د. كريم فرمان يكتب:

قابلية النظام السياسي العربي في احتواء النخبة

من المعهود أن البلدان النامية وبعيد نيل استقلالها السياسي تميزت بظاهرة مشتركة تتجسد في احتكار النخبة المتعلمة لمفاصل الحكم والنشاط السياسي والثقافي بل انه حتي في أنظمة الحكم التي هيمن عليها العسكر بقيت قمة السلطة تعتمد بشكل اساسي على هذه النخب للتسيير والإدارة..
وفي واقع الحال أن هذه النخب تستقطب اهتمام علماء السياسة الغربيين والذين يشغلهم في العموم تحديد مدى استطاعة تلك النخب على مواجهة التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الناشئة في مجتمعاتها إذ يتبلور أمامها تحديان رئيسيان هما..أولا مدى قدرتها على صياغة ثقافة سياسية وطنية تستوعب القيم الأساسية في المجتمع وثانيا تحقيق برامج التنمية الاقتصادية.
..ويرتبط بشكل حيوي بقاء واستقرار اي نظام حكم ونخبته بمقدرة هذه الأخيرة على إنجاح هاتين المهمتين وهنا يعبر عن هذه الإشكالية أمامنا بصورة جلية المشهد الجزائري الحالي فعند التعمق والتحليل لمجريات الامور نجد أن المشكلة لا تتعلق بشكل جوهري بموضوع تجديد العهدة الرئاسية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة فحسب إنما يتعلق في فشل النخبة الحاكمة في تقديم حلول ناجعة للمشكلات التي عجز نظام الحكم عند إيجاد حل لها طيلة عشرون عاما واصيب النظام بحالة تسمى في علم السياسة( تكلس شرايين النظام) وتفرد مجموعة صغيرة حول الرئيس في إدارة شؤون الحكم وفقا لمصالحها..
لكن لو أن اي نظام سياسي نجح في في رفع مستوى معيشة المواطنين وتحسين جودة الخدمات وزيادة الإنتاج الوطني واستيعاب نسب مقبولة من الشباب المتخرجين من الجامعات وخصوصا القادمين من البلدان الغربية المتقدمة وتوسيع دائرة المشاركة للنخب في مفاصل الدولة بما يشعر الجميع انهم موجودون بصورة أو أخرى وممثلون بشكل متوازن إضافة إلى التغلب على أزمة التوزيع لنشر الخدمات علي عموم رقعة الإقليم بما لا يشعر أية جهة بالحرمان يستطيع البقاء والاستمرار حتى لو أخفق في بلورة ثقافة سياسية وطنية.

التنمية المستمرة والتفتيش عن موارد إضافية تسهم في احتواء الإطارات الوطنية المتعلمة وإرضاء حاجياتها المادية وتعطشها الطبيعي للنفوذ يمكن أن يسهم في خلق نوع من الاستقرار والاستمرارية.
صحيح أن الركود الاقتصادي في حد ذاته لا يهدد النظام لكنه يصير خطيرا اذا كانت هناك مجموعات من الطموحين غير الراضين وقد وفرت لهم الثورة التكنلوجية المخيفة نافذة
معلوماتية ووسائل للتواصل بات صعبا السيطرة عليها أو منعها بل أن توقف تويتر في تركيا أثناء المحاولة الانقلابية في تركيا أحدث ضجة دولية في الرأي العام ومثل ذلك لم يستطيع نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك من الاستمرار في وقف بث مواقع التواصل الإجتماعي لفترة أطول بسبب الإحتجاجات العالمية عليه.

تستطيع هذه المجموعات المتعلمة والتي تعاني من البطالة وتعيش على الهامش من استغلال الشحنات العاطفية والمشاعر لتهييج السكان عل نظام الحكم بسهولة. أن
المشكلة الرئيسة التي تجابه أغلب الحكومات العربية هو الفشل في توسيع القطاع الخاص وازدهاره وجعله قطاعات ذي جاذبية في جلب الوظائف مما يدفع إلى الاضطرار لتضخم الجهاز الإداري والبيروقراطي الحكومي وارتجال وسائل من أجل احتواء إعداد متزايدة من الخريجين هم في الواقع بطالة مقنعة وغير منتجة وفي نفس الوقت يشعرون أن الوظيفة الحكومية اصلا لا تلبي لهم احتياجاتهم فيزداد التذمر ويرتفع مستوى التوتر.
لقد درسنا نحن ومثلنا الكثير في الجامعات الغربية والأمريكية ولم نلتقي إلا نادرا بموظف حكومي اذ أن العمل الحر والقطاع الخاص المرتكز إلى نظم قانونية وضمانات قوية هو الرافعة الحقيقية للاقتصاد الوطني.
ففي الصين التي يبلغ سكانها أكثر من مليار ونصف نسمة ليس هناك أكثر من مليونين من الموظفين العمومين بينما في العراق على سبيل المثال ثلاثون مليون فرد يخدمهم أربعة ملايين وظيفة عمومية مع عدم احتساب المتقاعدين!!
اين يكمن الخلل؟ سؤال يوجه برسم الاجابة الى وزارات التخطيط العربية !!! وإذا ما علمنا أن المرتبات والتي تستنزف جل الميزانيات كلها تأتي من مورد مالي أحادي هو تصدير النفط والذي بات سعره سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب!!
حقيقة انني أشعر كمواطن عربي واكاديمي بالخوف من تجدد الاضطرابات والتوترات اذا لم يجري بذل جهد حقيقي نظري وعملي ومراجعات جادة لمواجهة الاستحقاقات الوطنية.
أن الخطر لا يأتي من الخارج بقدر ما يتاتي من وجود مجموعات مؤدلجة واخرى مهمشة واحزمة فولاذية من الفقر تطوق عواصمنا ومدننا وتمتلك هذه المجاميع خطوط اتصال مع قوى في الخارج وربما دول عربية وغير عربية ولها قدرات ووسائل على استغلال مواطن
الضعف هذه ورفع شعارات وطنية سوف تكرر وتعيد لنا موجة ثانية من ما سمي بالربيع العربي المدمر لكن هذه المرة سيكون بلا شك تحت لبوس اخر....نحن قادرون والموارد متاحة امامنا فقط نحتاج إلى إرادة سياسية ومشاركة النخب الوطنية المخلصة والمستنيرة في التخطيط وتعزيز أواصر الوحدة الوطنية وخلق نقاش مفتوح للجميع وللجميع حول الانشغالات العامة علي أن تقدم خلاصات خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ والحياة لا أن تبق حبيسة الادراج...!!!
رحم الله طيب الذكر مالئ الدنيا وشاغل الناس ابو الطيب..القائل..
ولم أرى في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين علي التمام ...

*كاتب واستاذا جامعي من العراق.