استعراض القوة تحت الأرض..

وحدات المقاومة تنقل المواجهة إلى شوارع إيران وتكسر احتكار النظام للمشهد بعد خامنئي

تكشف العمليات التي نفذتها وحدات المقاومة في طهران و14 مدينة أخرى أن معركة ما بعد خامنئي لم تعد محصورة داخل أجنحة النظام، بل انتقلت إلى الشارع نفسه. ففي لحظة حاولت فيها السلطة تحويل تشييع خامنئي إلى استعراض تماسك، جاءت الشعارات واللافتات والكتابات المناهضة لتقول إن الأزمة أعمق من أن تُغطى بالجنازات، وإن المعارضة تسعى لانتزاع المجال العام من قبضة الحرس والدعاية الرسمية.

محرر الشؤون الإيرانية
محرر الشؤون الإيرانية وبيانات المعارضة الإيرانية.

في اليوم الذي واصل فيه النظام الإيراني تنظيم مراسم تشييع علي خامنئي ومحاولة توظيفها بوصفها عرضاً للقوة والهيبة واستمرارية الحكم، كانت صورة موازية تتشكل في شوارع طهران و14 مدينة أخرى، لكن بعيداً عن المنصات الرسمية والكاميرات الحكومية. هناك، نفذت وحدات المقاومة 46 عملية ميدانية استهدفت مباشرة رمزية النظام وأجهزته العقائدية، ورفعت شعارات مناهضة للمرشد الراحل ولمنظومة ولاية الفقيه، في رسالة سياسية تتجاوز بعدها الدعائي إلى إعلان واضح بأن معركة ما بعد خامنئي قد بدأت فعلياً داخل المجال العام الإيراني.

العمليات التي شملت طهران وشيراز ويزد وسمنان وقائم شهر ومشهد وأصفهان وكاشان وأراك وسنندج وآق قلا وشهركرد وجالوس وبندر عباس وجرجان، لم تكن مجرد تحركات رمزية معزولة. التوقيت بحد ذاته يحمل دلالة مباشرة؛ إذ جاءت بالتزامن مع استمرار النظام في تسويق مشهد التشييع باعتباره لحظة إجماع وطني وتماسك داخلي، بينما كانت الشعارات التي انتشرت على الجدران والجسور وفي الشوارع تقول شيئاً معاكساً تماماً: لا إجماع داخل إيران، ولا استقرار سياسياً حقيقياً، ولا قبولاً باستمرار النظام حتى بعد انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي.

الهتافات التي حملتها الحملة لم تترك مجالاً للتأويل. من "الموت لخامنئي" و"تبا لمبدأ ولاية الفقيه" إلى "لا للسلطنة ولا للقيادة، الديمقراطية والمساواة" و"عاش جيش التحرير الوطني الإيراني"، بدا واضحاً أن الرسالة لا تستهدف شخص المرشد الراحل فقط، بل تضرب في صميم البنية السياسية التي حكمت إيران منذ 1979. وهذا الفارق مهم؛ لأن الهجوم هنا ليس على إدارة بعينها أو على جناح داخل النظام، بل على شرعية النظام نفسه، وعلى ركيزته الأيديولوجية والقمعية التي يمثلها مبدأ ولاية الفقيه.

من الناحية السياسية، يكتسب هذا التحرك أهمية مضاعفة لأنه يأتي في لحظة انتقالية شديدة الحساسية. فالنظام الذي خرج لتوه من حرب مكلفة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعرض خلالها لضربات عسكرية وأمنية غير مسبوقة، يواجه الآن أزمة من نوع آخر: أزمة الشرعية الداخلية بعد غياب الرجل الذي احتكر موقع المرشد الأعلى لعقود. وبينما حاولت السلطة إظهار انتقال الحكم إلى مجتبى خامنئي بوصفه انتقالاً سلساً ومحصناً داخل بنية الدولة والحرس الثوري، جاءت هذه العمليات لتفتح ثغرة في هذه الرواية، وتؤكد أن ما بعد خامنئي ليس مجرد مسألة وراثة داخل النظام، بل لحظة قابلة لإعادة فتح الصراع على طبيعة الدولة نفسها.

