استقالة تفتح خزائن النفط..

رحيل وزير النفط الإيراني يعيد شبكات الوسطاء ومليارات العائدات إلى الواجهة

«أعادت استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك‌نجاد الجدل حول شبكات بيع الخام بعيداً عن القنوات الرسمية ومصير عائدات بمليارات الدولارات. وبينما تتمسك الرئاسة بالأسباب الشخصية، يرى اقتصاديون أن توقيت الرحيل يكشف أزمة أعمق تتعلق بالفساد وتعدد مراكز النفوذ وغياب الشفافية في إدارة الثروة النفطية.»

طهران

أعادت استقالة وزير النفط في حكومة مسعود بزشكيان، محسن باك‌نجاد، ملف بيع الخام عبر شبكات الوسطاء إلى صدارة الجدل الاقتصادي والسياسي في إيران، مع تصاعد الأسئلة حول مصير مليارات الدولارات الناتجة عن عمليات البيع المنفذة بعيداً عن القنوات الحكومية المعتادة.

وأعلنت الرئاسة الإيرانية أن باك‌نجاد استقال لأسباب شخصية، وأنه كان قد طلب التنحي منذ فترة. غير أن القرار جاء في وقت يواجه فيه قطاع النفط ضغوطاً مالية متزايدة، بالتزامن مع اتساع النقاش داخل البرلمان ووسائل الإعلام بشأن آليات البيع وكيفية إعادة الأموال إلى البلاد.

وقال الباحث والمحلل الاقتصادي في الشؤون الإيرانية علي رضا صداقت إن التفسير الرسمي لا يكفي لفصل الاستقالة عن الأزمة المحيطة بالقطاع، خصوصاً أن الجدل لم يعد مقتصراً على حجم الصادرات أو تأثير العقوبات، بل وصل إلى الجهات التي تتولى البيع والأموال التي تعود فعلياً إلى خزينة الدولة.

وتعتمد إيران منذ تشديد العقوبات على ترتيبات معقدة لتسويق نفطها ونقل عائداته، تشمل شركات واجهة ووسطاء وحسابات خارجية وعمليات مالية تمر عبر دول وأسواق متعددة.

وتعرف هذه الشبكات داخل النظام باسم «التراستات»، إلا أن صداقت يقول إنها ليست صناديق ائتمانية بالمعنى القانوني والمؤسسي، بل شبكات من الأفراد والشركات والوسطاء تتولى بيع النفط بعيداً عن القنوات الرسمية، ثم تعيد جزءاً من العائدات عبر مسارات مالية تفتقر إلى الشفافية.

وقد وفرت هذه الآلية لطهران وسيلة للالتفاف على القيود المفروضة على صادراتها، لكنها أنتجت في المقابل اقتصاداً موازياً يصعب إخضاعه للرقابة أو تحديد حجم الأموال المتداولة داخله.

وبحسب صداقت، أدى اتساع الاعتماد على الوسطاء إلى نشوء بيئة تجمع الفساد والنهب والصراع بين مراكز النفوذ، إذ أصبحت القدرة على الوصول إلى شحنات النفط وحساباتها الخارجية مصدراً للثروة والسلطة داخل النظام.

وتصاعد الجدل بعدما نشر موقع «تابناك» الحكومي تصريحات لوزير الاتصالات السابق محمد جواد آذري جهرمي، تحدث فيها عن استفادة أفراد من أموال بيع النفط عبر شبكات الوسطاء.

وقال آذري جهرمي، وفق ما نقله الموقع، إن بعض العاملين داخل هذه الشبكات حوّلوا جزءاً من الأموال التابعة للنظام الإيراني إلى رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق وإحدى الشخصيات المتنازع حولها داخل تيارات المعارضة الإيرانية.

وتنبع أهمية التصريحات من صدورها عن وزير سابق عمل داخل مؤسسات الدولة، ومن نشرها عبر وسيلة إعلام إيرانية، ما نقل القضية من الاتهامات الخارجية إلى نقاش علني داخل النظام نفسه.

