من النووي إلى الإعدامات..
مريم رجوي تطالب بإحالة انتهاكات إيران إلى مجلس الأمن بعد الملف النووي
رحبت مريم رجوي بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، لكنها اعتبرت الخطوة غير كافية ما لم تشمل منظومة القمع والإعدامات. وفي رسالة إلى مؤتمر بالبرلمان البريطاني، دعت لندن إلى الاعتراف بالمقاومة الإيرانية وربط العلاقات مع طهران بوقف الإعدام وانتهاكات حقوق الإنسان.
مريم رجوي أمام البرلمان البريطاني: التحدي الأكبر للنظام الإيراني جيل شاب مصمم على إسقاطه
رحبت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بقرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، ودعت إلى توسيع الضغوط الدولية لتشمل سجل طهران في الإعدامات وقمع الاحتجاجات وانتهاكات حقوق الإنسان.
وقالت رجوي إن إحالة الملف النووي، للمرة الأولى منذ 20 عاماً، تمثل خطوة ضرورية في مواجهة المخاطر التي يشكلها البرنامج الإيراني، لكنها لن تكون كافية ما لم يتعامل المجتمع الدولي مع السياسات الداخلية والإقليمية للنظام باعتبارها أجزاءً مترابطة من استراتيجية بقائه.
وجاء موقف رجوي بالتزامن مع رسالة مصورة وجهتها إلى مؤتمر عُقد في البرلمان البريطاني تحت عنوان «حقوق الإنسان والتغيير الديمقراطي في إيران»، بحضور نواب وشخصيات من أحزاب ممثلة في مجلسي العموم واللوردات.
وكان مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أقر قراراً تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، يطلب رفع ملف إيران إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بسبب عدم تعاون طهران مع تحقيقات الوكالة المتعلقة بآثار يورانيوم عُثر عليها في مواقع لم تعلنها السلطات الإيرانية.
وحصل القرار على تأييد 23 عضواً من أعضاء المجلس البالغ عددهم 35، مقابل معارضة روسيا والصين والنيجر، وامتناع ثماني دول عن التصويت، فيما لم يشارك عضو واحد في الاقتراع.
ويعيد القرار الملف الإيراني إلى مجلس الأمن بعد عقدين من أول إحالة مماثلة، لكنه لا يفرض عقوبات بصورة تلقائية. كما أن إمكانية اتخاذ تدابير جديدة ضد طهران قد تصطدم باستخدام روسيا أو الصين حق النقض، بعدما صوتتا ضد القرار داخل مجلس محافظي الوكالة.
وقالت الوكالة إن إيران لم تقدم تفسيراً فنياً مقنعاً لوجود مواد نووية في مواقع غير معلنة، ولم توفر مستوى التعاون المطلوب للتحقق من طبيعة أنشطتها ومصير مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وتنفي طهران سعيها إلى تصنيع سلاح نووي، وتقول إن برنامجها مخصص للأغراض السلمية. كما اتهمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتسييس الوكالة واستخدامها لتبرير الضغوط والعقوبات، وربطت القيود المفروضة على عمليات التفتيش بالهجمات التي تعرضت لها منشآتها النووية.
غير أن الدول الغربية ترى أن غياب الشفافية، ومنع المفتشين من الوصول إلى مواقع حساسة، واستمرار تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقترب من الاستخدام العسكري، تجعل ضمان الطابع السلمي للبرنامج أكثر صعوبة.
وقالت رجوي إن النظام الإيراني، ما دام باقياً في السلطة، سيواصل محاولاته للوصول إلى القنبلة النووية واستخدام الحروب الخارجية والقمع الداخلي أدوات لحماية بنيته السياسية.
وأضافت أن معالجة الملف النووي بمعزل عن طبيعة النظام ستؤجل الأزمة بدلاً من حلها، معتبرة أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الجمع بين تطوير القدرات النووية والصاروخية، وتوظيف الجماعات المسلحة في المنطقة، وتوسيع أجهزة القمع داخل البلاد.
وتبقى دعوة رجوي إلى وضع إيران تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة موقفاً سياسياً للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ولا يتضمن قرار الوكالة الحالي إجراءً مماثلاً. فتفعيل الفصل السابع يتطلب قراراً من مجلس الأمن، ويمكن أن يشمل عقوبات أو تدابير إلزامية أخرى، وهو أمر تصعب الموافقة عليه في ظل الموقفين الروسي والصيني.
