امتيازات حكومية بلا مقابل..

حكومة المنفى اليمنية تعيد «سبأفون» إلى السوق وتمنحها بنية «عدن نت» مجاناً

كشفت معلومات خاصة حصلت عليها «اليوم الثامن» عن تسهيلات حكومية واسعة مُنحت لشركة «سبأفون»، شملت إعادة تفعيل خدماتها وربطها بشبكة الجيل الرابع وتسليمها بيانات مسح فني مرتفعة الكلفة، من دون تسوية معلنة للالتزامات المالية والضريبية المتراكمة على الشركة.

مالك سبأفون الإخواني حميد الأحمر خلال لقاء جمعه برئيس مجلس القيادة الرئاسي المؤقت في العاصمة السعودية الرياض - مركبة

عدن

كشفت معلومات خاصة حصلت عليها «اليوم الثامن» عن منح شركة «سبأفون» للهاتف النقال سلسلة من التسهيلات الحكومية المجانية، مكّنتها من استعادة نشاطها والتوسع في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، من دون الإعلان عن دفع رسوم مقابل استخدام البنية التحتية العامة أو تسوية الملفات الضريبية والقانونية المرتبطة بالشركة.

وبحسب المعلومات، أعادت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات تفعيل خدمات «سبأفون» وفتحت أمامها إمكانية العمل عبر شبكة «عدن نت»، في خطوة جاءت بعد فترة من توقف أجزاء من خدمات الشركة على خلفية خلافات مالية وفنية، من بينها مطالبات مرتبطة بالضرائب والرسوم المستحقة للدولة.

وتقول المعلومات التي تلقتها المؤسسة إن التسهيلات لم تقتصر على إعادة التشغيل، بل شملت ربط الشركة بخدمة الجيل الرابع التي توفرها «عدن نت»، من دون إعلان عقد تجاري يحدد الرسوم التي ستدفعها «سبأفون» مقابل استخدام الشبكة والبنية التحتية الحكومية.

كما حصلت الشركة، وفق المعلومات نفسها، على تقارير ونتائج مسح ميداني شامل لمواقع أبراج الاتصالات والبنية التحتية، كانت شركة «NX» الإماراتية قد نفذته في وقت سابق بكلفة تجاوزت 300 ألف دولار.

وتتضمن هذه التقارير، بحسب مصادر فنية، بيانات عن مواقع الأبراج والتغطية والاحتياجات التشغيلية ونقاط الربط ومسارات التوسع المقترحة، وهي معلومات تمثل أصلاً فنياً وتجارياً مهماً يمكن أن يوفر على أي مشغل للاتصالات الوقت والكلفة اللازمة لإجراء دراسة مماثلة.

ولم تتوصل المؤسسة إلى إعلان رسمي يوضح الأساس القانوني الذي استندت إليه وزارة الاتصالات في تسليم هذه البيانات إلى شركة خاصة، أو ما إذا كانت «سبأفون» دفعت مقابلاً مالياً للاستفادة منها. كما لم يُعلن عن آلية تضمن حماية الحقوق المالية والفنية للجهة التي نفذت المسح، أو ملكية البيانات الناتجة عنه.

وتشير المعلومات إلى أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة تدخلات وضغوط نُسبت إلى رجل الأعمال والقيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح حميد عبدالله حسين الأحمر، الذي يرأس مجموعة الأحمر التجارية، وهي أكبر مساهم معروف في شركة «سبأفون».

 

ويثير هذا التفصيل سؤالاً بشأن طبيعة النفوذ الذي مارسه الأحمر في ملف إعادة تشغيل الشركة، وما إذا كانت القرارات الحكومية اتُخذت لحماية المنافسة وتوفير خدمة الاتصالات، أم لخدمة مصالح مساهم نافذ يرتبط بعلاقات سياسية مع قوى مؤثرة داخل الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي المؤقت.

وكانت وزارة الاتصالات قد وجّهت، في 7 أغسطس/آب 2026، بإعادة تفعيل شبكة «سبأفون» بصورة استثنائية وعاجلة في جميع المحافظات الخاضعة لحكومة المنفى اليمنية، إلى جانب إعادة خدمات «ستارلينك» وسنترالات الهاتف الثابت. غير أن الإعلان المنشور لم يوضح الشروط المالية والقانونية لإعادة التفعيل، ولم يتضمن معلومات عن تسوية الضرائب أو رسوم الترخيص والربط واستخدام البنية التحتية.

