طهران بين حصارين..
الاقتصاد يختنق والإنترنت يُقطع… هل تعكس الأزمة في إيران عمق المأزق الداخلي؟
تواجه إيران ضغوطاً متصاعدة مع الحصار البحري الأمريكي وتراجع الاقتصاد، بالتزامن مع قيود واسعة على الإنترنت، ما يعمّق التحديات المعيشية ويثير انتقادات دولية، وسط جدل حول ارتباط هذه الإجراءات بالأوضاع الأمنية والتوترات الداخلية.
تتصاعد حدة الأوضاع في إيران لتصل إلى مستوى غير مسبوق من التعقيد والضبابية، خاصة في ظل الهدنة الهشة المعلنة للحرب التي اندلعت في ۲۸ فبراير/شباط المنصرم. ومع فرض الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، دخلت البلاد نفقاً مظلماً يجعل من هذه الهدنة مجرد واجهة لأزمات أعمق وأكثر فتكاً بالبنية التحتية والمعيشية للشعب الإيراني.
المحاصرة المزدوجة: خناق الاقتصاد والرقمنة
تشير التقديرات إلى أن الحصار البحري يكلف النظام الإيراني حوالي ٤٣٥ مليون دولار يومياً، تشمل خسائر فادحة في صادرات النفط والبتروكيماويات. هذا الشلل الاقتصادي الذي يسرع الخطى نحو الانهيار التام، يتزامن مع "جريمة صامتة" أخرى يرتكبها النظام في الداخل؛ وهي استمرار التعتيم الرقمي الشامل الذي تجاوز يومه الثامن والأربعين. بينما يعترف العالم بالإنترنت كحق أساسي، تسجل إيران رقماً قياسياً مظلماً بتجاوز الـ ۱۱۰۰ ساعة من القطع الممنهج. إن النظام، وكما دأب طوال أربعة عقود، يجعل من الشعب الإيراني كبش فداء لسياساته الخاطئة، حيث يفرض "إبادة وظيفية" في قطاع الاقتصاد الرقمي، تكبد البلاد خسارة يومية إضافية تقدر بـ ۸۰ مليون دولار، لتصل التكلفة التراكمية لهذا الحصار الرقمي إلى قرابة ٤ مليارات دولار.
إدانات دولية وحصار رقمي غير مسبوق
لم يمر هذا الإجراء التعسفي دون ردود فعل دولية حاشدة؛ حيث أدانت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، بشدة استمرار انقطاع الإنترنت، موجهة اتهاماً صريحاً للنظام بعزل ملايين المواطنين عن العالم. وحذرت كالامارد في رسالتها الأخيرة من التداعيات الكارثية لهذا الحصار، مشددة على أنه ليس مجرد خلل تقني، بل هو أداة قمعية لعزل الشعب ومنع تواصل "وحدات المقاومة" وأطياف المجتمع في سائر أرجاء البلاد.
خديعة "مبررات الحرب" وحقيقة انتفاضة يناير
يحاول النظام، في مشهد يثير السخرية، تبرير خنق الحياة اليومية وقطع الإنترنت بظروف الحرب. لكن هذا الزعم الواهي يصطدم بحقيقة "انتفاضة يناير 2026" التي اندلعت قبل نشوب الحرب بشهر تقريباً. تلك الانتفاضة أكدت بصورة قطعية أن العلاقة بين الشعب والنظام هي علاقة عدائية بنسبة ۱۰۰٪، ولا سبيل لإصلاحها. إن الخوف من هبوب "عاصفة السقوط" هو ما يدفع النظام لتحمل هذه الخسائر المليارية؛ فهو يرى في تدفق المعلومات التهديد الأكبر لبقائه، ويفضل تحويل إيران إلى "جزيرة مهجورة" رقمياً على أن يواجه وعي الشعب وتنظيمه.
إن استمرار هذا التعتيم والحصار ليس دليلاً على القوة، بل هو شهادة على الضعف وانسداد الأفق الاستراتيجي. النظام يضحي بمستقبل الأجيال وبما تبقى من ثروات البلاد مقابل بقاء هش للسلطة. وكما أكدت السيدة مريم رجوي، فإن الإنترنت هو "حق التنفس" للشعب الإيراني، وأن سياسة "الأرض المحروقة" التي ينتهجها النظام من خلال تدمير سبل عيش الناس رقمياً واقتصادياً لن تزيد الشعب إلا إصراراً على السير في الطريق الوحيد المتبقي: طريق إسقاط النظام.
لن ينتهي هذا التعتيم برفع تقني للقيود، بل برحيل الهيكل القمعي الذي يرى في القنبلة الذرية وقمع الإنترنت وسيلتين وحيدتين للحفاظ على هيبة زائفة فوق أنقاض اقتصاد مشلول وشعب تواق للحرية.