وأكدت رجوي أن النظر إلى البرنامج النووي باعتباره خطراً على السلام والأمن الدوليين يجب أن يقود أيضاً إلى بحث ملف الإعدامات والتعذيب وقمع الاحتجاجات، قائلة إن الانتهاكات الداخلية لا تنفصل عن سلوك النظام خارج الحدود.
وأضافت أن الهيئات التابعة للأمم المتحدة أدانت سجل إيران الحقوقي عشرات المرات، لكن الإدانات لم تتحول إلى آلية مساءلة قادرة على وقف الإعدامات أو محاكمة المسؤولين عنها.
ووفق المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، صدرت 72 إدانة ضد النظام الإيراني عن الجمعية العامة وهيئات أممية أخرى. ولم تقدم رجوي في كلمتها قائمة تفصيلية بهذه القرارات، إلا أن الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان والمقررين الأمميين أصدروا على مدى عقود قرارات وتقارير متعددة تنتقد الإعدامات والمحاكمات غير العادلة والاعتقالات التعسفية والقيود المفروضة على النساء والأقليات.
وقالت رجوي إن إحالة ملف حقوق الإنسان إلى مجلس الأمن أصبحت مطلباً ملحاً للشعب الإيراني، معتبرة أن استمرار الاكتفاء ببيانات القلق يمنح السلطات مساحة لمواصلة القمع من دون كلفة سياسية وقانونية مؤثرة.
وركزت في رسالتها إلى البرلمان البريطاني على أوضاع الشباب والسجناء السياسيين، وقدمت مهدي خانكي، وهو شاب يبلغ 26 عاماً وعضو في منظمة مجاهدي خلق، مثالاً على جيل قالت إنه مستعد لمواجهة النظام وتحمل كلفة العمل السياسي المعارض.
وبحسب روايتها، اعتُقل خانكي في 10 فبراير/شباط 2026 وأُعدم في 22 يوليو/تموز من العام نفسه بسبب نشاطه المعارض ودعوته إلى إسقاط النظام. ولم يصدر تعليق إيراني مستقل على هذه الرواية أو على طبيعة الاتهامات التي وُجهت إليه.
وقالت رجوي إن خانكي كان يحمل شهادة جامعية في القانون، وإن كتاباته تعكس تطلعات جيل يسعى إلى إنهاء منظومة السجون التي ورثها النظام الحالي عن عهد الشاه ووسع استخدامها ضد معارضيه.
كما أشارت إلى بيانات قالت إن سجناء سياسيين أصدروها بمناسبة الذكرى الحادية والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق، وأعلنوا فيها دعمهم للمقاومة ورفضهم للنظامين الملكي والديني.
ونقلت عن أرغوان فلاحي وفروغ تقي بور، المعتقلتين في سجن إيفين بطهران، قولهما إنهما تنتميان إلى جيل يرفض الدكتاتورية والتبعية وعودة نظام الشاه أو استمرار حكم رجال الدين.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من ظروف إصدار هذه الرسائل أو من درجة حرية السجينتين في التواصل، لكن المعارضة الإيرانية تستخدمها دليلاً على استمرار النشاط السياسي داخل السجون على الرغم من الرقابة والعقوبات.
وقالت رجوي إن الاعتقالات والإعدامات التي أعقبت احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 لم توقف نشاط الشباب، وإن النظام أصدر أحكاماً بالإعدام بحق عدد من المشاركين في الاحتجاجات وأعضاء منظمة مجاهدي خلق وأنصارها.
وأضافت أن المعلومات لا تزال غائبة بشأن مصير عدد من المعتقلين، وسط مخاوف من تعرضهم لمحاكمات مغلقة أو الإخفاء القسري، مشيرة إلى أن المتهمين في القضايا السياسية يُحرمون بصورة منهجية من الدفاع القانوني ومن التواصل الحر مع أسرهم ومحاميهم.
وقالت إن السجون التي يُحتجز فيها المتظاهرون تعاني اكتظاظاً شديداً ونقصاً في الغذاء والأدوية والرعاية الطبية. واتهمت السلطات باستخدام الحرمان من العلاج والاحتجاز في ظروف قاسية وسيلة لمعاقبة المعارضين وإضعاف قدرتهم على مواصلة الاحتجاج.
