كشف كواليس صناعة النجوم، وتحدث عن مستقبل الأغنية العربية..
المنتج الفني محسن جابر لـ«اليوم الثامن»: عمرو دياب يمتلك مقومات الخلود.. والإنتاج الفني رسالة قبل أن يكون تجارة
في حوار خاص مع «اليوم الثامن»، يتحدث المنتج الفني محسن جابر عن أكثر من خمسة عقود في صناعة الأغنية العربية، كاشفًا كواليس صناعة النجوم وعلاقته بعمرو دياب، ورؤيته لمستقبل الأغنية. كما يوضح الفارق بين الانتشار والخلود، ويتحدث عن حقوق التراث والملكية الفكرية، ويستعيد محطات من تجربته مع كبار نجوم الغناء العربي.
المنتج الفني محسن جابر والفنان عمرو دياب - اليوم الثامن
على مدى أكثر من خمسة عقود، كان المنتج الفني محسن جابر شاهدًا وصانعًا لعدد من أهم المحطات في تاريخ الأغنية العربية. فمن خلال شركة «عالم الفن»، أسهم في اكتشاف نجوم، وصناعة تجارب غنائية لا تزال حاضرة في وجدان الجمهور، كما خاض معارك للحفاظ على التراث الموسيقي المصري، وواكب التحولات التي شهدتها صناعة الغناء منذ عصر الأسطوانات وحتى المنصات الرقمية.
وفي هذا الحوار مع «اليوم الثامن»، يتحدث محسن جابر عن كواليس صناعة النجوم، وعلاقته بعمرو دياب، ورؤيته لمستقبل الأغنية العربية، والفارق بين النجاح الحقيقي والانتشار المصنوع، كما يكشف تفاصيل غير مسبوقة حول حقوق التراث الفني، وقضايا الملكية الفكرية، ومعاركه للحفاظ على أرشيف الموسيقى المصرية.
■ بدايةً... بعد هذه الرحلة الطويلة، هل تشعر أن الوقت قد حان للاعتزال؟
- لا أحب كلمة الاعتزال، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعتزل ما أحبه طوال حياته. لكنني وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أنني قدمت ما أستطيع تقديمه، وأن من حقّي أن أعيش بهدوء بعيدًا عن ضغوط العمل اليومية.
أكثر من خمسين عامًا قضيتها في الإنتاج الفني، كنت خلالها أعيش العمل أربعًا وعشرين ساعة في اليوم. لم يكن هناك وقت للراحة أو الإجازات أو الحياة الخاصة، لأن هذه المهنة تحتاج إلى متابعة مستمرة، وإلى وجود دائم مع الفنانين والملحنين والشعراء والاستوديوهات.
اليوم أصبحت أستمتع بأن أتابع المشهد من بعيد، وأترك مساحة أكبر للجيل الجديد، دون أن أفقد اهتمامي بالفن أو متابعتي لما يحدث فيه.
■ هل تشعر بالرضا عما قدمته خلال هذه السنوات؟
- الحمد لله، أشعر بالرضا إلى حد كبير. لم يكن هدفي يومًا تحقيق المكاسب المادية فقط، وإنما كنت أبحث دائمًا عن تقديم عمل يبقى مع الناس، ويضيف شيئًا إلى تاريخ الأغنية العربية.
كنت أؤمن بأن الإنتاج الفني ليس تجارة فقط، وإنما رسالة أيضًا. ولذلك كنت أرفض تقديم أي عمل لا أقتنع به، حتى لو كان يحقق أرباحًا كبيرة.
النجاح الحقيقي بالنسبة لي هو أن تسمع أغنية بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، فتجدها ما زالت حاضرة في وجدان الناس، وكأنها وُلدت بالأمس.
■ ما الفلسفة التي كنت تعتمد عليها في صناعة الأغنية؟
- كنت أتعامل مع الأغنية باعتبارها مشروعًا متكاملًا، يبدأ من الفكرة ولا ينتهي إلا بعد وصولها إلى الجمهور بالشكل الذي يليق بها.
لم أكن أشتري أغنية جاهزة ثم أطرحها في السوق، بل كنت أشارك في اختيار الفكرة، والكلمات، واللحن، والتوزيع، وطريقة الأداء، وحتى شكل تصوير الأغنية إذا تحولت إلى فيديو كليب.
