حوارات وتحليلات

خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته..

تحليل: هل تنجح الاستراتيجية الجديدة في ترميم انكسارات "الإخوان"؟

الوقت Thursday 13 February 2020 10:24 am
تحليل: هل تنجح الاستراتيجية الجديدة في ترميم انكسارات "الإخوان"؟

اليوم الثامن أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان

بدأ يسمع صوت الصراعات الخافتة داخل أجنحة تنظيم الإخوان الإعلامية، وفي ما بينها، وبعد أن عملت طيلة السنوات الست الماضية، كداعم أساسي لبقاء التنظيم في مشهد واقع الوطن الأم، مصر، والفاعل في مواجهة ما يصفه الإخوان باعتباره “التمرد على التمكين”. خرجت إلى العلن ملامح انقلابات ومتغيرات سيكون لها تأثيرها على الأجندة الإعلامية للإخوان وعلى توجهاتهم المستقبلية.

على مدى سنوات، نجحت الأذرع الإعلامية الإخوانية في إحداث تأثير نسبيّ على قطاع من الرأي العام، داخل مصر وخارجها، خاصة في ظل غياب خطة إعلامية مضادة.

لكن، مع تغير المشهد، وانحسار الفوضى والكثير من الأسباب التي ساعدت تلك الأذرع على البروز، باتت ملامح الشقاق والخلافات تظهر، سواء داخل المؤسسة الواحدة أو بين المؤسسات التي تشترك في الانتماء الإخواني.

وتعدّ الأزمة التي أثارها الكشف عن الفوارق في أجور العاملين في قناة الشرق الإخوانية، من أبرز الأمثلة على هذا الصراع بين أجنحة وسائل الإعلام التابعة للإخوان وداخل مؤسساتها.

بدأت أزمة قناة الشرق منذ أبريل 2018، حين بدأت تخرج تسريبات من داخل القناة تتناول بتفصيل أكبر واقع العاملين وتعسف الإدارة الممثلة شكلا في السياسي المصري أيمن نور، وموضوعا في أحمد عبده، المدير الإداري للقناة، وأحد أعضاء اللجان الإعلامية للإخوان.

تصاعد الأزمة

بلغت المواجهات المباشرة بين فرق العمل التنظيمية وإدارة القناة، مُحاولة مجموعة منهم اقتحام مقر القناة فجر يوم 5 أبريل 2018.

وبحسب توصيف الإخوان “حاولوا اقتحام مقر القناة ليلا واحتلاله بعد مواعيد العمل الرسمية”، الأمر الذي نتج عنه إصدار قرار بفصل سبعة منهم المذيع عبدالله الماحي، وثلاثة من المُعدين، وهم: خالد إسماعيل وأحمد درويش ورامي صالح، واثنان من الفنيين، هما شعيب أحمد ومحمد عثمان، وعامل النظافة مصطفى صديق.

لم تهدأ الأوضاع، بل اتخذت منحى تصاعديا مع تكثيف الاختراقات. وفي يناير 2020، أصدر العاملون بقناة الشرف بيانا اشتكوا فيه من قرارات تعسفية اتخذتها الإدارة بحق بعض العاملين بها، نتيجة أزمة مالية تمر بها القناة.

ونشر المخترقون رواتب العاملين بالقناة ونجومها، الذين من بينهم معتز مطر، أبرز وجوه القناة المقيم في تركيا، والذي يتقاضى راتبا خياليا مقارنة بالأوضاع البائسة لباقي العاملين بها. وكشفت التسريبات أن أيمن نور يتقاضى 15000 دولار، بينما يبلغ أجر معتز مطر 145000 دولار، فيما لا يتجاوز أجر بقية العاملين الألف دولار.