وتحدثت عن استمرار حملة «لا للإعدام» داخل 62 سجناً إيرانياً، قائلة إن السجناء وصلوا إلى الأسبوع السادس والثلاثين بعد المئة من التحركات الاحتجاجية المناهضة لتنفيذ أحكام الإعدام.
وتأتي هذه المزاعم في سياق تزايد الانتقادات الدولية لاستخدام إيران عقوبة الإعدام في القضايا السياسية والأمنية، وسط اتهامات بأن بعض الأحكام تصدر بعد محاكمات تفتقر إلى الضمانات الأساسية وتعتمد على اعترافات منتزعة تحت الضغط.
وربطت رجوي تصاعد القمع بالأزمات الاقتصادية والسياسية التي يواجهها النظام، وقالت إن طهران تحتاج إلى استمرار التوتر الخارجي لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية ومنع اندلاع انتفاضة جديدة.
وأضافت أن السلطة توظف خطاب الحرب والحصار لتوجيه موارد الدولة نحو المؤسسات العسكرية والأمنية، في وقت يواجه فيه الإيرانيون ارتفاع الأسعار والبطالة وتدهور الخدمات ونقص المياه والكهرباء.
وبحسب رجوي، فإن تخصيص القسم الأكبر من عائدات البلاد للحرس الثوري والمشاريع العسكرية والنووية وشبكة الحلفاء الإقليميين يعد أحد أسباب الانهيار الاقتصادي، إلى جانب الفساد والعقوبات والعزلة المالية.
وقالت إن الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز أضعفت ما تبقى من فرص التفاهم مع الغرب، وأظهرت أن النظام يستخدم أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقة للضغط عندما تضيق خياراته السياسية.
وأكدت أن الشعب الإيراني لا يريد حرباً خارجية، وأن مشروع المجلس الوطني للمقاومة يقوم على معادلة ترفض الاختيار بين الاسترضاء والتدخل العسكري، وتطرح تغيير النظام عبر الإيرانيين والمقاومة المنظمة.
كما هاجمت رجوي أنصار العودة إلى النظام الملكي، قائلة إن بقايا حكم الشاه تراهن على الحرب والفوضى بوصفهما الطريق الوحيد للعودة إلى السلطة.
وأضافت أن المشروع الملكي لا يقدم بديلاً ديمقراطياً، بل يسعى إلى إعادة بناء سلطة مركزية قمعية مشابهة للنظام السابق وجهازه الأمني المعروف بـ«السافاك».
وتعكس هذه المواقف الصراع داخل المعارضة الإيرانية في الخارج، حيث تتنافس قوى جمهورية وملكية وقومية ويسارية على تمثيل الشارع، في حين ترفض طهران جميع هذه التيارات وتتهم بعضها بالعمل لصالح دول أجنبية.
ودعت رجوي الحكومة البريطانية الجديدة إلى التخلي عن سياسة قالت إنها قامت طوال سنوات على غض الطرف عن الإعدامات أملاً في تعديل سلوك النظام عبر التفاوض.
وقالت إن السياسة المطلوبة يجب أن ترفض الاسترضاء والحرب الخارجية معاً، وأن تضع الشعب الإيراني بوصفه العامل الرئيسي للتغيير، بدلاً من حصر الخيارات بين الاتفاق مع السلطة أو مهاجمة إيران عسكرياً.
وطالبت البرلمان البريطاني بالاعتراف بالمقاومة الإيرانية وبالحكومة المؤقتة التي أعلنها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مشيرة إلى أن أكثر من 600 عضو في مجلسي العموم واللوردات أيدوا برنامجها السياسي.
ولا يعني تأييد نواب بريطانيين لخطة المجلس اعترافاً رسمياً به بديلاً حاكماً أو حكومة مؤقتة، إذ يحتاج مثل هذا القرار إلى موقف تنفيذي من الحكومة البريطانية. لكنه يمنح المنظمة حضوراً سياسياً داخل البرلمان ويزيد قدرتها على الضغط في ملفات العقوبات وحقوق الإنسان وتصنيف الحرس الثوري.