كل عنصر من هذه العناصر كان بالنسبة لي جزءًا من النجاح، ولا يمكن فصله عن الآخر.
■ هل كنت تتدخل في أداء الفنان داخل الاستوديو؟
- بالتأكيد. ليس بهدف فرض رأيي، وإنما لأنني كنت أرى الصورة الكاملة للعمل.
أتذكر عندما سجل الفنان محمد الحلو إحدى الأغنيات، دخل الاستوديو وغناها بالطريقة الكلاسيكية التي اشتهر بها، المليئة بالعُرَب والاستعراض الصوتي. استمعت إليه، ثم طلبت منه أن يغنيها ببساطة أكبر، لأن طبيعة الأغنية كانت تستهدف الشباب، ولم تكن تحتاج إلى كل هذا الأداء التقليدي.
قلت له وقتها: الناس تعرف قدراتك الصوتية، ولسنا في حاجة إلى إثباتها في كل أغنية، لكننا نريد أن تصل الأغنية إلى جمهور جديد.
وبالفعل أعاد تسجيلها بالشكل الذي كنت أتصوره، وحققت نجاحًا كبيرًا.
■ وهل كان دور المنتج يمتد أيضًا إلى الصورة التي يظهر بها الفنان؟
- بالطبع. كنت أعتبر أن شكل الفنان جزء من العمل الفني، تمامًا مثل اللحن والكلمات.
كنت أشارك في اختيار الملابس، وطريقة الظهور، وأحيانًا تسريحة الشعر، لأن كل هذه التفاصيل تصنع الصورة الذهنية للفنان لدى الجمهور.
الفنان ليس صوتًا فقط، وإنما مشروع متكامل، وإذا أهملت أحد عناصره فقدت جزءًا من تأثيره.
■ يقال إنك كنت تراهن دائمًا على التجديد، حتى بعد تحقيق النجاح؟
- هذه قناعة راسخة عندي.
كنت أقول دائمًا: إذا نجحت في شيء، فلا تكرره. ابحث عن نجاح جديد.
تكرار النجاح قد يحولك إلى نسخة من نفسك، بينما التجديد هو الذي يجعلك دائمًا في المقدمة.
كنت أحب أن يقلدني الآخرون، بينما أكون أنا قد انتقلت بالفعل إلى فكرة جديدة، ولذلك لم أكن أؤمن بالسير في الطريق نفسه مرتين.
■ وهل كانت هذه الفلسفة سببًا في نجاح علاقتك مع النجوم الذين عملت معهم؟
- أعتقد ذلك. مع مرور الوقت أصبح الفنانون يثقون في اختياراتي، لأنهم وجدوا أنني لا أبحث عن نجاح مؤقت، وإنما عن عمل يعيش طويلًا.
كنت أختلف أحيانًا مع بعضهم حول اختيار أغنية أو لحن، لكن عندما يرون النتيجة يقتنعون بأن الهدف كان مصلحة العمل، وليس فرض رأي شخصي.
الثقة تُبنى مع الزمن، والحمد لله استطعت أن أبني هذه الثقة مع عدد كبير من نجوم الغناء العربي.
■ طوال رحلتك في الإنتاج، اكتشفت وقدمت عشرات النجوم.. لكن يظل اسم عمرو دياب الأكثر ارتباطًا بمحسن جابر. كيف بدأت هذه العلاقة؟
- البداية كانت مختلفة عن كثير من التجارب التي عشتها. عندما استمعت إلى عمرو دياب لأول مرة، لم أتعامل معه باعتباره مطربًا يبحث عن فرصة، وإنما رأيت مشروع نجم يمتلك مقومات الاستمرار.
قبل التعاقد معه تحدثت مع عدد من الموسيقيين الذين تعاملوا معه، وسألت عن شخصيته قبل موهبته، لأن النجاح لا يصنعه الصوت وحده، وإنما الالتزام والانضباط والرغبة في التطور. وبعد أن اطمأننت، بدأنا رحلة طويلة استمرت سنوات، قدمنا خلالها أعمالًا صنعت مرحلة جديدة في الأغنية العربية.