وعرّف المُخترقون عن أنفسهم بأنهم مجموعة من العاملين بالقناة. إلا أن إدارة القناة أعلنت في بيان لها أن أجهزة أمنية مصرية تقف خلف الاختراق، لكن ما ينبغي التوقف عنده هو أن هذا الاختراق يؤكد حقيقة الصراع بين أجنحة الإعلام في المشهد الإخواني.

ويؤكد هذا الوضع المتأزم، مرور أذرع إعلامية أخرى، تبث من تركيا، وعلى رأسها قناتي مكملين ووطن، بأزمات تتشابه مع أزمة قناة شرق وتختلف باختلاف الجهة الداعمة والهدف الرئيسي من رسالتها. هنا، يمكن الاستدلال بمثال قناة وطن، التي توجه الخطاب الرسمي للتنظيم.

الصراع داخل هذه القناة يدور بين جبهة الإدارة التقليدية، ممثلة في أمين عام التنظيم محمود حسين، ومجموعة مكتب المصريين بالخارج. وتم حلّ هذا المكتب بعد فشله في إسقاط النظام المصري في يناير 2015. وكان يتبع مكتب الإخوان المؤقت بمسؤولية القيادي الراحل محمد كمال.

ظهر في المشهد الإعلامي الإخواني في لندن صراع من نوع جديد، طرفاه عزام التميمي وقناة الحوار وتصدره مشهد المرجعية الإعلامية للتنظيم، وعزمي بشارة وشبكة تلفزيون العربي

في فبراير 2016 استطاعت قيادة التنظيم التقليدية أن تُحكم قبضتها على قناة وطن. جاء ذلك في إطار استهداف تنحية كل قيادات تنظيم محمد كمال من المشهد الإخواني، حتى يسهل تنصله من مسؤولية جرائم اللجان النوعية (النظام الخاص) التي أُنشئت داخل أطر التنظيم الرسمية بمباركة مكتب الإرشاد الرسمي وتبعية وإشراف من محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، ومحمد عبدالرحمن رئيس المكتب آنذاك.

شهدت قناة وطن مطلع سنة 2016 خُطة تنظيمية مُحكمة أدارها محمود حسين لسحب كل الصلاحيات والأوراق الثبوتية من مدير عام الفضائيات بالتنظيم حينها (ع . م)، والذي كان مسؤولا عن القناة بتكليف من الإخوان، وبتبعية لمكتب إخوان مصر بالخارج، ومكتب الرابطة وأمانة التنظيم الدولي. وحاول مدير الفضائيات التنظيمي حينها أن يُحقق تأمين موقعه عبر ازدواجية التبعية للطرفين.

لم يُعفه ذلك من شك القيادات الكبيرة في ولائه، رغم طمأنة محمود حسين له وتعهداته بضمان استقلالية عمله وبعده عن الأطر التنظيمية للجماعة، لكنه كان يعمل تحت إشراف محمود عزت للسيطرة التامة على مفاصل التنظيم باستخدام المال، بما يمكنهم من استعادة السيطرة على كافة الوسائل الإعلامية التي تخضع لسيطرة مكتب الخارج أو لجنة الإدارة العليا. وهو ما بدأ باستعادة السيطرة على موقع التنظيم الرسمي (إخوان أون لاين). ثم زرع أحد أبناء القيادات الإخوانية التقليدية، إسلام عقل، ليكون مديرا للقناة تحت إشراف مدير الفضائيات. بينما يبدأ في العمل سرا لتقنين ملكية قناة وطن، بحيث تكون في ملكيتها كاملة بأسماء تثق فيها القيادة الرسمية.

نجح عقل في ذلك، وأداره في سرية تامة، ليتم جمع الأوراق المرتبطة بحجز اسم القناة وترددها على القمر الصناعي، وغيرها من أوراق تؤهل لنقل ملكية القناة إلى شركة جديدة.

