصة لبناء مركز إقليمي لصناعة التعدين في المنطقة، خصوصًا إذا توافرت منظومة متكاملة تجمع بين الاستكشاف والاستخراج والمعالجة والتكرير والتصنيع والخدمات اللوجستية.
ومن هنا فإن تطوير البنية الأساسية في المناطق التعدينية لا يقل أهمية عن عمليات البحث والاستكشاف نفسها، لأن المناجم تحتاج إلى طرق وطاقة ومياه واتصالات وموانئ وخدمات لوجستية حتى تتحول الاكتشافات الجيولوجية إلى مشروعات اقتصادية حقيقية.
التشريع.. حجر الأساس في الإصلاح
لا يمكن بناء صناعة تعدين حديثة دون تشريع قادر على مواكبة طبيعة هذا النشاط.
والتشريع الناجح في هذا المجال يجب أن يحقق توازنًا دقيقًا بين عدة اعتبارات: حماية الثروة المعدنية باعتبارها ملكًا للدولة، وتشجيع الاستثمار، وضمان حقوق المستثمرين، وتحقيق عائد عادل للدولة، وحماية البيئة وحقوق المجتمعات المحلية والعاملين.
كما أن الاستقرار التشريعي يمثل عنصرًا جوهريًا في اتخاذ القرار الاستثماري؛ لأن المشروعات التعدينية تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وفترات زمنية طويلة حتى تحقق عوائدها.
ومن ثم فإن وضوح القواعد القانونية واستقرارها، مع سرعة الإجراءات وشفافية التراخيص، يمكن أن يمثل عاملًا حاسمًا في تحويل مصر إلى وجهة أكثر تنافسية للاستثمارات التعدينية.
البعد البيئي.. لا تنمية على حساب المستقبل
ولا ينبغي أن ينظر إلى التوسع في التعدين باعتباره هدفًا اقتصاديًا منفصلًا عن الاعتبارات البيئية.
فالتعدين من الأنشطة التي يمكن أن تترك آثارًا بيئية إذا لم تخضع عمليات الاستخراج والمعالجة إلى معايير صارمة للسلامة وحماية البيئة. ومن هنا يجب أن تسير زيادة الاستثمارات التعدينية بالتوازي مع الالتزام بالتقييمات البيئية، وإدارة المخلفات، وترشيد استخدام المياه والطاقة، واستعادة المناطق المتأثرة بالعمليات التعدينية كلما أمكن.
إن الاقتصاد الحديث لا يقيس نجاح المشروع بحجم الأرباح فقط، وإنما بقدرته على تحقيق التنمية المستدامة.
فرص عمل وتنمية للمناطق النائية
يمتلك قطاع التعدين ميزة إضافية تتمثل في قدرته على خلق فرص عمل في المناطق التي توجد بها الثروات الطبيعية، وخاصة المناطق الصحراوية والنائية. لكن المطلوب ألا تقتصر فرص العمل على العمالة المباشرة داخل المناجم، وإنما إنشاء منظومة من الصناعات والخدمات المرتبطة بالتعدين، بما يشمل النقل والصيانة والخدمات الهندسية والمختبرات والتكنولوجيا والصناعات التحويلية. وبذلك يمكن للتعدين أن يتحول من مجرد نشاط اقتصادي إلى أداة لتنمية المجتمعات المحلية وخلق مراكز عمرانية وإنتاجية جديدة.
التكنولوجيا.. مستقبل التعدين المصري
العالم يتجه بسرعة نحو ما يمكن تسميته التعدين الذكي، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاستشعار عن بعد والنمذجة الجيولوجية والتقنيات الحديثة في عمليات البحث والاستكشاف. واستخدام التكنولوجيا يمكن أن يقلل تكلفة الاستكشاف، ويرفع دقة تحديد مواقع الخامات، ويحسن كفاءة عمليات الاستخراج، ويقلل المخاطر على العاملين. ومن ثم فإن مستقبل التعدين المصري لن يعتمد فقط على حجم الاحتياطي المعدني، وإنما كذلك على القدرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة للوصول إلى هذه الثروات بأعلى كفاءة وأقل تكلفة وأقل تأثير بيئي ممكن.