■ ما الذي كان يميز عمرو دياب عن أبناء جيله؟
- امتلك شيئًا مهمًا جدًا، وهو أنه لم يقتنع يومًا بما حققه. كان دائم البحث عن الجديد، ولا يخشى التجربة أو التغيير.
كنا نجلس لساعات طويلة نناقش فكرة أغنية، أو توزيعًا موسيقيًا، أو حتى شكل الغلاف والصورة التي سيظهر بها. لم يكن يعتبر النجاح محطة نهائية، بل بداية لنجاح جديد، وهذه العقلية هي التي صنعت استمراره.
■ هناك من يرى أن عمرو دياب أصبح من الفنانين الخالدين، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. هل توافق على ذلك؟
- هناك مقولة تتردد كثيرًا، تقول إن عمرو دياب سيستمر كما استمر عبد الحليم حافظ.
أنا لا أحب إصدار أحكام نهائية في مثل هذه الأمور، لأن التاريخ وحده هو الذي يمنح الفنان شهادة الخلود.
ربما نستطيع بعد خمسين عامًا أن نحكم بصورة عادلة. لكن ما أستطيع قوله اليوم هو أن عمرو دياب يمتلك عناصر البقاء والاستمرار، وهذا أمر لا يمكن إنكاره.
■ وما هي هذه العناصر؟
- العمل الجاد، والبحث الدائم عن الجديد، والقدرة على مواكبة كل مرحلة دون أن يفقد شخصيته الفنية.
الفنان الحقيقي لا يكرر نفسه، بل يطور أدواته باستمرار، وهذا ما فعله عمرو دياب طوال مشواره.
■ عندما نتحدث عن الخلود، نجد أن الجمهور لا يزال يتفاعل مع أعمال أم كلثوم وعبد الحليم وكأنها ولدت اليوم. ما سر ذلك؟
- السر في جودة العمل نفسه.
خذي مثلًا مقدمة أغنية "أنت عمري". مجرد المقدمة الموسيقية تُعد عملًا فنيًا متكاملًا. قبل أن تبدأ أم كلثوم في الغناء، تكون الموسيقى قد أخذتك إلى عالم آخر، وتجعل المستمع يرغب في إعادة سماعها أكثر من مرة.
والأمر نفسه مع مقدمة "رسالة من تحت الماء" لعبد الحليم حافظ، وغيرها من الأعمال الخالدة.
هذه ليست مجرد أغانٍ، وإنما أعمال بُنيت بعناية شديدة، من الكلمة إلى اللحن، ومن التوزيع إلى الأداء.
■ ومع ذلك، هناك أغانٍ حديثة تحقق مئات الملايين من المشاهدات خلال أيام قليلة؟
- لا يمكن إنكار ذلك، لكن علينا أن نفرق بين الانتشار والخلود.
الانتشار يمكن صناعته، أما الخلود فلا يستطيع أحد أن يصنعه.
اليوم توجد ميزانيات ضخمة للتسويق الإلكتروني، وهناك خطط متكاملة لإطلاق الأغاني، وأحيانًا تُصنع حالة انتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيتصور الناس أن النجاح جاء بصورة طبيعية، بينما يكون جزء كبير منه نتيجة حملات تسويقية مدروسة.
■ هل تقصد أن بعض النجاح أصبح يُصنع؟
- بالتأكيد.
هناك شركات تضع ميزانيات للترويج، وتستعين بصناع محتوى، وتخطط لانتشار الأغنية على المنصات المختلفة، بل إن بعض الحفلات يُزرع فيها أشخاص داخل الجمهور لترديد الأغنية أمام الكاميرات، فيبدو للمشاهد أن الجميع يحفظها ويرددها.
هذا جزء من أدوات التسويق الحديثة، لكنه يختلف عن النجاح الحقيقي الذي يصنعه الجمهور بعفويته.
■ وما هو المعيار الحقيقي للنجاح في رأيك؟
- أن يعيش العمل مع الناس سنوات طويلة دون أن يحتاج إلى من يذكرهم به.
إذا ظلت الأغنية تُسمع بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عامًا، فهذا هو النجاح الحقيقي. أما إذا حققت ملايين المشاهدات ثم اختفت بعد أشهر، فذلك نجاح لحظي وليس نجاحًا تاريخيًا.