وهكذا استيقظ مدير فضائيات التنظيم والعاملين في “وطن”، على إعلان مديرها “القناة تم بيعها بحصص ثلاث وتم التسجيل بأسماء كل من إسلام عثمان ماهر عقل وعلي عبدالفتاح ومسؤول مكتب الإخوان المصريين في تركيا”، مع تأكيده “لم يتغير شيء وعملكم يسير كما هو، كل ما هناك أن الشركة المالكة للقناة تغيرت بما يضمن الحفاظ على ملكية القناة للإخوان”. وهكذا سيطر التنظيم على قناته الرسمية، وكان على مدير الفضائيات وقتها أن يبدأ البحث عن وظيفة تنظيمية إعلامية جديدة.

من إسطنبول إلى لندن

تبث أغلب الأذرع الإعلامية للإخوان من تركيا وبريطانيا. وتبدو هذه الأخيرة الأكثر نشاطا، إذ تُعتبر لندن الحاضنة التقليدية لأمانة التنظيم الدولي من جهة وأمانة جهاز الإعلام من جهة ثانية، وأرضا قابلة للاستثمار الإعلامي التنظيمي المؤهل للحضور والربح والحصول على الإقامة، وربما الجنسية الإنجليزية. وجميع هذه الميزات تُمثل حافزا لكل أنصار وأعضاء التنظيم من الإعلاميين، وعلى رأسهم القيادي في جهاز الإعلام، عزام التميمي، صاحب مشروع إعلامي قديم بعنوان “قناة الحوار”.

سوّق التميمي لنفسه باعتباره الحارس الأمين لإعلام الإخوان في الوقت الذي كان فيه التنظيم المصري غارقا في خلافاته وتعمل قيادته التقليدية جاهدة لاستعادة السيطرة على مفاصل التنظيم خاصة الحديثة. تقاطع ذلك مع صعود نجم مُتحالف مع التنظيم من خارجه، هو عزمي بشارة، الذي يملك من العروض ما يغوي به التنظيم ويضمن له أكبر قدر من المكاسب، ما مكنه من القفز على طموح التنظيم بإنشاء قناة تستقطب النخبة خاصة في مصر، وتقدم خطابا يبدو متزنا ظاهريا، بينما يستبطن تبنّيا لكل أهداف التنظيم الإعلامية.

ظهر في المشهد الإعلامي الإخواني الناشط في لندن صراع من نوع جديد، طرفاه التميمي وقناته “الحوار” وتصدره مشهد المرجعية الإعلامية للتنظيم، وبشارة، وقناته “شبكة تلفزيون العربي”، التي تسعى لتصدر البعث الجديد لخطاب الإخوان الإعلامي. وبدت الكفة مائلة نحو بشارة باعتباره المرجعية الاحترافية القادرة على أن تسوق للإخوان ما يريدون وتتجاوز فشل مسؤوليهم المتخصصين وعلى رأسهم التميمي.

رغم ما حققته شبكة تلفزيون العربي، طوال السنوات الخمس الماضية، باتت منذ نهاية العام الماضي في مهب ريح الأهداف الجديدة للإخوان. وهي الأهداف التي نتجت، بعد ورش عمل تنظيمية في العديد من الأقطار على رأسها بريطانيا وتركيا وقطر ومصر ولبنان، استهدفت رفع واقع إعلام الإخوان لتقييمه في ظل مستجدات المرحلة، والتي كان للتميمي دوره فيها بما يحسم وصول النتائج لصالحه.

الإخوان بدأوا في إعادة تشكيل أجهزة إعلام المرحلة القادمة تحت عنوان استراتيجي نصه "تماسك وبناء وتطوير الجماعة لتتمتع بالجاهزية والقدرة على التأثير الفعال في المجتمع"

لهذا انتهى تقييم الإخوان لتجربة تلفزيون العربي، إلى كونها استنفدت أغراضها، وباتت كلفتها الضخمة تُثْقِل ميزانيات التنظيم ويُمكن توجيه جزء من ميزانيتها إلى نوافذ جديدة. ومن ثم كان القرار بحسب مصدر تنظيمي “بدء الإعداد لتصفية عمل القناة في لندن ونقلها إلى الدوحة وتخصيصها كقناة إخبارية”.