وحددت رجوي ثلاثة مطالب عملية أمام بريطانيا والدول الغربية، أولها ربط العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع طهران بوقف الإعدامات وقتل المتظاهرين، بحيث تصبح حقوق الإنسان جزءاً من أي تفاهم اقتصادي أو سياسي.
وطالبت ثانياً بتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن مجزرة السجناء السياسيين عام 1988، وكذلك المتهمين بقتل المتظاهرين في الانتفاضات اللاحقة.
ويتيح هذا المبدأ لبعض الدول محاكمة أشخاص متهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة حتى إذا وقعت الانتهاكات خارج أراضيها ولم يكن الضحايا أو المتهمون من مواطنيها، لكن تطبيقه يظل مرتبطاً بتوافر الأدلة ووجود المتهمين ضمن اختصاص المحاكم المعنية.
أما المطلب الثالث فيتمثل في تضمين أي اتفاق دولي مقبل مع إيران بنداً ملزماً وقابلاً للتحقق بشأن وقف الإعدامات، بدلاً من إبقاء الملف الحقوقي منفصلاً عن المفاوضات النووية والاقتصادية.
وأشادت رجوي بجهود مجموعة من النواب يقودها السير بوب بلاكمان لإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية في بريطانيا، معتبرة أن التصنيف سيقيد شبكاته المالية والسياسية ويبعث برسالة إلى أجهزة النظام.
وتقاوم الحكومات البريطانية المتعاقبة هذا المطلب أحياناً خشية أن يؤدي التصنيف إلى إغلاق قنوات الاتصال الدبلوماسية أو تعقيد التعامل مع الدولة الإيرانية، بالنظر إلى أن الحرس جزء رسمي ومركزي من بنيتها العسكرية والسياسية، وليس تنظيماً منفصلاً عنها.
ويمنح قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية حملة رجوي مساحة جديدة لربط ثلاثة ملفات ظلت الدول الغربية تتعامل معها في مسارات منفصلة: البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وحقوق الإنسان.
لكن نقل الملف النووي إلى مجلس الأمن لا يضمن اتخاذ إجراءات جديدة، خصوصاً مع معارضة موسكو وبكين. كما أن إحالة الملف الحقوقي ستواجه العقبة السياسية نفسها، إلى جانب الخلاف الدولي بشأن ما إذا كانت الانتهاكات داخل إيران تمثل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.
ومع ذلك، ترى المعارضة أن قيمة الإحالة لا تقتصر على العقوبات، بل تشمل نقل الملف من نطاق الإدانة الأخلاقية إلى مستوى المساءلة السياسية والقانونية، وتثبيت الانتهاكات في سجل دولي يصعب تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
وتجد طهران نفسها أمام ضغط متزامن: إحالة نووية تعيدها إلى مجلس الأمن، وعقوبات بريطانية أكثر تشدداً، وانتقادات حقوقية تتصاعد بالتوازي مع الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية.
وكانت بريطانيا قد نشرت تشريعات جديدة لتشديد العقوبات على إيران، تشمل توسيع القيود المالية والتجارية وحظر سلع وتقنيات وخدمات إضافية، فضلاً عن منع الطائرات الإيرانية من الهبوط في المملكة المتحدة ضمن استثناءات محددة.
لكن أثر هذه الضغوط سيعتمد على قدرة الدول الغربية على توحيد سياساتها وتجنب تحميل المواطنين كلفة العقوبات، في حين تظل شبكات الحرس الثوري والنخب المرتبطة بالسلطة قادرة على الالتفاف على القيود عبر قنوات تجارية ومالية خارجية.
وفي المقابل، قد يستخدم النظام إحالة الملف لتبرير المزيد من القيود الداخلية واتهام معارضيه بالعمل مع الغرب، كما يمكن أن يقلص تعاونه مع الوكالة أو يوسع أنشطته النووية رداً على القرار.
وبذلك تدخل الأزمة الإيرانية مرحلة تتقاطع فيها مخاطر الانتشار النووي مع الصراع على مستقبل النظام. فالغرب يطالب طهران بالشفافية والتعاون، بينما تريد المقاومة الإيرانية نقل النقاش من عدد أجهزة الطرد المركزي ومستويات التخصيب إلى طبيعة السلطة التي تتحكم في هذه القدرات.



