اشتباكات حدودية تكشف هشاشة التفاهمات بين الجارتين النوويتين..

تصعيد عسكري بين أفغانستان وباكستان يعمّق أزمة الثقة الحدودية

المواجهة الحالية لا تبدو حادثًا عابرًا بل تعبيرًا عن تراكم أمني وسياسي ممتد منذ عودة طالبان إلى الحكم، حيث تتحول الحدود المشتركة إلى ساحة اختبار للردع المتبادل، في ظل غياب آلية ثقة فعالة تمنع الانزلاق نحو صدام أوسع.

كابول

عاد التوتر بين أفغانستان وباكستان إلى الواجهة مع إعلان حكومة طالبان شنّ “هجمات مكثفة” على نقاط حدودية باكستانية، قالت إنها سيطرت على عدد منها وقتلت وأَسرت جنودًا، وذلك ردًا على غارات جوية باكستانية استهدفت ولايات شرقي أفغانستان خلال الأيام الماضية. التصعيد المتبادل يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية على طول خط تماس ظل تاريخيًا أحد أكثر الحدود اضطرابًا في جنوب آسيا.

المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، أعلن عبر منصة “إكس” أن العمليات جاءت ردًا على “انتهاكات متكررة”، بينما أكد متحدث عسكري شرقي البلاد أن الهجمات استهدفت مواقع باكستانية عقب غارات على ننكرهار وباكتيا. في المقابل، وصفت إسلام آباد الهجوم بأنه “غير مبرر” وأعلنت اتخاذ إجراءات فورية. هذا التراشق السريع بالاتهامات يكشف أن قنوات التهدئة إما ضعيفة أو غير مفعّلة.

المعضلة الأساسية ليست في جولة نار هنا أو هناك، بل في أزمة ثقة ممتدة منذ سيطرة طالبان على كابول عام 2021. باكستان تتهم كابول بالتراخي إزاء جماعات مسلحة تنفذ هجمات داخل أراضيها، بينما تنفي طالبان تلك الاتهامات وتعتبر الغارات الباكستانية انتهاكًا للسيادة. وبين الروايتين، تبقى الوقائع الميدانية عرضة للتضخيم الإعلامي والتوظيف السياسي.

توقيت التصعيد يحمل دلالات إضافية. فالغارات الباكستانية جاءت عقب سلسلة تفجيرات انتحارية داخل باكستان، ما يشير إلى ضغط داخلي يدفع المؤسسة العسكرية إلى إظهار الحزم. في المقابل، تحتاج طالبان إلى تثبيت صورة الردع داخليًا، خصوصًا في مناطق حدودية حساسة مثل كونار وننكرهار، حيث تتداخل الحسابات القبلية والأمنية.

إغلاق معظم المعابر البرية منذ اشتباكات أكتوبر الماضي—التي خلّفت عشرات القتلى—عمّق الخسائر الاقتصادية والإنسانية على جانبي الحدود. فالتجارة العابرة تشكل شريانًا حيويًا لمجتمعات محلية تعتمد على الحركة اليومية. استمرار الإغلاق أو توسيع رقعة الاشتباكات سيضاعف الكلفة، ويحوّل التوتر السياسي إلى أزمة معيشية.

استراتيجيًا، تتحول الحدود إلى ساحة “ردع منخفض الكثافة”: ضربات محدودة، رسائل نارية، وتقدم تكتيكي هنا أو هناك دون رغبة معلنة في حرب مفتوحة. لكن هذا النمط يحمل مخاطر سوء الحسابات. حادث واحد خارج السيطرة قد يدفع الطرفين إلى تصعيد لا يريدانه، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

المطلوب عمليًا هو إعادة تفعيل آليات اتصال عسكرية مباشرة، والاتفاق على قواعد اشتباك واضحة، وربما الاستعانة بوساطة إقليمية لضبط الإيقاع. فالتصعيد المتكرر يستهلك الموارد ويقوّض الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية وأمنية عميقة.

ما يجري ليس مجرد رد فعل على غارة أو هجوم، بل نتيجة تراكمات بنيوية في ملف الحدود والجماعات المسلحة. دون معالجة جذور أزمة الثقة، ستظل كل هدنة مؤقتة، وكل جولة تصعيد قابلة للتكرار. اللعبة الآن إدارة مخاطر، لا تسجيل نقاط.