المنتدى.. رسالة اقتصادية إلى العالم
تكمن أهمية منتدى مصر للتعدين في أنه لا يمثل مجرد مؤتمر متخصص، وإنما يعكس توجهًا نحو إعادة تعريف مكانة التعدين داخل الاقتصاد المصري. فالرسالة الأساسية هي أن مصر تريد الانتقال من مرحلة اكتشاف الثروة إلى مرحلة استثمار الثروة، ومن بيع الخام إلى تعظيم القيمة المضافة، ومن المشروعات المنفردة إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة.
وهذه الرؤية تتطلب استمرار الحوار بين الدولة والمستثمرين والخبراء والمؤسسات المالية والجامعات ومراكز البحث العلمي، حتى يصبح تطوير التعدين مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
مصر أمام فرصة تاريخية
إن امتلاك الثروات المعدنية يمثل فرصة، لكنه لا يمثل في حد ذاته ضمانًا للنجاح الاقتصادي. فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما تتوافر الإدارة الرشيدة، والتشريع المستقر، والاستثمار الجاد، والتكنولوجيا الحديثة، والبنية الأساسية، والعمالة المدربة، وحماية البيئة، والقدرة على التصنيع والتصدير. ومصر تمتلك العديد من هذه المقومات، وما تحتاجه هو تكاملها في استراتيجية واحدة واضحة وطويلة الأجل.
وإذا نجحت الدولة في تحقيق هذا التكامل، فإن قطاع التعدين يمكن أن يتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد القطاعات الإنتاجية المؤثرة في الاقتصاد المصري، ليس فقط من خلال الذهب، وإنما عبر منظومة واسعة من المعادن والخامات والصناعات المرتبطة بها.
الخاتمة
إن ثروات باطن الأرض لا تصبح ثروة اقتصادية حقيقية إلا عندما تتحول إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وصادرات وتنمية مستدامة. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي على قطاع التعدين المصري لا يتمثل في كمية الذهب أو حجم الاحتياطيات وحدهما، وإنما في قدرة الدولة على بناء صناعة تعدين متكاملة تستفيد من كل مرحلة في سلسلة القيمة.
لقد بدأت مصر بالفعل في إعادة وضع التعدين على خريطة القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الرؤية إلى مشروعات واستثمارات وإنتاج فعلي. فمصر لا تبحث فقط عن الذهب في باطن الأرض، وإنما تبحث عن قيمة اقتصادية جديدة يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية.
وعندما يتحول التعدين من مجرد نشاط لاستخراج الثروة إلى صناعة متكاملة، فإن ما تحت الأرض يمكن أن يصبح قوة حقيقية لما فوقها، وقاطرة جديدة للاقتصاد المصري.
المنتدى حمل شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي»، وركز بصورة أساسية على تحويل قطاع التعدين من مجرد استخراج للخامات إلى صناعة متكاملة وتعظيم القيمة المضافة.
كان هدفة ويسعى إلي تحقيق واستهداف :
- استهداف رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% خلال المرحلة المقبلة.
- تقدم 119 شركة، بينها أكثر من 14 شركة أجنبية، للاستفادة من نظام طرح القطاعات التعدينية بنظام المناطق المفتوحة.
- تقديم 403 عروض على 118 قطاعًا من إجمالي 335 قطاعًا مطروحًا.
- القطاعات المطروحة تشمل الذهب والفوسفات والتلك والكاولين وغيرها. وزارة البترول
كما عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اليوم الثاني مائدة مستديرة بعنوان «من الاكتشاف إلى التنمية الصناعية.. بناء ثقة المستثمرين عبر سلسلة القيمة لقطاع التعدين في مصر»، وناقش خلالها تطوير القطاع وتعزيز ثقة المستثمرين والشراكات والاستثمارات التعدينية.


