‏فريدة أحمد يكتب لـ(اليوم الثامن):

‏آمال السلام

عانت اليمن بما فيه الكفاية من الحروب والوجع, حروب استنزفت فيها أرواح عشرات الآلاف من اليمنيين, سحقت الأخضر واليابس وكل شيء آخر قابل للسحق, كم مرّ على الحرب الأخيرة في اليمن؟ سنة, سنتين, ثلاث, أربع ....؟ وماذا بعد؟ هل سنظل ننتظر لحظة إعلان صفارة النهاية أبد الدهر؟ أم نستكمل عيش حياتنا على أمل حدوث تغيير ينتشلنا من هذا القاع المظلم؟ شخصياً إن خُيرت, سأختار الأخيرة, نعم سأمضي في حياتي وأعتاد على الأمر, لأنه الحل الوحيد للمحافظة على حواسي وعقلي سليماً, فالانتظار صعب والعمر أقصر من أن يعيشه مواطن بسيط في انتظار شيء, لم يثبت حتى الآن أن هناك إرادة حسنة لإنهاءه.


‏كان من المزمع عقد مشاورات في جنيف لإعادة تنشيط عملية السلام المعلقة منذ سنتين في اليمن, إلا أنها فشلت قبل أن تبدأ بسبب تعنت طرف الانقلابيين الحوثيين ومماطلتهم بعدم الحضور, لم أتفاجئ كغيري الكثير من عدم جدية الحوثيين منذ البداية في الخروج من الأزمة, لأنهم يتفيدون من بقاء الحال هكذا, ولا يهمهم حتى معاناة الناس الذين يخضعون لسلطتهم في أماكن سيطرتهم. رغم أنها ليست إلا مشاورات حسب تصريح المبعوث الأممي وسيتبعها مفاوضات لاحقة, المشوار مازال طويلاً حتى تتهيأ كافة الظروف الملائمة لإنجاح خطوة السلام, ومع ذلك أثبت الحوثيين أنهم لا يكترثون لشيء, ولا يقيمون وزناً لأي اتفاقات أو معاهدات.


‏في كل الأحوال ورغم بصيص الأمل الضئيل جداً, سنظل ندعم أي جهود يمكن من شأنها إيجاد حل سياسي نهائي للأزمة, وإيقاف نزيف الدم والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها هذا الشعب المنهك والمغلوب على أمره, فهناك من لديه مصلحة من إطالة أمد الحرب وبقاء المشهد ضبابياً, لإشغال دول المنطقة به على حساب التفرغ لإعمار ما أحدثته الحرب والمحاولة للنهوض بالبلاد. واقعياً, لن يعرف قيمة السلام إلا من مرّ بمعاناة كبيرة ومدمرة, وهذا ما يشعر به الملايين من أبناء هذا الشعب اليوم, وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية ...الخ.


‏على أن السؤال الأساسي والأهم, كيف يمكن تحقيق هذا السلام إن تم تحديد جولة مشاورات قادمة, ليكون مستداماً ويضمن عدم العودة لدورات أخرى من الحروب؟ بالتأكيد الحلول والإجابات ستكون كثيرة, لكن يمكن وضع "عدم إقصاء" أي طرف دوناً عن الآخر من المشاركة في أي عملية سلام تالية, لأن الإقصاء لن يفضي إلى جدية حقيقية للخروج من هذا المأزق, تجاهل أحد الأطراف من شأنه إفشال أي مساعي أو جهود للسلام, لذا يجب أن تكون المشاركة أحد شروط نجاح المشاورات أو المفاوضات اللاحقة, سواء شمال جنوب, رجال نساء, أحزاب وحركات سياسية من مختلف التوجهات, شباب ومستقلين وكل من يعنيه إنقاذ البلاد وانتشالها مما هي فيه اليوم. بالإضافة لتوافر القابلية عند كافة الأطراف لتقديم تنازلات ملزمة لهم, من باب المسؤولية التاريخية والأخلاقية والإنسانية, لتكون فرص نجاح أي مفاوضات في المستقبل أقوى, الحال أن تعنت أحد الأطراف أو استخفافه بالطرف الآخر والتشكيك في دوره وأهمية مكانته وموقع تأثيره, من شأنه إفشال أي عملية تقود للسلام, لأن القفز على تحقيق شروط هذه العملية سيجعل منها سريعة العطب, مثل الصحة تماماً, فالمريض الذي يرغب في أن يستصح لابد أن يهيء لنفسه الظروف المناسبة للعلاج, لذا من المهم أن تدرك كافة الأطراف أن تحقيق الأرضية الملائمة التي تهيء لأي حوار أو مشاورات أومفاوضات, يشكل أهمية كبيرة للنجاح في إنهاء الحرب والانتقال من صراع إلى توافق, وتمنع أيضاً من العودة إليه إن تعاملت مع إرث الانتهاكات بطريقة شاملة وعادلة.