ما فعلته وحدات المقاومة عملياً هو نقل المواجهة من مستوى البيانات والخطابات إلى مستوى الفضاء العام. تعليق شعارات منظمة مجاهدي خلق فوق الجسور، وكتابة عبارات إسقاط النظام على الجدران في مدن متعددة، وعرض جداريات وصور ضوئية في الشوارع، كلها أدوات تستهدف استعادة المجال البصري والسياسي من قبضة السلطة. فالنظام الإيراني لم يحكم فقط عبر السلاح والأجهزة الأمنية، بل أيضاً عبر احتكار الصورة والرمز والشارع واللغة العامة. لذلك فإن مجرد ظهور شعار معارض في قلب مدينة إيرانية، خصوصاً في ظرف أمني مشدد، يمثل بحد ذاته كسراً لهيبة المنظومة الأمنية والدعائية معاً.

اللافت أيضاً أن الحملة لم تكتف برفع شعار إسقاط خامنئي أو رفض ولاية الفقيه، بل حرصت على إبراز بديل سياسي ومعنوي في الوقت نفسه. تكرار عبارة "التحية لرجوي" في 24 نقطة داخل طهران ومشهد وأصفهان وأراك وبندر عباس وجرجان وكاشان، لم يكن تفصيلاً ثانوياً. المقصود هنا هو تثبيت اسم مريم رجوي والمقاومة الإيرانية بوصفهما عنواناً مضاداً للسلطة القائمة، لا مجرد صوت احتجاجي عابر. وهذا مهم في سياق إيراني طالما سعت فيه السلطة إلى تصوير كل معارضة على أنها إما هامشية أو مرتبطة بالخارج أو عاجزة عن تقديم مشروع بديل.

في المقابل، تبدو الرسالة الأذكى في الحملة هي الشعار الذي يقول: "لا للسلطنة ولا للقيادة، الديمقراطية والمساواة". فهذه العبارة لا تستهدف نظام الملالي فقط، بل تقطع أيضاً الطريق على أي محاولة لإعادة تدوير النظام السابق أو تقديم الوريث البهلوي بوصفه بديلاً جاهزاً. هنا تحاول المقاومة أن تقول إن المعركة ليست بين عمامتين، ولا بين استبداد ديني وملكية مستعادة، بل بين نظامين من الماضي وبين مشروع جمهوري ديمقراطي يريد إسقاط بنية الاستبداد نفسها. وهذا الخطاب يتسق مع الرسائل التي تكررها مريم رجوي منذ سنوات، والقائمة على رفض نظامي الشاه والملالي معاً، والدعوة إلى جمهورية مدنية غير نووية تقوم على المساواة وفصل الدين عن الدولة.

من زاوية أمنية، يصعب التقليل من أهمية تنفيذ 46 عملية في هذا التوقيت، وتحت ما وصفته المقاومة بـ"أشد الظروف الأمنية". فإيران بعد الحرب الأخيرة ليست إيران ما قبلها. الحرس الثوري والأجهزة الأمنية يعيشان حالة استنفار مضاعف، ليس فقط بسبب المخاوف من الضربات الخارجية، بل أيضاً بسبب القلق من الانفجار الداخلي. خلال الأسابيع الماضية، صعد النظام من حملات الاعتقال والإعدام بحق السجناء والناشطين، في مؤشر واضح إلى أنه يرى في الداخل تهديداً لا يقل خطورة عن التهديد العسكري الخارجي. وبالتالي، فإن قدرة وحدات المقاومة على التحرك في هذا المناخ تعني، أولاً، أن القبضة الأمنية ليست محكمة كما يريد النظام أن يظهر، وثانياً أن شبكات المعارضة ما تزال تمتلك القدرة على التنظيم والمباغتة والعمل المتزامن في أكثر من مدينة.