■ حضرت مؤخرًا حفل الفنان السعودي عبادي الجوهر في مهرجان جرش.. كيف رأيت التجربة؟
- بصراحة، كانت من أكثر الحفلات التي أثرت فيّ خلال السنوات الأخيرة.
رغم أنني حضرت مئات الحفلات منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن ما شاهدته مع عبادي الجوهر كان استثنائيًا.
وجدت جمهورًا من مختلف الأعمار، امتلأت به القاعة، بينما بقيت أعداد كبيرة خارج المسرح لعدم وجود أماكن.
الأجمل من ذلك أن عبادي الجوهر لم يحتج إلى استعراض أو حركات على المسرح، ولم يحاول استثارة الجمهور بوسائل مصطنعة، بل جلس يغني بهدوء، والجمهور هو الذي كان يردد معه كل الأغاني، بل ويسبقه أحيانًا في الكلمات.
هذا هو النجاح الحقيقي الذي لا تصنعه حملات الدعاية، وإنما تصنعه سنوات طويلة من الاحترام والعمل الجاد.
■ يرى كثيرون أن العصر الذهبي للأغنية العربية لن يتكرر.. هل تتفق مع هذا الرأي؟
- لكل عصر نجومه وظروفه، لكن لا شك أن المرحلة التي شهدت أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وعبد الوهاب كانت استثنائية بكل المقاييس.
ذلك الزمن كان غنيًا بالشعراء الكبار، والملحنين الكبار، والموزعين والموسيقيين، وكانت المنافسة على أعلى مستوى. لم يكن النجاح يأتي بسهولة، بل كان نتيجة عمل جماعي يشارك فيه أفضل المبدعين في كل تخصص.
عبد الحليم حافظ، على سبيل المثال، لم يكن وحده في الساحة. كان ينافسه محرم فؤاد، وفريد الأطرش، ومحمد قنديل، وغيرهم من النجوم، وكل واحد منهم كان يمتلك مشروعًا فنيًا حقيقيًا. هذه المنافسة كانت ترفع مستوى الجميع.
■ هل لعبت الدولة في ذلك الوقت دورًا في صناعة هذه النجومية؟
- بالتأكيد.
الدولة في تلك المرحلة كانت تنظر إلى الفن باعتباره قوة ناعمة، ولذلك دعمت الأعمال الوطنية، وكان الفنانون الكبار جزءًا من الأحداث الكبرى التي عاشتها مصر.
عبد الحليم حافظ شارك في كل المحطات الوطنية المهمة، وغنى للسد العالي، وللمشروعات القومية، ولحظات الانتصار والانكسار، فأصبح صوتًا معبرًا عن مرحلة كاملة، إلى جانب قيمته الفنية الكبيرة.
لكن هذا الدعم وحده لم يكن كافيًا، لأن النجاح لا يصنعه الدعم فقط، وإنما جودة العمل أيضًا.
■ ما الذي جعل أغاني ذلك الزمن تعيش حتى اليوم؟
- لأن عناصر العمل كلها كانت قوية.
عندما تستمع إلى أغنية من تلك المرحلة، تجد شاعرًا كبيرًا، وملحنًا كبيرًا، وموزعًا موسيقيًا متميزًا، وصوتًا استثنائيًا.
خذ أم كلثوم مثلًا، كانت تتعامل مع أحمد شفيق كامل، ومأمون الشناوي، ومرسي جميل عزيز، وعبدالوهاب، والسنباطي، وبليغ حمدي، وغيرهم من كبار المبدعين.
وكذلك عبد الحليم حافظ، الذي تعاون مع محمد الموجي، وكمال الطويل، وبليغ حمدي، وحسين السيد، وعبد الرحمن الأبنودي، وغيرهم.
عندما تجتمع هذه الأسماء في عمل واحد، فمن الطبيعي أن يبقى هذا العمل لعقود طويلة.
■ وهل تفتقد الأغنية الحالية هذه المنظومة؟
- لا أريد التعميم، فهناك أعمال جيدة بالتأكيد، لكنني أرى أن عنصر الكلمة لم يعد بالقوة نفسها.
في بعض الأغاني الحديثة قد تجد لحنًا جميلًا أو توزيعًا موسيقيًا متميزًا، لكنه يخفي ضعف النص.
لو فصلت الكلمات عن الموسيقى، ربما لا تجد فيها القوة التي تجعلها تعيش طويلًا.
