سعاد عزيز تكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران أمام تحول في الوعي السياسي.. حين تفقد الإصلاحات قدرتها على الإقناع
لم تعد التحولات التي يشهدها المجتمع الإيراني قابلة للاختزال في موجات احتجاج عابرة أو مطالب معيشية تفرضها الأزمات الاقتصادية المتفاقمة؛ فثمة ما يشير إلى تغير أعمق يمس نظرة قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى طبيعة النظام السياسي، وإلى جدوى الرهان على الإصلاح التدريجي من داخل مؤسساته. وما كان يطرح في السابق بوصفه ضرورة لتصحيح السياسات وتعديل مسارات الحكم، يبدو اليوم، وفق مؤشرات استطلاعية، أقل قدرة على استيعاب حجم التطلعات المتراكمة في المجتمع.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من الأرقام التي عرضها عالم الاجتماع الإيراني إبراهيم حاجياني، المدير الأول لمركز استطلاع آراء الطلاب الإيرانيين "إيسبا"، في مقابلة نشرها موقع "إنصاف نيوز". فبحسب ما أورده، لم تتجاوز نسبة المشاركين الذين طالبوا بتغييرات جوهرية في استطلاع أجري عامي 2003 و2004 نحو 8 في المئة، في حين أظهرت استطلاعات لاحقة ارتفاع هذه النسبة إلى قرابة 67 في المئة. وبين الرقمين مسافة تتجاوز التغير الكمي، لتطرح تساؤلات جوهرية بشأن ما أصاب العلاقة بين المجتمع ومؤسسات السلطة من تحولات خلال نحو عقدين.
ومع ذلك، فإن القراءة الرصينة لهذه الأرقام تقتضي عدم التعامل معها باعتبارها استفتاء نهائيا على مستقبل النظام الإيراني، ولا دليلا قاطعا على وجود إجماع شعبي حول بديل سياسي بعينه. فمفهوم "التغييرات الأساسية" لا يحدد، في حد ذاته، طبيعة التغيير الذي يريده المشاركون، كما أن حاجياني أشار إلى عزوف نسبة كبيرة من المواطنين عن الاستجابة لاستطلاعات الرأي. لكن هذه التحفظات المنهجية لا تلغي الدلالة السياسية للمؤشر، ولا تقلل من أهمية التحول الذي تعكسه الأرقام المنشورة.
حين تتآكل الثقة بوعود الإصلاح
إن أحد أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية ليس مجرد اتساع دائرة السخط الشعبي، بل وصول قطاعات من المجتمع إلى قناعة بأن الآليات التقليدية لمعالجة الأزمات لم تعد قادرة على إنتاج حلول مقنعة. فعندما تتكرر الوعود بالتغيير من دون أن يلمس المواطن تحسنا يتناسب مع تطلعاته، تتراجع الثقة بإمكان إصلاح الخلل من داخل المنظومة القائمة، ويتحول السؤال تدريجيا من كيفية تحسين أداء السلطة إلى مدى صلاحية الأسس التي تقوم عليها.
وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن فصل هذا المسار عن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والقيود المفروضة على الحريات، والصراع المستمر حول حقوق المرأة والحريات الفردية، فضلا عن التباعد بين تصورات قطاعات من المجتمع، ولا سيما الأجيال الشابة، وبين الرؤية التي تسعى المؤسسات الحاكمة إلى فرضها على الحياة العامة.
وقد أضفت الاحتجاجات المتعاقبة على هذا التباعد بعدا سياسيا واجتماعيا أكثر وضوحا. فالمطالب التي تنطلق من قضية محددة قد تتجاوز حدودها الأولى عندما تتكرر أسبابها، ويشعر المحتجون بأن المشكلة لا تكمن في قرار منفرد أو مسؤول بعينه، وإنما في منظومة أوسع تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وعند هذه النقطة، تصبح الاحتجاجات تعبيرا عن أزمة ثقة تتجاوز الملفات التي أشعلتها.