وتقول مصادر المؤسسة إن وزارة الاتصالات والحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، برئاسة رشاد العليمي، قدمت للشركة التسهيلات المطلوبة من دون إلزامها بدفع مقابل مالي معلن للخزينة العامة، سواء عن إعادة التشغيل أو الحصول على خدمة الجيل الرابع أو الاستفادة من نتائج المسح الفني الذي نفذته «NX».

ولا تتوافر حتى الآن وثائق منشورة تثبت قيمة المبالغ التي دفعتها «سبأفون» مقابل تلك الخدمات، إن كانت قد دفعت شيئاً، كما لا توجد بيانات حكومية تفصّل طبيعة الاتفاق الجديد ومدته والتزامات طرفيه. ويضع غياب هذه المعلومات الصفقة أمام أسئلة تتعلق بالشفافية وإدارة المال العام وتكافؤ الفرص بين شركات الاتصالات.

ويكتسب الملف حساسية إضافية بسبب التاريخ الطويل للنزاع الضريبي بين الدولة و«سبأفون». ففي عام 2014 أحالت نيابة الأموال العامة قضية ضد الشركة إلى القضاء، متهمة إياها بتقديم بيانات غير صحيحة للحصول على إعفاءات غير قانونية، ومطالبة إياها بمبالغ ضريبية كبيرة.

وتفاوتت قيمة المطالبات المنشورة بحسب الفترة والجهة التي تناولت الملف. فقد تحدث قرار اتهام عن ضرر عام تجاوز عشرة مليارات ريال عن أعوام محددة، بينما أشار تحقيق استقصائي نشرته شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية – أريج» إلى مطالبة نيابة الأموال العامة الشركة بنحو 39.5 مليار ريال عن الفترة الممتدة من 2007 إلى 2011.

ولا تعني هذه المطالبات بالضرورة صدور حكم نهائي يثبت جميع المبالغ، إذ شهد الملف نزاعات حول الاختصاص والإجراءات القضائية، وسبق لمحكمة الأموال العامة أن أحالت إحدى الدعاوى إلى محكمة الضرائب الابتدائية للاختصاص النوعي. لكن وجود نزاع ضريبي بهذا الحجم يجعل إعادة الشركة إلى العمل من دون كشف وضعها القانوني والمالي مسألة تتطلب تفسيراً رسمياً.

كما سبق أن أثارت الشركة جدلاً بعد نقل مركزها المعلن إلى عدن واستمرار الانقسام حول إدارتها وأصولها ومساهميها وعلاقتها بالشبكة العاملة من صنعاء. وأظهرت بيانات سابقة أن «سبأفون» في مناطق الحكومة اعتمدت على كابلات الألياف الضوئية التابعة لـ«عدن نت» في الربط بين المحافظات، ما يعني أن العلاقة الفنية بين الشركتين ليست جديدة.

غير أن المعلومات الجديدة تتعلق بطبيعة هذا الربط وكلفته، وما إذا كانت الشركة حصلت على خدمة الجيل الرابع والبنية الفنية والبيانات الميدانية من دون مقابل. فالمشكلة لا تكمن في استفادة شركة خاصة من شبكة حكومية، وهو إجراء قد يكون طبيعياً ضمن اتفاق تجاري منظم، بل في احتمال غياب العقد الشفاف والرسوم العادلة والرقابة على الأصول العامة.

وتشير تقارير متخصصة عن قطاع الاتصالات في عدن إلى أن «سبأفون» بدأت تقديم خدمة الجيل الرابع في مناطق الحكومة بالاعتماد على بوابة «عدن نت»، في وقت واجهت شركات أخرى صعوبات وخلافات بشأن الحصول على الخدمة ذاتها.

وتطرح هذه المقارنة مسألة تكافؤ الفرص بين المشغلين. فإذا كانت «سبأفون» حصلت على الربط والبيانات الفنية مجاناً، بينما طُلب من شركات أخرى دفع رسوم أو تنفيذ استثمارات مستقلة، فإن ذلك يمنحها أفضلية تجارية لا تنتج عن المنافسة، بل عن قرار سياسي وإداري.

وتتسع الأسئلة مع ما نُشر حديثاً عن توجيه حكومي باستبدال بعض خدمات «يمن موبايل» في مأرب بأرقام تابعة لشركة «سبأفون»، تبدأ بالرمز 718. ولم يصدر توضيح تفصيلي عن المعايير التي حُددت بموجبها الشركة البديلة، أو ما إذا سبقت القرار مناقصة أو دراسة فنية ومالية تقارن بين المشغلين.

وفي المقابل، تعاني «عدن نت»، وهي مشروع حكومي أُنشئ لتوفير بوابة اتصالات مستقلة عن صنعاء، من تعثر مزمن وضعف في التوسع والخدمات، رغم الاستثمارات والأصول الفنية التي وُضعت تحت تصرفها. ويعني تقديم بنيتها لمشغل خاص من دون مقابل معلن أن الشركة الحكومية قد تتحمل كلفة التشغيل والاستثمار، بينما تذهب العائدات التجارية إلى شركة خاصة.

كما يثير تسليم نتائج مسح «NX» جانباً آخر من القضية. فإذا كانت الشركة الإماراتية أنفقت أكثر من 300 ألف دولار لإعداد المسح ضمن مشروع يستهدف تطوير قطاع الاتصالات في عدن والمحافظات الجنوبية، فإن منح نتائجه إلى «سبأفون» من دون مقابل أو اتفاق معلن قد يمثل نقلاً لمنفعة تجارية ممولة من جهة أخرى إلى شركة خاصة.

ولا يتعلق الأمر بتقرير ورقي محدود القيمة، بل بقاعدة معلومات فنية تساعد في تحديد مواقع الأبراج ومسارات الألياف ومناطق ضعف التغطية وأولويات الاستثمار. وتستطيع الشركة المستفيدة استخدام هذه البيانات لتخفيض كلفة التوسع وتسريع الانتشار ومنافسة الشركات الأخرى من موقع أفضل.

وتقول مصادر المؤسسة إن مجمل التسهيلات جاء بتوجيهات وضغوط مارسها حميد الأحمر على مسؤولين في الحكومة ووزارة الاتصالات. ولم تتمكن «اليوم الثامن» بصورة مستقلة من الاطلاع على توجيه مكتوب يحمل توقيعه، ما يجعل هذه الجزئية رواية مصدرية تحتاج إلى رد من الأحمر ووزارة الاتصالات ومجلس القيادة الرئاسي.

وتضع المعلومات الحكومة أمام جملة من الأسئلة: هل سددت «سبأفون» الضرائب والرسوم المستحقة عليها؟ وما قيمة المبالغ التي دفعتها مقابل إعادة التشغيل؟ وهل توجد اتفاقية تجارية بينها وبين «عدن نت» لاستخدام شبكة الجيل الرابع؟ ومن سمح بتسليمها نتائج مسح «NX»؟ وما الأساس القانوني لذلك؟ وهل حصلت شركات الاتصالات الأخرى على الامتيازات نفسها؟

كما يتعين على الحكومة توضيح ما إذا كان قرار إعادة التفعيل قد سبقه تدقيق مالي وقانوني، وما إذا حصل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد على نسخ من الاتفاقات والعقود المرتبطة به.

ولا يمكن تقييم القرار باعتباره إجراءً فنياً يهدف إلى تحسين خدمات الاتصالات فقط. فالقطاع يمثل مورداً سيادياً، وتُعد الترددات والبوابات الدولية وشبكات الألياف وبيانات الأبراج أصولاً عامة لا يجوز تخصيصها لمصلحة شركة بعينها خارج إطار واضح وشفاف.

وتكشف القضية، وفق المعلومات المتوافرة، عن نمط في إدارة الموارد العامة يقوم على منح الامتيازات بقرارات سياسية، بينما تتحمل الدولة كلفة البنية التحتية والدراسات والتشغيل. وإذا ثبت أن الشركة عادت إلى السوق من دون تسوية التزاماتها أو دفع مقابل الخدمات التي حصلت عليها، فإن الأمر يتجاوز حدود المحاباة إلى شبهة إهدار أصول وإيرادات كان يفترض أن تعود إلى الخزينة العامة.

وتحتفظ مؤسسة «اليوم الثامن» بحق نشر أي رد موثق يصدر عن شركة «سبأفون»، أو حميد الأحمر، أو وزارة الاتصالات، أو «عدن نت»، أو رئاسة مجلس القيادة، بشأن المعلومات الواردة في هذا التقرير.