أما في الأغاني القديمة، فحتى لو استمعت إلى الكلمات وحدها، أو إلى الموسيقى وحدها، تجد لكل عنصر قيمته الفنية المستقلة.
■ طوال مشوارك، لم تكن منتجًا فقط، بل أصبحت تمتلك جزءًا كبيرًا من التراث الغنائي المصري. كيف بدأت هذه الرحلة؟
- الأمر بدأ من عشق للموسيقى، وليس من فكرة الاستثمار.
بعض الناس يجمعون اللوحات أو الكتب النادرة، أما أنا فكنت أجمع الأغاني والأرشيف الموسيقي.
وعندما بدأت شركات الإنتاج القديمة تخرج من السوق مع تغيرات الصناعة، وتعرض مكتباتها للبيع، شعرت أن هذا التراث يجب أن يبقى داخل مصر، لا أن ينتقل إلى شركات أجنبية.
لذلك دخلت في منافسة مع أكثر من جهة، واشتريت حقوق عدد كبير من الأعمال، لأنني كنت أعتبر الحفاظ عليها مسؤولية قبل أن يكون مشروعًا تجاريًا.
■ ومن أبرز تلك الصفقات شراء جزء من تراث أم كلثوم؟
- نعم، وكانت من أهم المحطات في حياتي.
الورثة تلقوا في ذلك الوقت عروضًا من شركات أجنبية لشراء الحقوق، وصادف أن أحدهم استشارني في قيمة العرض.
قلت له إن السعر مناسب، لكنني سألته: لماذا تبيعون؟
فأوضح أن الأعمال لم تعد تحقق عائدًا بالشكل المطلوب، وأنهم يريدون من يحافظ عليها ويعيد استثمارها بصورة صحيحة.
وقلت له إنني أولى بهذا التراث، لأنه يجب أن يبقى في مصر.
ورغم أن المبلغ كان كبيرًا، وافقوا على تسهيل عملية السداد، وتمت الصفقة في النهاية.
■ إذن، بالنسبة لك، لم يكن الأمر مجرد شراء حقوق؟
- إطلاقًا.
كنت أعتبر نفسي أحافظ على جزء من ذاكرة الفن المصري.
لو انتقلت هذه الأعمال إلى الخارج، لكان من الصعب استعادتها لاحقًا.
لهذا كنت حريصًا على أن يبقى هذا التراث في بلده، وأن تستفيد منه الأجيال القادمة، تمامًا كما استفدنا نحن من أعمال من سبقونا.
■ خضت خلال السنوات الماضية معارك قانونية حول حقوق التراث الفني.. كيف تنظر إلى هذه القضية؟
- هذه من أكثر الملفات التي استنزفتني، ليس لأنها قضية تجارية، وإنما لأنها تتعلق بتاريخ الفن المصري.
أنا أفرق دائمًا بين قيمة التراث باعتباره ملكًا لكل المصريين، وبين حقوق الملكية الفكرية التي ينظمها القانون.
التراث يجب أن يظل متاحًا للأجيال، لكن في الوقت نفسه لا يجوز تجاهل الحقوق القانونية لأصحاب هذا التراث أو ورثتهم، لأن القانون وضع قواعد واضحة لتنظيم هذه المسألة.
■ هناك جدل كبير حول حقوق استغلال أعمال أم كلثوم، خاصة بعد تقديم أفلام ومسرحيات وعروض "الهولوجرام".. كيف ترى ما حدث؟
- هذا الملف وحده يحتاج إلى أكثر من حلقة، لأنه مليء بالتفاصيل القانونية.
خلال السنوات الأخيرة ظهرت أعمال فنية تناولت سيرة أم كلثوم، إلى جانب عروض "الهولوجرام"، بينما كان هناك في الأساس نزاع قانوني قائم حول حقوق الاستغلال.
هذا الوضع خلق حالة من الالتباس، واستغل بعض الأطراف هذا الخلاف، فقدموا أعمالًا مختلفة، بينما كانت القضية الأصلية لا تزال محل نزاع قانوني.
ولذلك لا أحب إطلاق الأحكام بصورة مختصرة، لأن لكل طرف مستنداته ورؤيته القانونية، والقضاء هو الفيصل في النهاية.
