حكيم مرزوقي يكتب:

"أميرة" النطفة المغشوشة التي تهز عرش القضية

ستتحرر فلسطين من الماء إلى الماء، إن وقع منع فيلم “أميرة” من العرض.. هذا ما يستشفّ فهمه من كل هذه الحملات الهوجاء ضد صناع عمل سينمائي ركب أصحابه الخيال وحده، وليس “القضية” التي يسترزق منها القاصي والداني، وتطرح في بازار المزايدات السياسية بدل أن تتوج في أوسكارات المهرجانات السينمائية.

كل ما في الأمر أن خيال الكاتب والمخرج المصري محمد دياب قد شطح بعيدا عن التوقعات، وأنجز فيلما روائيا طويلا صوّره في الأردن، ويسلط فيه الضوء على ظاهرة تهريب نطف الحياة من سجون الاحتلال الإسرائيلي لزرعها في أرحام زوجات الأسرى كدلالة على تمسك الفلسطيني أسيراً كان أو خارج الأسر بالحياة، وهو -في حد ذاته- ابتكار عبقري مدهش.

أما الاستثناء الذي تهتم به السينما عادة، كفن يعتمد الخيال ولا يقبل باليومي والاعتيادي والمكرر، فهو أن الفيلم المرشح للأوسكار قد التقط  قصة فتاة اسمها “أميرة”، ولدت عبر نُطفة مهرّبة لوالدها، القابع في سجن “مجدو” الإسرائيلي، لتُفاجأ في فترة لاحقة بأن هذه النُطفة تعود إلى ضابط إسرائيلي مسؤول عن التهريب من داخل السجن، والذي قام باستبدال العينة قبل أن يتم تسليمها للعائلة.

جدلية كبيرة ومعقدة يلقي بها الفيلم ذو الإنتاج الأردني – الفلسطيني – المصري المشترك، ويربك من خلالها المتلقي ضمن أسئلة أخلاقية و”هوياتية” تكسر المشهد المسوّق وتطرح الاستثنائي، وما يمكن أن يحصل داخل فرضية تلج “أبواب الجحيم”.. وهو ما يعنى به الفن، ذلك أن “لو” تفتح عمل الإبداع البشري على مر العصور.

هل سوف يغير طيش واستهتار حارس في سجون الاحتلال من مصير فتاة نشأت في رحم امرأة فلسطينية حالمة بالنسل والإنجاب من نطفة زوج أسير؟ كيف ستتم معالجة هذه المعضلة البيولوجية داخل نسيج من العلاقات المعقدة في بيئة عربية محافظة؟ أية أبوة يمكن أن تجتاح يوما ذاك الجندي الإسرائيلي العابث بآمال الأسرى وذويهم من الفلسطينيين المتشبثين بالاستمرار عبر التناسل كواحد من أسلحة البقاء؟

أية أمومة يمكن أن تكون عليها تلك المرأة الفلسطينية المطعّمة بنطفة مغشوشة وأي انتماء سوف تكون عليه “أميرة” داخل هذه الفرضية الآسرة، والمحرجة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء؟

جملة أسئلة حارقة يطرحها هذا الفيلم المربك على الجميع.. ولذلك حاربه الجميع.. وما أسهل أن يتحد الجميع في لغة غوغائية تعبد الشعارات، ولا شيء غير الشعارات.

وزارة الثقافة الفلسطينية ـ-وبدل أن تثمّن ترشيح عمل سينمائي يطرح قضيتها لجوائز أوسكار 2022، لأحسن فيلم دولي- خاطبت الجهات الأردنية لمنع عرض الشريط.

منظمات وهيئات فلسطينية تمثّل الأسرى الفلسطينيين، أو تتابع ظروف أسرهم، وقبل أن تشاهد الفيلم أصدرت بيانات رفض واستنكار للفيلم، وكأن منعه سيحسن من ظروف الأسرى أو يطلق سراحهم.

لنفترض جدلا أن “أميرة” قد أساء بشكل أو بآخر للأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، فإن ذلك لن يكون بالدرجة التي تعرض فيها للاحتلال الإسرائيلي وممارساته، إضافة إلى استهتاره بأحلام الفلسطينيين بالبقاء والاستمرار ولو عن طريق النطف المهربة.

هذه الوصاية المقيتة على أحلام الناس وخيالاتهم مازالت مستمرة في العالم العربي، وتغذيها الشعارات القائلة بالحرص على قضاياهم، فهؤلاء المزايدون المهووسون بإصدار بيانات الاستنكار، وبعد أن صادروا المشهد السياسي والثقافي يريدون اليوم مصادرة حتى الدراما المبنية على الخيال؛ إنها أبشع أنواع الاحتلال. لننظر حولنا قليلا ونسأل: ها هي الدراما الأميركية تقتل وتحيي وتخوّن الرؤساء فلا أحد من ساسة الولايات المتحدة عمل من الحبة قبة، وتحدث في خطاب له عن شريط سينمائي.

ما هذا “الاستمناء السياسي والثقافي” في أزمنة العقم ومحدودية الآفاق والتصورات، حتى يطالب من هم محسوبون على الثقافة والإعلام بمحاسبة صناع الفيلم ومحاكمتهم، أي إقامة محاكم تفتيش للعقل وإنشاء “معتقلات لأسر الخيال والإبداع الفني”.

هذه الممارسات الإقصائية هي المسؤول الأول عن تقاعد الخيال الفني في العالم العربي وعقمه، ومنعه من أي خصوبة إبداعية. وهي التي حالت دون مشي الأقدام العربية فوق السجاد الأحمر في التظاهرات السينمائية العالمية، ما عدا “نطفة ملعونة” من المبدعين الذين ضاقت بهم أوطانهم.

إنه فيلم يا “أولاد الحلال”.. مجرد فيلم فمن شاء منكم فليشاهده ومن لم يشأ فلينصرف عنه ولا يرجمه بالشتائم والتخوينات.

أما السؤال الذي يتحرك في مدار أوسع فهو: أين المشكلة في أن “يشذّ” مبدع عما اتفقت عليه الجماعة.. أليس الإبداع هو ضرب من الشذوذ المحمود؟ ثم لماذا لم تخوّن إسرائيل مثلا مخرجا مثل وودي آلن، وهو اليهودي الذي سخر كثيرا من أبناء ديانته في أفلامه بل كرموه ودعموه في نوع من الدعاية المضادة، وفي قدرة نادرة على الاستفادة من الطاقات الإبداعية داخل الثقافة الواحدة وتحويلها إلى العالمية.

“أميرة” فيلم سينمائي يخلخل بعض المفاهيم ويحرك الراكد في عقول الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء لأنه يتطرق إلى موضوع  غاية في الحساسية وهو بناء الأوطان على أساس النسب والانتماء الجيني وليس الثقافي

----------------------------------------

المصدر| العرب