والأهم أن هذا النوع من العمليات لا يقاس فقط بحجمه المادي، بل بأثره النفسي والسياسي. حين يستيقظ الإيراني في طهران أو شيراز أو سنندج ليجد على الجدران شعارات ضد خامنئي وولاية الفقيه، أو يرى صوراً ضوئية ولافتات تمجد المقاومة وتعلن "الموت للظالم سواء كان الشاه أو الزعيم"، فإن الرسالة هنا ليست موجهة إلى النظام وحده، بل إلى المجتمع نفسه. إنها تقول للناس إن السلطة ليست مطلقة، وإن الخوف ليس قدراً، وإن هناك من ما يزال يشتبك مع النظام في قلب المدن لا على أطرافها فقط. وفي بلد قام نظامه على تحويل المجتمع إلى كتلة صامتة ومحاصرة، فإن هذا البعد المعنوي يكتسب قيمة استثنائية.

كذلك، لا يمكن فصل هذه الحملة عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فالنظام الإيراني خرج من الحرب الأخيرة مثقلاً بالخسائر العسكرية والاقتصادية، وتحت ضغوط تفاوضية مرتبطة بملف النووي والعقوبات ودوره الإقليمي. وفي مثل هذه اللحظات، تحاول الأنظمة عادة ترميم الداخل عبر صناعة مشهد تعبوي يوحي بالتلاحم الوطني في مواجهة الخارج. ما فعلته المقاومة هو ضرب هذه المحاولة في مقتل: بدل أن يتحول تشييع خامنئي إلى لحظة إجماع وإغلاق للصفوف، جرى تحويله إلى مناسبة لتذكير الداخل والخارج معاً بأن النظام يشيّع أيضاً جزءاً من هيبته، وأن الأزمة التي يعيشها ليست أزمة خلاف مع واشنطن أو تل أبيب فقط، بل أزمة شرعية مع جزء من المجتمع الإيراني نفسه.

من هنا، تبدو الحملة أكثر من مجرد نشاط ميداني معارض. إنها اختبار مبكر لميزان القوى في إيران ما بعد خامنئي. فالنظام يريد أن يقول إن السلطة انتقلت، وإن الدولة ما تزال متماسكة، وإن القبضة الأمنية قادرة على ضبط الشارع. أما المقاومة، فترسل إشارة مضادة: إن غياب خامنئي لم يغلق الباب أمام التغيير، بل ربما فتحه على مصراعيه، وإن الوريث الجديد لا يرث فقط المنصب، بل يرث أيضاً تركة ثقيلة من السخط الشعبي والعزلة الداخلية والتصدعات الأمنية.

ولا يخفى أن هذا النوع من الرسائل يراكم أثراً سياسياً حتى لو لم يترجم فوراً إلى انتفاضة شاملة. فالمعارضة الإيرانية، وخصوصاً مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة، لا تتعامل مع كل عملية باعتبارها هدفاً بذاتها، بل كجزء من حرب استنزاف طويلة ضد شرعية النظام. كل شعار يُكتب، وكل لافتة تُعلق، وكل صورة تُعرض في شارع عام، هو في الحساب السياسي خطوة صغيرة في معركة أكبر هدفها نزع احتكار النظام للفضاء العام، وكسر صورته كسلطة لا تُخترق.

وتكشف عمليات السابع من يوليو أن المواجهة داخل إيران لم تعد تدور فقط حول خلافات في قمة السلطة أو حول ترتيبات ما بعد خامنئي، بل حول سؤال أعمق: من يملك الحق في تمثيل إيران المقبلة؟ النظام يريدها خلافة مغلقة داخل بيت الولي الفقيه وتحت حماية الحرس الثوري. أما المقاومة فتريدها لحظة كسر تاريخي مع منظومة الشاه والملالي معاً. وبين المشروعين، تبدو الشوارع الإيرانية نفسها وقد عادت إلى الواجهة، لا بوصفها مجرد مسرح للمراسم الرسمية، بل ساحة مفتوحة على صراع الشرعية والذاكرة والمستقبل.