مثّل القرار صدمة مدوية لبشارة، وصدمة أكبر للعاملين بالقناة ومنصاتها المُختلفة، والذين اعتبروا عملهم فيها بوابة الحصول على إقامة دائمة في لندن، إلى جانب الامتيازات المالية التي كانت تؤهل عددا من المسؤولين والإعلاميين فيها لإقامة حفلات خاصة في كبرى قاعات الفنادق في بريطانيا. ومثل تسريب صور من هذه الحفلات، مادة خصبة لاستهداف القناة والعاملين فيها من قبل التميمي، وعناصر قيادات لجان الإخوان الإعلامية داخل بريطانيا وخارجها.

منحت هذه الأجواء التي تتسارع فيها وتيرة الصراعات على قادم كعكة الإخوان الإعلامية، قيادة التنظيم فرصة لصرف الأنظار عن حالة ترتيب البيت الإعلامي التنظيمي في مرحلة 2020 وما بعدها، لأن الهدف الاستراتيجي لإعلام الإخوان في الأربع سنوات السابقة كان ينص على “استعادة الحيوية الثورية في أنحاء القطر والخارج وتصدير مشهد الثورة مستمرة”، وهو ما فصلته أهداف مرحلية تمثلت في الآتي نصا “زيادة الوعي الثوري والميداني في إدارة الصراع، استعادة روح الثقة في جدوى وفاعلية الحراك الثوري، بداية كسر الثنائية في الصراع، مشاركة فاعلة للشباب خاصة في النقاط ذات الرمزية الثورية، استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تصعيد الغضب”.

باتت هذه الأهداف مُجملة في خطة الأربع سنوات القادمة، وفق متغيرات المشهد التي على رأسها وفاة الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي، استرداد العافية الإدارية، استعادة الحاضنة الشعبية، فقدان النظام لشرائح من النخب ومعاداته لها.

استراتيجية تمكين جديدة

فرضت هذه المُتغيرات على التنظيم أهدافا جديدة، تجعل إعادة ترتيب البيت الإعلامي التنظيمي أولوية ذات صفة ملحة، الأمر الذي يلزمه صرف أنظار المُتابعين إلى معارك لها ظلال على أرض الواقع، ودائمة التكرار في وسائل إعلام التنظيم، لكنها في هذا التوقيت تُمثل الشرك الذي تهوى الوقوع فيه وسائل الإعلام المصرية عامة، والمعارضة للإخوان خصوصا.

لا مانع لدى الإخوان من أن تعلو أصوات الصراعات، وتصل حد البرامج في الفضائيات ليتساوى استهداف سقطات نجوم إعلامهم الحاليين مع سقطات نجوم إعلام الفضائيات المعادية

بالتالي فلا مانع لدى التنظيم من أن تعلو أصوات الصراعات، وتصل حد البرامج في الفضائيات ليتساوى استهداف سقطات نجوم إعلام الإخوان الحاليين مع سقطات نجوم إعلام الفضائيات المصرية والعربية المعادية، ويترك التنظيم متابعيه يغرقون في تحليل صراعات بين فرق أدت مهمتها في المرحلة السابقة، وآن أوان الاستغناء عنها.

وفيما الكل مُنشغل بذلك يبدأ الإخوان في إعادة تشكيل أجهزة إعلام المرحلة القادمة تحت هدف استراتيجي نصه “تماسك وبناء وتطوير الجماعة لتتمتع بالجاهزية والقدرة على التأثير الفعال في المجتمع”، وهو ما يصفه رجل إعلام التنظيم الدولي القوي، عزام التميمي، ناصحا مسؤولي وقواعد الإعلام التنظيمي بالعودة إلى صفوف الجماعة، للمساهمة في ترميم بيتها، ولمّ شعثها.

التعليقات

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة