حكيم مرزوقي يكتب:

الرئيس التونسي يضيء الإشارة الحمراء بعد إضراب النقل

سؤال واضح وبسيط في ذمة كل ما له عقل راجح: ماذا يعني أن يُشل قطاع النقل العام في تونس، تتمزق البلاد وتُعطل مصالح العباد بسبب الإضراب الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل؟

“كارثة لا يمكن أن يقدم عليها إلا … أو …” جواب يأتي بنفس درجة البساطة والوضوح، مع الحرص الشديد على عدم التصريح بالنعوت والتوصيفات المتوقعة تجنبا لإثارة الفتنة النائمة و”عدم النيل من المنظمة النقابية العريقة والمس بتاريخها النضالي وسجلها الوطني الناصع”.. وهلم جرا من تلك الخطوط الحمراء التي يتمترس قادة الاتحاد، اليوم، خلفها.

الحقيقة التي لا يمكن التعامي عنها هي أن غضبا عارما قد تفجر بين الآلاف من الأشخاص الذين لم يجدوا وسائل للتنقل في العاصمة من عمال وموظفين وطلبة وغيرهم، أما ما تخفيه هذه الحقيقة من خسائر مالية وأجواء مكفهرة بين المنظمة والحكومة، فهو أعظم وأخطر من موقف احتجاجي يكفله القانون التونسي ضمن الحق في الإضراب.. ولكن..

هل يتمادى الأمر حتى يصبح المواطن التونسي الذي يعاني “الأمرّين” ضحية سائغة مجانية لكل طرف يدعي الدفاع عنه؟

هل تحولت الحركة المطلبية فعلا، إلى استعراض للقوة، وشكل من أشكال "الفتوّة النقابية"؟

الأنكى من ذلك والأمرّ أن غالبية القيادات النقابية تنذر بالتصعيد، ولو بدرجات متفاوتة الحدة، فلقد أكد الأمين العام المساعد بالاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري أن الهيئة الإدارية بالاتحاد التي تنعقد خلال الأيام المقبلة ستقرر تحركات قطاعية ووطنية وجهوية قد تصل إلى حد شن الإضراب العام والإضرابات الجهوية.

هل تحولت الحركة المطلبية فعلا، إلى استعراض للقوة، وشكل من أشكال “الفتوّة النقابية”؟ هل تناسينا أن هذا القانون الذي يعد لينا أكثر مما يجب، مقارنة بغيره في البلدان العربية وحتى غيرها، يجرّم قطع الطرق والإضرار بالمصالح العامّة؟

النقل، وما أدراك ما النقل، الذي قامت بسبب إعاقته، الحروب والنزاعات في التاريخ القديم والحديث، أصبح لدى أدعياء النضال النقابي في تونس، سكينا تشهر بحديها في وجه الفرد والمجتمع والدولة، وإلا فما تفسير أن يغلق عمال شركة سكر تونس، منذ أيام قليلة، الجسر البحري المتحرك بمدينة بنزرت شمال البلاد، احتجاجا على “عدم صرف مستحقاتهم وتسوية وضعياتهم المهنية”.

كذلك فعلت الإضرابات والاحتجاجات العشوائية التي ساندها الاتحاد ضمنيا أو رسميا مثل عرقلة خطوط نقل الفوسفات عدة مرات، تحت ذريعة “مطالب مشروعة”.

أما عرقلة نقل المواطنين فصار أمرا مستباحا.. و”لتذهب مصالحهم إلى الجحيم” كما توحي به تلك الطوابير التي تنتظر في كل مرة، “غودو” الباص العمومي أو “غودو” التاكسي الفردي الذي يساهم بدوره في تضييق الخناق على المواطن المتعب، وإن كانت حجته أكثر إقناعا من السردية الاتحادية.

صاحب التاكسي الفردي أو الجماعي في وسائل النقل الخاص، يعرف ويقدر، على الأقل، هوامش أرباحه ويقاربها مع نفقاته من صيانة ووقود ترتفع أسعاره كل يوم، وكذلك حجم جهده، دون أن يخل بضوابط الترخيص وقوانين المرور واحترام السلامة العامة المنصوص عليها، لكن “صاحب الباص العمومي” المنخرط في الاتحاد، لا يحسب مثل هذه الحسابات وهو في مركبته المكتظة والمتهالكة، وعديمة الأرباح.

هل يتمادى الأمر حتى يصبح المواطن التونسي الذي يعاني "الأمرّين" ضحية سائغة مجانية لكل طرف يدعي الدفاع عنه؟

ومع ذلك، تتكاتف في الكثير من الحالات، “نضالات” اتحاد الشغل مع جمعيات الصناعيين والتجار، على التنكيل بالمواطن الضحية ضمن مطلبيات شبه تعجيزية تقف فيها الحكومة حائرة، على رأي المثل الشامي “معتّر يا جوز التنتين”.

وإن أعطت الحكومة الأولوية للاتحاد ذي المليون منتسب، في الاستماع لمطالبه فإن نقابات رجال الأعمال والتجار والصناعيين قادرة على الضغط وشل البلاد بدورها كما حدث مع أصحاب الأفران وغيرهم.. البلاد التي لا يستمع البنك الدولي والجهات المانحة إلى مطالبها إلا بعد حزمة إصلاحات يراها النقابيون تعجيزية.

ما العمل إذن؟ الخصخصة بالنسبة إلى الاتحاد خط أحمر، أما بالنسبة إلى الحكومة فهي الضوء الأخضر للحصول على المساعدات الدولية وإصلاح ما يمكن إصلاحه.. وهكذا يقع الجميع في تلك الدائرة الشريرة.

ويبقى الخط الأعرض والأكثر احمرارا ومناعة هو أمن البلاد، لأن تجاوزه يعني الكارثة كما جاء بوضوح في تشديد الرئيس قيس سعيد على ضرورة استمرارية المرافق العمومية، والتصدي لكل من “يسعى إلى ضرب السلم الاجتماعي” بكل الوسائل، مشددا على أن “لا أحد فوق القانون”، ومحذرا من أن أجهزة الدولة “لن تبقى مكتوفة الأيدي” أمام كل من يحاول المساس بتلك المرافق.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع وقد وقعها رئيس لم يحظ بمهلة 10 سنين من الحكم كما أعطيت لغيره، أما إذا ظن الاتحاد أنه يعيش في كوكب آخر، وانحرف بمهامه النقابية نحو مهاترات سياسية، فزجاجه أيضا من بلور، وخلافاته الداخلية بدأت تطفو على السطح، لذلك يقول مراقبون إنه يحاول إخفاءها بالتصعيد والصراخ.