عام 2022 وما كشفه من تحولات
وفي هذا السياق، تبرز احتجاجات عام 2022 بوصفها محطة مهمة في فهم التغيرات التي طرأت على المجتمع الإيراني. فقد اعتبر حاجياني أن المجتمع شهد تحولا ملحوظا في قضايا الأسرة والدين والمرأة وأنماط الحياة والمواقف الاجتماعية والسياسية، إلى حد يمكن معه الحديث عن اختلافات واضحة بين إيران ما قبل تلك الأحداث وما بعدها.
ولا تكمن أهمية هذه المرحلة في حجم الاحتجاجات وحده، بل في ما كشفته من اتساع الفجوة بين أنماط الحياة والتطلعات الاجتماعية لدى شرائح من الإيرانيين، وبين القيود الأيديولوجية التي تحكم سياسات الدولة. فالمجتمع ليس كتلة ساكنة يمكن إخضاعها بصورة دائمة لتصور واحد، بل كيان متغير تتبدل قيمه بفعل التعليم والتكنولوجيا والاتصال بالعالم والتجارب اليومية. وحين تتسع هذه الفجوة، يصبح استمرار النهج القائم أكثر كلفة من الناحية الاجتماعية والسياسية.
ومن هنا، فإن اختزال الأزمة الإيرانية في الضغوط الاقتصادية وحدها يغفل جانبا أساسيا منها. فالمطالب المعيشية قد تكون شديدة الإلحاح، لكنها تتقاطع مع أسئلة أعمق تتعلق بالكرامة والحرية والمشاركة السياسية وحق الفرد في اختيار نمط حياته. وهذه القضايا، عندما تتراكم وتتداخل، تجعل الاستجابة الجزئية أقل قدرة على استعادة الثقة المفقودة.
بين دلالة الأرقام واستحقاقات المستقبل
إن ارتفاع نسبة المطالبين بالتغييرات الأساسية، وفق الأرقام التي عرضها حاجياني، يستحق التوقف عنده بوصفه مؤشرا على تحول في المزاج العام لدى المشاركين في الاستطلاعات. غير أن الدلالة الحقيقية لهذا التحول لا تتوقف عند النسب المعلنة، بل تتصل بما قد يعنيه استمرار الفجوة بين تطلعات المجتمع وقدرة النظام على الاستجابة لها.
فالتاريخ السياسي لا يثبت أن اتساع المطالبة بالتغيير يؤدي آليا إلى نتيجة محددة، كما أن رفض الإصلاحات التدريجية لا يعني بالضرورة اتفاق الجميع على مشروع سياسي بديل. لكن المؤكد أن أي سلطة تواجه تحولا عميقا في توقعات المجتمع تصبح مطالبة بإعادة النظر في الأسس التي تنظم علاقتها بالمواطنين، بدلا من الاكتفاء بمعالجة مظاهر الأزمة أو التعويل على تراجع الاحتجاجات.
إن المسألة الأكثر أهمية في إيران اليوم ليست ما إذا كانت نسبة 67 في المئة تمثل جميع الإيرانيين، بل لماذا انتقلت المطالبة بالتغييرات الأساسية، وفق هذه الاستطلاعات، من موقع محدود في مطلع الألفية إلى موقع أكثر بروزا بعد عقدين من التحولات والأزمات. فهذا السؤال يعيد النقاش إلى جوهر المشكلة: هل ما زالت أدوات الحكم القائمة قادرة على مواكبة مجتمع تغيرت أولوياته وتطلعاته، أم أن الهوة بين الطرفين أخذت تتسع إلى حد يجعل الحلول التقليدية أقل إقناعا؟
إن الأرقام لا تحسم مستقبل إيران، لكنها تضع أمام صانعي القرار حقيقة لا يمكن تجاهلها: المجتمعات تتغير، وحين تتراجع الثقة بقدرة الإصلاحات المحدودة على معالجة جذور الأزمات، فإن المطالبة بالتغيير تتجاوز حدود السياسات اليومية لتطال طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. وعندئذ، لا يعود التحدي الحقيقي هو احتواء موجة احتجاج جديدة، بل الإجابة عن أسباب التحول الذي يجعل قطاعات متزايدة تبحث عن تغيير أعمق من الوعود والإجراءات الجزئية.