وطرح آذري جهرمي أسئلة بشأن عدم محاسبة القائمين على هذه الشبكات، رغم معرفة المؤسسات العليا بهوياتهم وطبيعة أنشطتهم، وتساءل عن أسباب إعادة التعامل مع جهات سبق أن أخلت بالأمانة المالية في ملفات شديدة الحساسية.

وتضع هذه التصريحات المؤسسات الإيرانية أمام مسؤولية تتجاوز البحث عن أموال مفقودة، لأنها تشير إلى استمرار استخدام شبكات لم تعد الدولة قادرة على ضمان التزامها أو السيطرة على مسارات الأموال التي تمر عبرها.

كما يمنح انتقال جزء من عائدات النفط إلى رضا بهلوي، بحسب الرواية المنشورة، القضية بعداً سياسياً إضافياً. فالأموال التي خرجت من منظومة بيع مورد سيادي يُفترض أن تمول الموازنة والخدمات العامة، انتهى جزء منها لدى شخصية سياسية تعمل من خارج البلاد.

ويرى صداقت أن هذه التحويلات قد تؤدي عملياً إلى زيادة الانقسامات داخل المعارضة الإيرانية، بالنظر إلى الخلاف الحاد بين أنصار الملكية والقوى المطالبة بقيام جمهورية ديمقراطية.

ولا تقف القضية عند الجهة المستفيدة من الأموال، بل تطرح سؤالاً بشأن الطرف الذي سمح بالتحويل والغرض السياسي منه، وما إذا كان ما حدث نتيجة فساد فردي أم جزءاً من إدارة أوسع للموارد المالية خارج مؤسسات الدولة.

وتشير تقارير متداولة داخل إيران إلى وجود شبكات رئيسية متعددة لوساطة بيع النفط، ترتبط بمؤسسات أمنية وعسكرية ومراكز نفوذ مختلفة، بينها شبكات يُنسب ارتباطها بوزارة الاستخبارات والحرس الثوري.

ويكشف هذا التشابك أن تجارة النفط في ظل العقوبات لم تعد تخضع بصورة كاملة لوزارة النفط أو البنك المركزي، بل أصبحت موزعة بين مؤسسات تمتلك مصالح متعارضة وأذرعاً اقتصادية وشركات تعمل داخل إيران وخارجها.

وتسمح الطبيعة السرية لهذه العمليات لكل مؤسسة بتبرير غياب المعلومات بالحاجة إلى حماية طرق البيع من العقوبات. لكن السرية التي تساعد على استمرار الصادرات توفر أيضاً غطاءً لاقتطاع العمولات وإخفاء الخسائر وعدم إعادة كامل العائدات.

ويصعب في مثل هذه البيئة التمييز بين كلفة الالتفاف على العقوبات والأموال التي تستولي عليها شبكات النفوذ، لأن العقود وحسابات الشحن والخصومات وأسعار البيع لا تخضع لرقابة عامة فعالة.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تكون المؤسسات المكلفة بحماية النظام هي نفسها طرفاً في التجارة. فامتلاك الأجهزة الأمنية والعسكرية شبكات بيع وتمويل يمنحها استقلالاً مالياً أوسع، ويقلص قدرة الحكومة المدنية على مراقبة موارد الدولة أو توجيهها.

وقال صداقت إن خطورة القضية تتجاوز وزيراً أو وسيطاً أو شركة بعينها، لأن النفط يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة وتمويل الموازنة الإيرانية، وأي تسرب واسع لعائداته يعني أن الإيرانيين يتحملون كلفة مزدوجة تجمع العقوبات والفساد.

فبينما تحتاج الحكومة إلى العملات الأجنبية لتمويل استيراد الغذاء والدواء والمواد الأولية ودعم العملة المحلية، يؤدي تأخر عودة العائدات أو اختفاء جزء منها إلى زيادة الضغط على الأسواق والأسعار.

ولا يرى المواطن الإيراني انعكاس الثروة النفطية على حياته اليومية، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والعلاج وتراجع الأجور والقدرة الشرائية.

وأكد صداقت أن امتلاك إيران واحدة من أكبر الثروات النفطية في المنطقة، بالتزامن مع تفاقم الأزمة المعيشية، يثبت أن العقوبات ليست التفسير الوحيد للمشكلة، وأن طريقة إدارة الموارد وتوزيعها تمثل جزءاً رئيسياً من الاختلال الاقتصادي.

وتحرم العقوبات إيران من الوصول الطبيعي إلى الأسواق والنظام المصرفي العالمي، لكنها تمنح في الوقت نفسه شبكات الوسطاء مبرراً للعمل بعيداً عن الشفافية، وتسمح بتحويل الظروف الاستثنائية إلى مصدر دائم للنفوذ والأرباح.

ولا تثبت استقالة باك‌نجاد بحد ذاتها تورطه في أي فساد مرتبط ببيع النفط، كما لم تكشف السلطات حتى الآن عن السبب الفعلي الذي دفعه إلى مغادرة منصبه.

لكن تزامن الاستقالة مع تصاعد الجدل بشأن أموال النفط والتحقيقات البرلمانية يضفي عليها دلالة سياسية واقتصادية، ويفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بما كان الوزير يعرفه عن الشبكات، ومدى قدرته على ضبطها، والخلافات التي واجهها داخل مؤسسات الدولة.

وقد تعكس الاستقالة عجز وزارة النفط عن إدارة قطاع تتوزع مفاتيحه بين جهات أمنية وعسكرية وسياسية، أكثر مما تعكس مسؤولية شخصية للوزير عن المخالفات المتداولة.

كما قد تشير إلى صراع حول السيطرة على عقود البيع والتخفيضات والوسطاء، في وقت تتراجع فيه الموارد وتزداد حاجة مؤسسات النظام إلى العملة الصعبة.

وتواجه حكومة بزشكيان معضلة سياسية واضحة؛ فهي تحتاج إلى شبكات البيع للالتفاف على العقوبات والحفاظ على تدفق الإيرادات، لكنها تتحمل في الوقت نفسه نتائج الفساد وضياع الأموال التي تنتج عن غياب الرقابة.

وأي محاولة لتفكيك هذه الشبكات قد تهدد الصادرات وتضع الحكومة في مواجهة الحرس الثوري والأجهزة الأخرى المستفيدة منها، بينما يؤدي استمرارها إلى زيادة النزيف المالي وإضعاف قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد.

وتكشف القضية حدود الإصلاح الاقتصادي داخل نظام تتعدد فيه مراكز السلطة، إذ لا تستطيع وزارة أو حكومة إعادة تنظيم تجارة النفط من دون موافقة المؤسسات الأمنية والعسكرية التي بنت خلال سنوات العقوبات مصالح واسعة داخل القطاع.

وقال صداقت إن المشكلة الأساسية تكمن في منظومة اقتصادية قائمة على الغموض وتعدد مراكز القوة، وليست محصورة في شخص وزير النفط المستقيل.

وأضاف أن تحول عائدات النفط، التي تمثل ملكاً للإيرانيين، إلى مادة للصراع بين شبكات داخل النظام وتمويل مسارات سياسية خارجية، يكشف حجم التآكل داخل بنية الحكم ويفسر استمرار الأزمة الاقتصادية رغم امتلاك البلاد موارد نفطية ضخمة.

وتضع استقالة باك‌نجاد حكومة بزشكيان أمام خيارين: فتح تحقيق شفاف يكشف الجهات المستفيدة ومصير الأموال، أو الاكتفاء بتغيير الوزير والإبقاء على المنظومة التي أنتجت الأزمة.

وفي حال بقاء شبكات الوسطاء خارج الرقابة، فإن تغيير قيادة وزارة النفط لن يعالج أصل المشكلة، لأن الجهة التي تحمل الصفة الرسمية لإدارة القطاع لا تملك بالضرورة السيطرة الكاملة على عمليات البيع والتحويل المالي.

ولهذا تمثل الاستقالة مؤشراً على أزمة حوكمة أوسع، حيث تتراجع الحدود بين مؤسسات الدولة والاقتصاد الموازي، وتصبح السرية المفروضة بحجة العقوبات وسيلة لحماية مصالح مالية وسياسية يصعب الاقتراب منها أو إخضاعها للمحاسبة.