■ البعض يرى أن التراث بمجرد أن يصبح جزءًا من الوجدان الشعبي، لا يجوز احتكار حقوقه.. ما رأيك؟
- لا أحد يستطيع احتكار التراث بمعناه الثقافي، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين القيمة المعنوية للعمل، وبين حقوق استغلاله التي ينظمها القانون.
أنا عندما اشتريت حقوق عدد من الأعمال، لم أشترها لكي أمنع الناس من سماعها، وإنما حتى أحافظ عليها، وأضمن بقاءها داخل مصر، وأمنع انتقالها إلى شركات أجنبية كانت ترغب في شراء هذا المحتوى.
كان هدفي أن يظل هذا التراث في بلده، لأننا نتحدث عن جزء من تاريخ مصر الفني، وليس مجرد تسجيلات صوتية.
■ من الناحية القانونية، متى تسقط حقوق الملكية الفكرية عن الأغنية؟
- هناك مفاهيم كثيرة غير دقيقة تتردد بين الناس.
القانون لا يقول إن الأغنية تصبح ملكًا عامًا بعد مرور خمسين عامًا على إنتاجها، وإنما يحدد مدة الحماية بحسب نوع المصنف.
إذا كان العمل من المصنفات المشتركة، مثل الأغنية التي يشترك فيها الشاعر والملحن والمؤلف الموسيقي، فإن مدة الحماية تُحسب من تاريخ وفاة آخر صاحب حق من هؤلاء، وليس من تاريخ إنتاج الأغنية.
■ هل يمكن أن توضح ذلك بمثال؟
- لنأخذ أغنية "أنت عمري" كمثال.
لا نحسب مدة الحماية من تاريخ تقديم الأغنية، وإنما من تاريخ وفاة آخر شخص من أصحاب الحقوق المرتبطين بها. وبعد مرور المدة القانونية تبدأ مرحلة دخول العمل في الملك العام، وفقًا لما ينص عليه القانون.
ولهذا لا يجوز تعميم قاعدة واحدة على جميع الأغاني، لأن لكل عمل ظروفه القانونية، وتواريخ مختلفة تتعلق بأصحاب الحقوق.
■ وهل تختلف مدد الحماية من نوع فني إلى آخر؟
- نعم، فالقانون يميز بين أنواع المصنفات.
الأغنية لها نظام، بينما الأعمال السينمائية، والمسرحية، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية لها أحكام مختلفة، وتختلف مدد الحماية بحسب طبيعة كل مصنف، وهو ما يجعل الحديث في هذه المسائل يحتاج دائمًا إلى الرجوع إلى نصوص القانون، وليس إلى الانطباعات أو المعلومات المتداولة.
■ بعد كل هذه السنوات، هل تشعر أنك كنت رجل أعمال أم حارسًا للتراث الفني؟
- الحقيقة أنني كنت الاثنين معًا.
نجاح أي مؤسسة يحتاج إلى إدارة اقتصادية سليمة، لكنني لم أنظر يومًا إلى الأغنية باعتبارها سلعة فقط.
كنت أتعامل مع كل عمل باعتباره جزءًا من ذاكرة الناس، ولذلك كنت حريصًا على الحفاظ عليه، تمامًا كما كنت حريصًا على إنتاج أعمال جديدة تضيف إلى هذا التاريخ.
ربما كانت هذه الفلسفة هي التي جعلتني أتمسك بالتراث، وأخوض من أجله معارك طويلة، لأنني كنت مؤمنًا بأن ما نملكه اليوم ليس ملكًا لجيلنا فقط، وإنما أمانة يجب أن تصل إلى الأجيال المقبلة.
■ بعد أكثر من نصف قرن في صناعة الموسيقى، كيف ترى مستقبل الأغنية العربية؟
- أنا متفائل، لأن الموهبة لا تموت، لكن نجاحها يحتاج إلى البيئة الصحيحة.
في كل جيل تظهر أصوات جميلة، وملحنون موهوبون، وشعراء لديهم أفكار جديدة، لكن النجاح الحقيقي يحتاج إلى منظومة كاملة تؤمن بالفنان، وتمنحه الوقت الكافي للنضج، ولا تتعامل معه باعتباره مشروعًا مؤقتًا.
للأسف، السرعة أصبحت سمة هذا العصر، حتى في الفن. الجميع يريد النجاح خلال أيام أو أسابيع، بينما النجومية الحقيقية تُبنى عبر سنوات من العمل والاجتهاد والتراكم.
■ هل تغير مفهوم المنتج الفني مقارنة بما كان عليه في الماضي؟
- تغير كثيرًا.
في الماضي، كان المنتج يتحمل المسؤولية كاملة؛ يختار الفنان، ويبحث عن الأغاني، ويتابع التسجيل، ويشرف على التوزيع، ويتولى التسويق، ويغامر بأمواله، وكان نجاح المشروع أو فشله يقع على عاتقه بالكامل.
اليوم اختلفت الأدوات، وظهرت المنصات الرقمية، وأصبح الفنان يستطيع الوصول إلى جمهوره بوسائل متعددة، لكن ذلك لا يلغي أهمية المنتج الحقيقي، لأنه يظل صاحب الرؤية القادر على بناء مشروع فني متكامل، وليس مجرد أغنية تحقق انتشارًا سريعًا.
■ إذا طلبنا منك أن تقدم نصيحة للفنانين الشباب، فماذا تقول؟
- أنصحهم بألا يستعجلوا النجاح.
الفن الحقيقي يحتاج إلى صبر، وإلى احترام الجمهور، وإلى الاجتهاد المستمر.
لا تجعلوا عدد المشاهدات هو المعيار الوحيد للنجاح، لأن الأرقام قد ترتفع اليوم وتنخفض غدًا، أما العمل الجيد فيبقى لعشرات السنين.
كما أنصحهم بالاهتمام بالكلمة واللحن، لأن الأغنية تبدأ من النص الجيد، ثم يأتي بعد ذلك كل شيء.
■ وماذا عن المنتجين الجدد؟
- أقول لهم: لا تبحثوا عن الربح السريع فقط.
الإنتاج الفني ليس تجارة بالمعنى التقليدي، وإنما استثمار في الثقافة والوجدان.
قد تحقق أغنية أرباحًا كبيرة في فترة قصيرة، لكنها تُنسى سريعًا، بينما قد يحتاج عمل آخر إلى وقت أطول، لكنه يبقى في ذاكرة الناس لعقود.
المنتج الناجح هو الذي يوازن بين النجاح التجاري والقيمة الفنية، لأن أحدهما لا يغني عن الآخر.
■ عندما تنظر اليوم إلى مسيرتك، ما الإنجاز الأقرب إلى قلبك؟
- لا أستطيع أن أختزل رحلة امتدت لأكثر من خمسين عامًا في عمل واحد أو نجاح واحد.
أشعر بالفخر بكل فنان ساهمت في تقديمه، وبكل أغنية ما زالت تُسمع حتى اليوم، وبكل موهبة آمنت بها قبل أن يعرفها الناس.
كما أعتز بالجهد الذي بذلته للحفاظ على التراث الغنائي المصري، لأنني كنت مؤمنًا بأن هذه الأعمال ليست ملكًا لأشخاص، وإنما جزء من ذاكرة الوطن.
■ وهل هناك شيء ندمت عليه خلال هذه الرحلة؟
- الإنسان بطبيعته يراجع نفسه دائمًا، وربما كانت هناك قرارات لو عاد به الزمن لاتخذها بطريقة مختلفة، لكنني لا أندم على اختياراتي الأساسية.
كنت أعمل وفق ما يمليه عليّ ضميري، وأتخذ قراراتي بما أراه صحيحًا في ذلك الوقت، وهذا ما يجعلني أشعر بالرضا اليوم.
■ أخيرًا... كيف يحب محسن جابر أن يتذكره الناس؟
- أتمنى أن يتذكرني الناس باعتباري شخصًا أحب الموسيقى، واحترم الفن، وحاول أن يقدم أعمالًا تبقى بعده.
النجاح الحقيقي ليس في الشهرة ولا في المال، وإنما في أن يظل أثر الإنسان حاضرًا بعد رحيله.
إذا بقيت أغنية ساهمت في إنتاجها تُسعد الناس بعد عشرات السنين، فهذا بالنسبة لي هو أعظم تكريم يمكن أن يحصل عليه أي منتج أو فنان.



